تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة
يظل الاعتماد القوي على الأموال الساخنة مصدر قلق مستمر

الخلاصة| لماذا نجونا من أزمة دولار جديدة خلال حرب إيران؟

منشور الثلاثاء 14 نيسان/أبريل 2026

ما إن اندلعت الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران، نهاية فبراير/شباط الماضي، حتى انحبست أنفاس الكثيرين وهم يراقبون خروج الأموال الساخنة من سوق الدين المصرية، خشية أن تتكرر موجة الخروج الكبيرة التي شهدناها في 2022 وأدخلتنا في أزمة الدولار.

لكن مع إعلان هدنة الحرب، وبعد إحصاء التداعيات، ظهر أننا استطعنا تخفيف حدة الأزمة، بل وجاءت خسائر الأموال الساخنة أقل من التوقعات.

ما حجم خسائرنا من الحرب؟

يقدّر حجم التخارجات بنحو 8 مليارات دولار، وفق تقدير وكالة موديز، أحد أدق التقديرات عن حجم خسائر النقد الأجنبي الناتجة عن خروج الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المصرية خلال الحرب.

ووفق تقرير البورصة الشهري، بوصفه المصدر الوحيد المتوفر حاليًا للبيانات المؤكدة من سوق الدين الثانوية، لحجم مبيعات المستثمرين في الأذون والسندات المقيدة بالبورصة، والتي تمثل جزءًا من هذه السوق؛ بلغت المبيعات الصافية للأجانب خلال مارس/آذار نحو 239.5 مليار جنيه (4.4 مليار دولار)، وهو ما يمثل خسارة كبيرة بالمقارنة بأداء هذه السوق منذ بداية العام.

هذا التخارج منطقي برأي البعض بعد تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار خلال مارس؛ "فكل من دخل السوق المصرية خلال الأشهر الستة الماضية وجد نفسه في وضع خسارة"، كما يؤكد الخبير المالي مصطفى إسماعيل حسن لـ المنصة.

ويشرح أن متوسط العائد على الأذون والسندات المقومة بالجنيه خلال الأشهر الستة الأخيرة كان يدور حول 30%، ما يعني أن المستثمر الأجنبي سيجني في ستة أشهر نحو 15%، ومع تراجع الجنيه أمام الدولار خلال الحرب أدرك المستثمرون أن ما سيجنونه من عائد سيفقدونه في فرق سعر الصرف.

وفقد الجنيه نحو 15% من قيمته أمام الدولار خلال الحرب، مع وصول العملة الأمريكية لمستويات غير مسبوقة من الارتفاع تحت وطأة استنزاف النقد الأجنبي للبلاد جراء ارتفاع تكلفة الطاقة والواردات الأساسية بجانب تخارجات الأموال الساخنة.

وترتبط التدفقات الخارجة من مصر بالأساس بتوجه عالمي بين المستثمرين الأجانب خلال الحرب بالتخارج من الأسواق الناشئة، خصوصًا الواقعة في دائرة الحرب بالشرق الأوسط، كما يؤكد المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي لإدارة الاستثمارات محمود نجلة.

ويوضح لـ المنصة أن المؤسسات المستثمرة في أدوات الدين قد تعيد توزيع استثماراتها، مع زيادة المخاطر العالمية، بحيث تخفض حصة الأسواق الناشئة وترفع حصة أسواق الدول المتقدمة.

وكما يظهر من بيانات البورصة، فإن اتجاه البيع هو السائد بين المستثمرين الأجانب في مارس، حيث اقتربت قيمة أوامر البيع من ضعف أوامر الشراء. 

لماذا كانت الأزمة أقل من سابقتها؟

لكن الجيد في الأمر أن هذه الأزمة أقل حدة من سابقتها الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022؛ فقد تجاوز حجم مبيعات المستثمرين الأجانب في سوق الدين المحلية الـ20 مليار دولار، فما الذي قلل من أثر الأزمة الأخيرة؟

يفسر آلان سانديب، رئيس وحدة البحوث في "أكت فايننشال" للاستثمار المباشر، لـ المنصة تراجعَ وتيرة الخروج هذه المرة بالنظر إلى التوقعات بأن الأزمة لن تطول؛ "التصور العام كان أن الصراع الدائر وتداعياته أمر مؤقت، لذا مثلت التدفقات الخارجة نحو خُمس إجمالي استثمارات الأجانب".

ويُقدَّر إجمالي رصيد المستثمرين الأجانب في أذون الخزانة بـ2.1 تريليون جنيه، من إجمالي استثمارات بـ5.1 تريليون جنيه في هذه الأذون، حسب آخر بيانات للبنك المركزي عن شهر سبتمبر/أيلول 2025.

خففت من حدّة الأزمة أيضًا حريةُ مرونة صرف الدولار، برأي مصطفى إسماعيل حسن، فخلال أزمة 2022 لم يكن تغيير سعر صرف العملة الأمريكية مرنًا بما يكفي، ما ساعد على خلق سعر موازٍ للدولار، وجعل البنوك أقل مرونة في الاستجابة لطلبات تدبيره، وزاد من مخاوف المستثمرين ودفعهم للتخارج بوتيرة أسرع.

على عكس التوقعات، ارتفع احتياطي النقد الأجنبي خلال الأزمة إلى 52.8 مليار دولار، ويضع الخبراء سبب ذلك في الاعتماد بشكل أساسي على البنوك في تغطية طلبات المستثمرين الأجانب بالتخارج بدلًا من استنزاف الاحتياطي، ما عزز من الثقة في العملة المحلية.

وفق هذا يعتبر سانديب قدرة مصر على تجنب أزمة كبيرة خلال الحرب مؤشرًا إيجابيًا على قدرة الاقتصاد على تحقيق النمو المستدام في المدى المتوسط.

هل نستطيع استعادة الاستثمارات الساخنة؟

شهد شهر مارس، الذي مّثل ذروة الأزمة الإيرانية، زيادة لا يُستهان بها في وتيرة الشراء في سوق الديون المصرية، خصوصًا من المستثمرين العرب، فإلى أي مدى نستطيع الاستمرار في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى هذه السوق بعد الهدنة؟


ينوه مصطفى إسماعيل حسن لما وفرته السوق المصرية خلال الأزمة من حوافزَ للمستثمرين الجدد من غير المصريين، حيث زاد العائد على أدوات الدين بنحو 2% كما انخفضت قيمة الجنيه وبالتبعية الأصول المقومة بالعملة المحلية، ما يفسر القوى الشرائية خلال فترة الأزمة.

يتوقع حسن أن تتسم الفترة المقبلة بقدر من الاستقرار في سوق الدين ما لم يحدث تطور سلبي كبير في الحرب، بالنظر إلى أن أغلب من يرغبون في التخارج نفذوا عملياتهم خلال الشهر الماضي بالفعل.

ويراهن الخبراء بشكل أساسي على استقرار المنطقة شرطًا لخفض مخاطر الاستثمار في أدوات الدين المصرية وجذب استثمارات جديدة، بالنظر لما تمثله حروب المنطقة من تهديد مباشر لإيرادات مصر من النقد الأجنبي.

"المشكلة الكبيرة في تطورات الحرب، وما قد تخلقه من ضغوط إضافية على إيرادات السياحة وتكلفة الطاقة في مصر، وما يستببوا فيه بالتبعية من التأثير على وضع النقد الأجنبي"، يقول حسن، فيما تظل "التصريحات والتطورات السياسية الدولية، خاصة الصادرة عن شخصيات مؤثرة مثل دونالد ترامب، عاملًا رئيسيًا في تحديد اتجاهات الأسواق على المدى القصير"، وفق محمود نجلة.

حتى حالَ استعادة استثمارات الأجانب في سوق الدين، يظل الاعتماد القوي على الأموال الساخنة مصدر قلق مستمر، حيث يشير صندوق النقد الدولي في تقرير المراجعة الخامسة والسادسة، الذي صدر قبل فترة قصيرة من اندلاع الحرب، إلى الحصة الكبيرة التي يتمتع بها الأجانب في سوق الديون قصيرة الأجل المقومة بالعملة المحلية وما تمثله باعتبارها واحدًا من المخاطر الأساسية في حال اتجاه الأجانب للبيع بقوة.