تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
الرئيس السيسي

السيسي و"عدم المساس بالدستور" .. اختبار لإرادة السلطة والمعارضة

منشور السبت 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2026

بعد شهر تقريبًا من حملة، بدأت غزيرةً ثم تراجعت، تطالب بتعديل الدستور لإضافة فترات حكم جديدة للرئيس عبد الفتاح السيسي، خرج الرئيس ليعلن أن "الدستور لن يمس" ما يعني اكتفاءه بثلاث فترات، لا سيما وأنه اقترح تجهيز خليفته عن طريق تدريب مجموعة قد تصل إلى ألف شخص من حملة الماجستير والدكتوراه تتراوح أعمارهم بين أربعين وخمسين سنة على القيادة بالأكاديمية العسكرية.

أنعش إعلان الرئيس حياةً سياسيةً مصابةً بالتيبس والركود منذ عقد من الزمن على الأقل، وتبارت الأحزاب والحركات وبعض وسائل الإعلام التقليدي والجديد والشخصيات المهتمة بالشأن العام في حديث امتد من مدى جدية هذا الإعلان إلى التفكير في شخصيات مؤهلة لتولي المنصب الرفيع، والمطالبة بإظهار علامات على صدق الرغبة في التغيير من خلال إطلاق الحريات العامة، والإفراج عن سجناء الرأي والسياسة، وإعطاء الأحزاب فرصةً للتواصل مع الجمهور، وترميم بعض الشروخ العميقة التي تصدع بها النظام السياسي.

احتمالات

في هذا المضمار، يمكن التعامل مع إعلان الرئيس وفق احتمالات أو خيارات من الضروري أن يلتئم حولها النقاش الآن، أولها بالطبع جدية طرح الرئيس، واستمرار هذه الجدية حتى نهاية الفترة الرئاسية الحالية عام 2030 دون ظهور ظروف قد تُوصف بالقاهرة والضرورية تدفعه للتراجع، لتشهد الانتخابات الرئاسية المقبلة تنافس مرشحين على الرئاسة ليس بينهم السيسي.

إضافةً للجدية، هناك موقف الفئات المنتفعة من السلطة الراهنة، التي قد تضغط مستقبلًا لدفع الرئيس إلى العدول عن قراره، سواء كان هؤلاء بين الممسكين بزمام الاقتصاد، أو المتولين مناصب إدارية رفيعة، أو الإعلاميين المرتبطين بالسلطة الراهنة ويخشون الرحيل برحيلها.

كذلك لا يمكن تجاهل عدم جدية الطرح أصلًا، وارتباطه بتمرير أزمة تتعرض لها السلطة بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، أو الخوف من انفجار اجتماعي رفضًا للشروع في تعديل الدستور الآن.

ويمتد احتمال عدم جدية الطرح إلى ربطه بضغوط ما، داخلية أو خارجية، أو حتى استجابة لنصائح يرى أصحابها أن السلطة الراهنة وصلت إلى طريق مسدود في حل المشكلات المعقدة التي تمر بها البلاد، وعليها التفكير في تغيير من داخلها، ليقطع الطريق أمام التغيير الإجباري، أيًا كان شكله.

كما يمكن التعامل مع الأمر كمجرد تصريح عابر، يمكن الإفلات، ولو تدريجيًا، من التزاماته أو مقتضياته مستقبلًا، حال تغيرت الظروف، أو صناعة ظروف ما قد تكون عبر تجييش قوة جماهيرية تطالب باستمرار الرئيس، ويقبل هو هذا باسم الاستجابة لمطالب الشعب، ومن ثم نقدم على تعديل دستوري، ضيق أو واسع، في وقت لاحق.

أكثر من الملك

بدأت بوادر للخيار أو المسار الأخير في الظهور، حيث خرج إعلاميون موالون للسلطة ليتحدثوا عن عدم قدسية الدستور، وأن هناك ظروفًا تقتضي استمرار الرئيس منها الأخطار الإقليمية المحدقة بمصر، وضرورة إكمال لما يسمونه "المشروع الوطني"، وأن مصر ليست في حال يتيح لها رفاهية الإقدام على التغيير، وأن الطريق يجب أن يُوصد أمام وصول أي طامع أو خائن إلى سدة الرئاسة، بل وصل الأمر بهؤلاء إلى وصف المطالبين باحترام الدستور بأنهم "مجموعة من الخونة أو العملاء".

ما انزلق إليه هؤلاء في طرحهم جعل البعض يفتح باب الشكوك في جدية إعلان الرئيس، مستندين في هذا إلى سوابق معروفة، منها أن الرئيس السيسي نفسه أكد في حوار تليفزيوني سابق أنه ملتزم بفترتين رئاسيتين على الأكثر، مدتهما ثماني سنوات وفق دستور 2014، لكن تم تعديل الدستور عام 2019، ليضاعف مدة بقاء الرئيس في منصبه حتى 2030.

ويسترجع هؤلاء ما جرى من قبل إذ فُتح الباب أو أُعطي الضوء الأخضر لإعلاميين ليقدحوا في الدستور، ويقولوا إن واضعيه تعمدوا تقليص صلاحيات الرئيس لحساب رئيس الوزراء، إرضاءً للغرب، وأن هذا يصنع عدم استقرار سياسي، وبنوا جانبًا مهمًا من توجههم هذا على قول الرئيس نفسه إن الدستور كتب بحسن نية، ثم طالب البعض عام 2015 بتعديل الدستور فعلًا وظهرت مقولة الدستور ليس قرآنًا، وبعدها توقف الحديث في الموضوع، لكن لم تمر سوى ثلاث سنوات حتى تجدد الحديث عن التعديل، وهو ما تم بالفعل.

من أجل هذا، نجد الآن بين المعارضين من يدعو الرئيس السيسي للخروج مجددًا ليرد على المطالبين ببقائه، فيؤكد التزامه بما أعلنه، ويطلب من أصحاب الألسنة والأقلام التي تنادي باستمراره ألا يخوضوا في الموضوع، لأنه محسوم، ولا رجعة فيه تحت أي ظروف، وعليهم ألا يلعبوا دور "الدب الذي قتل صاحبه"، لأن أقوالهم وأفعالهم ربما تقود إلى اضطراب ما مصر في غنى عنه.

مهام المعارضة

لكن هذه المطالبة ليست كل ما على المعارضة فعله في الوقت الراهن، إنما عليها أن تؤدي "واجب الوقت"؛ سواء على مستوى الخطاب، أو على مستوى الأداء، متصرفة في الأمرين على أن إعلان الرئيس يتسم بالجدية، وأن الوقت حان لتنشيط الفعل السياسي في أوصال الحياة العامة.

على مستوى الخطاب يجب أن تأتي إجابة المعارضين عن السؤال المطروح حول من يصلح للرئاسة واضحة، دون مواربة، فتقول إن الرئيس نفسه تحدث عن صلاحية وزراء للمنصب الكبير، وفي مصر الآن على قيد الحياة أكثر من مائة وزير، وهناك مثلهم ممن تولوا منصب المحافظ، ويوجد رؤساء جامعات وعمداء كليات وآلاف من مدرسي العلوم السياسية والاقتصاد والإدارة وأساتذتها، ويوجد كذلك المئات من رؤساء مجالس إدارات الشركات الكبرى، ورجال أعمال بنوا إمبراطوريات اقتصادية بالاجتهاد والذكاء ومعروف عنهم نظافة اليد، وهناك أيضًا بالطبع البارزون من رجال الأحزاب والشخصيات العامة المشهود لها بالكفاءة والوطنية.

ويقال لمن يطرح مثل هذا السؤال، إن ضباط يوليو كانوا شبابًا وبرز من بينهم جمال عبد الناصر، وحكم مصر 16 عامًا، واختار السادات، وكان هناك من لا يراه جديرًا بالمنصب لكنه أثبت قدرة ظاهرة في إدارة السياسة، واختار هو مبارك نائبًا فتدرب على شؤون الحكم 6 سنوات، ليحكم مصر ثلاثين عامًا، ولم يكن أغلب المصريين يعرف عام 2009 اسم عبد الفتاح السيسي، فتقدم الصفوف وها هو يحكم البلاد، وقبله قدمت جماعة الإخوان الدكتور محمد مرسي، ولم يكن الأكفأ بين صفوفها، وحكم مصر سنة. وهذا يعني أن هناك الآلاف يحتمل أن يكونوا مؤهلين لتولي المنصب.

وهنا يكون على المعارضة واجب تذكير السلطة بإعطاء فرصة للتغيير الطوعي، خروجًا على ما اتسم به التغيير سابقًا من قسر، إذ ترك عبد الناصر الحكم بالموت في ظروف غامضة، واغتيل السادات بين صفوف الجيش أثناء الاحتفال بنصر أكتوبر، وتمسك مبارك بالحكم حتى خلعه في ثورة يناير 2011، وظل مرسي يعلن تمسكه بمنصبه حتى عُزل في 3 يوليو/تموز 2013.

هنا يجب على المعارضة أيضًا أن تتصرف وفق المعادلة التي تبين أن السياسة ليست ثابتة، إنما متغيرة، وأنها في مصر الآن باتت مفتوحة بالنسبة لمنصب الرئيس على احتمالات يهندسها القدر، أو الرغبة، أو الغضب، أو الظرف القاهر، خصوصًا المتعلق بالأحوال الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد.

في الوقت نفسه على المعارضة أن تؤمن بأن عليها انتزاع حقها في الوجود وأداء الدور بنشاط وفاعلية طالما تمارسه في إطار الدستور والقانون، ولا تنتظر الفتات المتاح من يد السلطة إنما تنخرط في تبني قضايا الناس، وتسلك الطريق إليهم أيًّا كانت العقبات، متواصلة معهم بثقة واقتدار، وتبادر بطرح شخصيات بارزة تصلح لمنصب الرئاسة أمام عين الشعب وأذنه، آخذة إعلان الرئيس على محمل الجد مهما كانت المسارات التي سيمضي فيها، ومدى الجدية التي يتسم بها، فعلى الأقل في إيمانها هذا، والعمل وفقه، ما يساهم في إثراء المجال العام، وإحياء السياسة بعد موتها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.