تصميم: أحمد بلال- المنصة
الرئيس السيسي

مشكلتنا مع "وعد الرئيس"

منشور الأحد 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026

نعم أصبحت لدينا مشكلة مع "وعد" الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخير، لكي لا أقول أغلب وعوده. وأقصد بهذا "الوعد" ما تفضَّل به سيادته في الكلمة التي ألقاها خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة قبل أيام، عندما أطلق وعدًا مهمًا نصه "أن للدولة دستورًا وافقنا عليه، ولن يمسه أحد". ثم كرر العبارة نفسها أكثر من مرة محذرًا مما وصفه بـ"الشائعات ومحاولات العبث بعقول المصريين"، في إشارة واضحة إلى زحام المخاوف والإشارات التي تواترت مؤخرًا ورسَّخت الاعتقاد بأن الحُكم يسعى لتكرار لعبة تعديل الدستور، بما يسمح بمرور خطة تمديد ولاية الرئيس الحالية، التي يفترض أن تنتهي في 2030.

إذن الوعد الذي أُطلق قبل أيام بألَّا تعديل للدستور ولا لعب جديدًا فيه، كان يعني مباشرةً أن الفترة الرئاسية لن تُمدد، وهو أمر كان يستدعي الفرح والاغتباط الشديدين لأنه يُبشِّر بأولِ تفعيلٍ حقيقيٍّ لمبدأٍ أساسيٍّ في دستورنا، كما كل دساتير البلدان الديموقراطية في العالم؛ ألا وهو التداول السلمي الهادئ للسلطة. لكن للأسف، يحول بيننا وبين الفرح تاريخ طويل من فيض الوعود والعهود التي لم تتحقق، بل ربما كثيرًا ما حدث عكسها.

وعد جديد ينضم للقدامى

يعني على سبيل المثال لا الحصر، سبق أن تلقينا وعدًا في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2017 بالالتزام بالنص الدستوري الذي يضع سقفًا للمدد الرئاسية ويقرر أن مدة الولاية أربع سنوات قابلة للتكرار مرة واحدة فقط. لكن ما حدث بعد ذلك أن الدستور عُدل في العام 2019 وأدخلت عليه تغييرات جوهرية كان أهمها تعديل المواد التي تتناول مدد الرئاسة وجعل المدة الواحدة ست سنوات ومنح الرئيس الحالي استثناء بحيث تمتد ولايته التي كانت قائمة وقتها لتزيد سنتين كاملتين أخريين ، ثم ترشح الرئيس في الانتخابات اللاحقة، وبدأت فترة ثانية جديدة هي التي ستنتهي عام 2030.

هذه هي وقائع التاريخ التي تمنعنا الآن من الفرح والاحتفاء بوعد الرئيس الأخير، وتشككنا في انتقاله حقًا من الكلمات الطيبة إلى التنفيذ العملي.

وبالإضافة لتلك الوقائع التاريخية هناك ما يحيط بوعد الرئيس الأخير من غموض، فالوعد الذي أطلقه الرئيس أعقبه بحديثٍ آخر عن قواعد ومعايير لاختيار رئيس الجمهورية التالي، دون توضيحٍ كافٍ. فهل ما يطرحه الرئيس من قواعد ومعايير تضمنت السن والدرجات العلمية والدورات التي يجب تلقيها في الأكاديمية العسكرية، مجرد وجهة نظر وتوصيات من الرئيس، أم أنها ستتحول لقواعد قانونية أو دستورية؟

صحيحٌ طبعًا أن الدساتير وثائق عظيمة الشأن، لكنَّ نصوصها وبنودها ليست مقدسة ولا مُنزَلة من رب العالمين، وإنما محض عمل بشري، ومن ثَمَّ تظلُّ قابلةً للتعديل والتغيير للأفضل لو كان هناك ما يقتضي ذلك، غير أنها كذلك لا ينبغي أن تكون ألعوبة نتلهى ونلعب ببنودها ونعدل صياغتها حسب مقاسات ومصالح بعض الأفراد أو الجماعات. كما أن أي اقتراب بالتعديل في بنودها لا بد أن يحدث بحذر شديد لئلا يمس نصوصًا تحتوي على أحكام تتعلق بمبادئ وقيم دستورية عليا ومرموقة، مثل مبدأ التداول السلمي الديمقراطي للسلطة.

ربما ما قلته في الفقرة الأخيرة ردٌّ استباقي على حجة اعتاد أن يشهرها في وجوهنا بخفة بعض الذين لا أريد وصفهم بما يستحقون.

خطوات ضرورية

وبعد.. ما الذي يتعين عمله بشأن هذا الوعد الرئاسي المهم؟

هذا السؤال يتعلق أولًا، بما يتعين على الرئيس ونظامه أن يفعلاه لإزالة الشكوك القوية التي تمنع أغلبية المجتمع من التعامل مع هذا الوعد بالجدية الكافية وتصديقه. وبالخطوات الكفيلة بنقله بسرعة من منطقة الكلام إلى أرض الواقع. وثانيًا، ماذا نفعل نحن المواطنون من الآن وحتى نتأكد بالحقائق المادية أن "الوعد حق" فعلًا؟

أما الواجبات التي على النظام تنفيذها فهي كثيرة جدًا، لكنها تبدأ بخطوات ضرورية وعاجلة، أولها "تبييض السجون" من آلاف سجناء الرأي الذين جهروا به سلميًا ومن دون أي تلويح باستخدام العنف.

ثانيًا: البدء بخطوات جادة، تنبئ بإزالة الأسوار والقيود الرهيبة المفروضة على المجال العام حاليًا والإفراج عن التنظيمات الشعبية كافة بما فيها النقابات والجمعيات والأحزاب طبعًا، من سجون مقراتها، وتمكينها من الانطلاق بحرية في أجواء المجتمع، لعل الأحزاب بالذات تستطيع، خلال السنوات القليلة المتبقية على الانتخابات الرئاسية، أن تعثر على مرشحين مؤهلين لخوض المنافسة للفوز بمنصب الرئيس.

ثالثًا: البدء بالتوازي مع ما سبق، بتفكيك حال المصادرة والتأميم العُرفي والرسمي للصحف ووسائل الإعلام وتحرير كافة أدوات التعبير من القيود الثقيلة المفروضة عليها حاليًا.

رابعًا: الكف فورًا، ودون إبطاء، عن تطبيق السياسات والإجراءات الاقتصادية الهوجاء المريعة التي عممت البؤس والفاقة في المجتمع بأسره، ومن ثم إبقاء الفقر الرهيب الذي أنتجته عند المستوى المروع الحالي دون زيادة، على الأقل.

هذا عن الواجبات العاجلة للنظام حتى يؤكد مصداقية الوعد الرئاسي المذكور، أما نحن فماذا نفعل إلى أن يحدث أو لا يحدث ما قلته للتو، هل نعبر بوضوح عن شكوكنا القوية في هذا الوعد؟ أم نسكت تمامًا وكأن شيئا لم يكن؟ أم .. ماذا؟

رأيي، والله أعلم، أن نكتم الشك في نفوسنا لبعض الوقت، ونطالب بإلحاح بتنفيذ واجبات الحكم المذكورة ونتحقق تاليًا من مصداقية وعد الرئيس من عدمها، وعند ذلك لكل حادث حديث.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.