كيلليني وبونوشتي يحملان كأس أوروبا - الصورة من الحساب الرسمي للمنتخب الإيطالي - فيسبوك
-

إيطاليا الهجومية: جذور التخلص من الكاتاناتشو

منشور الأحد 1 أغسطس 2021

 

بعد تتويج إيطاليا ببطولة الأمم الأوروبية الأخيرة هذا الشهر، نشر المدافع ليوناردو بونوتشي صورة له مع زميله قائد المنتخب جورجيو كيلليني وهما يأكلان المكرونة مع تعليق يقول "ما زلنا نأكل المكرونة، وأنتم؟". تشير كلمات مدافع يوفنتوس إلى الهتافات التي سمعها من الجمهور الإنجليزي قبل المباراة النهائية والتي تضمنت أغنية تقول كلماتها "يمكنك دفع مكرونتك إلى مؤخرتك".

في يورو 2020 الذي نظمه الاتحاد الأوروبي عام 2021 في عدة مدن أوروبية جاءت إيطاليا من بعيد، قبل البطولة صبّت التوقعات كلها في صالح المنتخبات التي سجّلت حضورًا قويًا خلال السنوات الماضية؛ فرنسا وبلجيكا وإنجلترا وربما إسبانيا، حتى مع الأداء الأزرق المتحسن باطراد تحت قيادة المدرب روبرتو مانشيني منذ استلامه الفريق قبل ثلاث سنوات لم يكن الإيطاليون يتوقعون العودة بكأس البطولة. 

ولكن إيطاليا قدمّت أداءً كان هو الأفضل طوال البطولة، حتى المباراة النهائية التي جرت في ملعب ويمبلي الشهير في لندن وانتهت بركلات الترجيح، كان بونوتشي يصرخ بعد الفوز في وجه إحدى الكاميرات قائلًا "إنها قادمة لروما". لعب ليوناردو دورًا كبيرًا في تتويج إيطاليا بالشراكة مع كيلليني، الذي يبدو كأحد محاربي روما القديمة في الملعب، بينما خارجه هو لطيف ومهذب كما يليق برجل يحمل درجة الماجستير في إدارة الأعمال.

تحقق الإنجاز الأهم لإيطاليا كرويًا، منذ إحراز ها كأس العالم 2006، بفضل الكرة الهجومية، عكس الصورة النمطية لمنتخب إيطاليا كفريق يلعب كرةً دفاعيةً مملةً ويحصد البطولات بتسجيل أقل عدد من الأهداف. يبدو للوهلة الأولى أن هذا التحول حدث على يد مانشيني، ولكن للقصة جذور أقدم. 

الدفاع يفوز للمرة الأخيرة

نحن الآن في إسبانيا صيف عام 1982 حيث تجري منافسات كأس العالم، كالعادة البرازيل تقدم أفضل عروض كرة القدم؛ الكرة الممتعة للعيون التي كانت ومازالت تحبها الجماهير، بأقدام لاعبين مثل سيرجينيو وسقراط وفالكاو، وبالطبع زيكو أفضل لاعب في أمريكا الجنوبية وقتها، ولكن كرة القدم الممتعة لم تكن كافية وقتها للفوز بكأس العالم.

على الجانب الآخر تطورت طريقة الكاتاناتشو نحو المزيد من المرونة وتبادل المراكز بين اللاعبين، على طريقة الكرة الشاملة، مع زيادة الفاعلية الهجومية، واستغلال كافة الفرص الممكنة للتسجيل، تكونت خطة الزونا ميستا وهي كلمة إيطالية تعني المنطقة المختلطة، وهي مزيج بين دفاع المنطقة الحديث، ودفاع رجل لرجل التي اعتمدت عليه الطرق الدفاعية القديمة.

أوصلت طريقة الزونا ميستا إيطاليا للفوز على كبار كرة القدم؛ البرازيل والأرجنتين وألمانيا، في الطريق لتحقيق كأس العالم 1982. كانت هذه هي الفترة الذهبية لثنائي قلوب الدفاع وخلفهما الظهير القشاش (الليبرو). يساعد الليبرو خط الدفاع على التكيّف مع عدة أوضاع خصوصًا عند رجوع أحد طرفيّ الملعب وتكوين رباعي دفاعي، حيث كان يعتمد على المدافع العبقري جايتانو شيريا في مركز الليبرو، وأمامه الثنائي فولفيو كولُّوفاتي وكلاوديو جنتيلي قلبي دفاع، مع وجود الأسلحة الهجومية برونو كونتي وباولو روسي هداف البطولة.

 

دينو زوف حارس وقائد منتخب إيطاليا يتوّج بكأس العالم 1982.  صورة من ويكيبيديا - برخصة المشاع الإبداعي

وقت التغيير

الكرة الممتعة كانت دائمًا شعار المنتخب البرازيلي، ولكن نظرًا للتطور الدائم في أساليب اللعب اتجه المدربون للأساليب الدفاعية في تسعينيات القرن الماضي. يعتبر أغلب المؤرخين أن مونديال 1990 كان دفاعيًا بشكل مفرط، في كأس العالم الذي تلاه 1994 أقرّت قاعدة منح الفريق الفائز ثلاث نقاط بدلًا من اثنتين للتحفيز، مع إقرار قاعدة جديدة تمنع حارس المرمى من الإمساك بتمريرات زملائه.

في مونديال 1994 كانت إيطاليا المرشح الأبرز للفوز بالبطولة تحت قيادة أريجو ساكي المدرب الهجومي الثائر على التراث الدفاعي في إيطاليا، وأحد أكبر المعجبين بالكرة الهولندية الشاملة. هنا روبيرتو باجيو أفضل لاعب ف العالم 1993، الذي رغم عدم تسجيله أي أهداف في دور المجموعات لكنه تألق في الأدوار الإقصائية وسجل أمام نيجيريا ثم إسبانيا ثم بلغاريا، حتى وصلنا إلى النهائي، أمام الغريم اللاتيني البرازيل، يتواجهان في كأس العالم للمرة الخامسة، وللمرة الثانية في النهائي.

إذا فكرت البرازيل في مواجهة أبناء ساكي على طريقة أجيال بيليه، سيكون هذا انتحارًا. فرغم تميز الثنائي الهجومي روماريو وبيبيتو، لكن الثنائي الأكثر تميزًا كان دونجا وماورو سيلفا، حيث حافظا على توازن الفريق طوال المباراة. لم يكن فريق كارلوس البيرتو بيريرا مدرب البرازيل بنفس قوة ومهارة الأجيال السابقة، ولكنه كان أقوى بدنيًا، وللمرة الأولى في التاريخ ينتهي نهائي كأس العالم بدون تسجل أي هدف في 120 دقيقة.

لعبت ركلات الترجيح وأهدر باجيو ركلته الشهيرة التي نعرفها لتتوج البرازيل بكأس العالم 1994 بعد أن تغيرت كثيرًا منذ جيل بيليه الذي أحرز كأس عالم 1970، وكأن الآية انقلبت بين البرازيل وإيطاليا.

هل تتخلى إيطاليا عن الدفاع؟

كان بزوغ الاتجاه الدفاعي في مصلحة الكرة الإيطالية التي ابتدعت هذه الطريقة، زادت الابتكارات الدفاعية مع مرور السنين حتى أصبحت هناك طرق أكثر إحكامًا. الفكرتان الأساسيتان للكاتاناتشو؛ أي الليبرو والرقابة اللصيقة، بدآ يختفيان تدريجيًا، الهجمات المرتدة أصبحت أقوى وأكثر فعالية، ومع ظهور جيل جديد من اللاعبين المميزين هجومًا ودفاعًا، ظل المنتخب الإيطالي منافسًا في كل من كأس العالم واليورو.

في بطولة 1998 تحت قيادة المدرب تشيزاري مالديني اعتمدت إيطاليا على أربعة مدافعين، ليبرو ومن أمامه ثلاثة، وفي يورو 2000 أصبح الدفاع الإيطالي مكونًا من ثلاثة مدافعين من بينهم الليبرو، طريقة 5-3-2 كانت سببًا في الوصول لنهائي هذه البطولة.

ودعت إيطاليا كأس العالم 2002 تحت قيادة جيوفاني تراباتوني بعد فضيحة تحكيمية أمام أصحاب الأرض كوريا الجنوبية، وفي يورو 2004 ظل تراباتوني ولكن الأداء كان باهتًا وغادر الطليان البطولة في مرحلة المجموعات، إلى أن أتى مارشيلو ليبي بتحولاته.

قرر ليبي الاعتماد على طريقة 4-2-3-1 التي لم تكن في تلك الفترة شائعة مثلما هي اليوم، ليقدم الكاتاناتشو برؤية جديدة، فرانشيسكو توتي في مركز صانع الألعاب ومن أمامه لوكا توني، وعلى الطرفين ماورو كامورانيزي وسيموني بيروتا، وخلفهم في خط الوسط يرسل الفنان آندريا بيرلو الكرات الطويلة للرباعي الهجومي ليستغل المرتدات في أسرع وقت ممكن، تاركًا مهام الضغط واستخلاص الكرات على عاتق جينارو جاتوزو.

ليبي يتم تصنيفه كمدرب متلون، يلعب كل مباراة بطريقة على حسب الفريق الخصم، سابقًا نجح ليبي في كسر سطوة مدينة ميلان على الدوري الإيطالي وفاز بالدوري مع يوفنتوس في عام 1995 للمرة الأولى بعد تسع سنوات، فاز ليبي بخمس بطولات دوري مع اليوفي ووصل لنهائي دوري أبطال اوروبا أربع مرات خلال الفترتين اللتين قاد فيهما اليوفي وأحرز اللقب مرة واحدة عام 1996، كان مرنًا للغاية وسيكون جزءًا من نهجه هو تكييف خطته التكتيكية لتتناسب مع الخصم في كل من المنافسات المحلية والأوروبية، يمكن أن يغير يوفنتوس تشكيلته من أسبوع لآخر وطوال المباراة إذا لزم الأمر.

كان تركيز ليبي على توازن فريقه، كان التوازن هو مفتاح إيطاليا كمان كان مع يوفنتوس، سيكون الفريق صارم دفاعيًا؛ بالاعتماد على دفاع ضيق وعميق مع مساندة خط الوسط، والتألق الفردي للمهاجمين من خلال المرتدات أو الاستحواذ، ومن المعروف عن المنتخب الإيطالي باللعب الفدائي والرجولي طوال الوقت، لكن هذا لا يمنع بعض الاتزان والهدوء اثناء الفترات الصعبة، في النهائي أمام فرنسا سجل زيدان هدفه الشهير من ضربة جزاء في الدقيقة السابعة، ولكن هذا لم يزعزع الفريق الإيطالي حتى عاد سريعًا برأسية ماتيراتزي، ومن بعدها سيطرت فرنسا على الكرة باقي المباراة ولجأت إيطاليا إلى الدفاع كالعادة.

وكان من الواضح اتزان إيطاليا على الجانب النفسي أكثر من فرنسا، حيث اللقطة الأشهر في مونديال 2006 هي طرد زيدان في الوقت الإضافي بعد استفزاز ماتيراتزي له، ربما هنا شعر الإيطاليون أن الكأس القادمة، لقطة كانت فاصلة وبالفعل لم تضيع إيطاليا أي ركلة ترجيح وتوّجت باللقب، تغيرت الاحوال كثيرا عن جيل باجيو في التسعينيات، ابتسمت المستديرة وحان وقت نسيان باجيو الآن.

من يُطيح بالهوس الإيطالي؟

من بعد ليبي، جاء المدرب تشيزاري برانديلي، وكانت هذه هي فترة ظهور بيب جوارديولا مع برشلونة وثورته في اللعب التموضعي، برانديلي نجح في الوصول إلى نهائي يورو 2012، الفريق الآن بات أكثر جاذبية عما كان عليه في فترة الركود من بعد كأس 2006، ولكن النجاح لم يكن مكتملًا، إيطاليا خسرت برباعية نظيفة أمام المنتخب الإسباني في النهائي، وفي مونديال 2014 غادر الطليان من دور المجموعات لتنتهي حقبة برانديلي.

جاء كونتي بعده ليقود إيطاليا خلال يورو 2016، وعلى الرغم من تخطيه لإسبانيا خلال في دور الـ 16 لكن إيطاليا خرجت أمام ألمانيا في ربع النهائي بركلات الترجيح، ربما كان مشروع كونتي قابلًا للنجاح حال استمراره ولكن المدرب اختار أن يخوض تجربة تدريب تشيلسي في البريميرليج تاركًا خلفه جان بييرو فينتورا الذي فشل في التأهل لكأس العالم 2018.

حان وقت التغيير الجذري؛ إيطاليا تٌقيل جيان بييرو فينتورا وتتعاقد مع روبيرتو مانشيني الذي استلم فريقًا متهالكًا. عدم وجود بنية أساسية من اللاعبين باستثناء قلبي الدفاع بونوتشي وكيلليني صعّب المهمة أكثر على المدرب الجديد، خصوصًا مع هبوط مستوى الدوري الإيطالي مقارنة بالدوريات الكبرى الأخرى. على مانشيني أن يبحث خارج الصندوق؛ لن يلعب بخماسي دفاعي بانتظار المرتدات، بل سيلعب برباعي دفاعي ومن أمامهم ثلاثي وسط يضمن الاستحواذ وتدوير الكرة.

على الفريق بناء قاعدة يرتكز عليها، قرر مانشيني الاعتماد على وسط الملعب، جورجينيو لاعب الوسط المنتقل مع ساري لتشيلسي، هو أقرب لمدرب داخل الملعب يوجه اللاعبين فيما عليهم فعله، يحتفظ بالكرة تحت الضغط وينقل اللعب للهجوم في سلاسة ويسر، أيضًا فيراتي لاعب وسط باريس سان جيرمان الذي يمتلك إمكانيات ممتازة في الحفاظ على الكرة ونقلها للأمام وصناعة اللعب، هنا سيكون العمود الفقري للفريق.

من بعد خسارة إيطاليا أمام البرتغال بهدف واحد في المباراة الخامسة لمانشيني مع إيطاليا على هامش بطولة الأمم الأوروبية، لم يخسر مانشيني أي مباراة على مدار ثلاث سنوات، بل بنى فريقًا جديدًا قائمًا على الاستحواذ ومهاجمة الخصم. لعبت إيطاليا في اليورو مباريات هجومية استباقية، باستثناء مباراة إسبانيا أسياد اللعب التموضعي، بمساعدة الحرس القديم في خط الدفاع بونوتشي وكيلليني.

 

بونوتشي يحتفل بتسجيل هدف التعادل في نهائي يورو 2020. الصورة: الصفحة الرسمية لمنتخب إيطاليا -فيسبوك.

ليوناردو سبينازولا قدم أفضل أداء لظهير أيسر في البطولة؛ ظهير هجومي بحت بقدمه اليمني على طريقة باولو مالديني يخترق الجبهة اليسرى للمنافس ويسمح للجناح الأيسر إنسيني بالدخول لعمق الملعب، على الجانب الأيمن تواجد بيراردي في بداية البطولة من بعده فريدريكو كييزا، أغلبهم أسماء شابة اعتمد عليها مانشيني لصنع منتخب قوي، إيمرسون الظهير الثالث في تشيلسي، كييزا وبرناردسكي ليسا أساسيين مع يوفنتوس، لوكاتيلي وبيراردي من ساسولو الفريق الذي يؤدي بشكل جيد في إيطاليا ولكنه ليس من الكبار، وحتى بيلوتي مهاجم تورينو كان ينافس على الهبوط أغلب الموسم.

لعبت إيطاليا في يورو 2020 كرة القدم تلعب بالعقل وليس بالركض، ولكن من أهم أسباب هذا النجاح كان بونوتشي. ليوناردو الذي يمسك بريشة دافينشي ويرسم بها أفضل نهاية لبطولة اليورو، دون أن يشغل باله لهتافات مشجعين الخصوم، التي سيرد عليها في النهاية مرة في الملعب ومرة ثانية وهو يأكل المكرونة مع رفيق رحلته الطويلة. 

ربما لم يتوقع أحد أن تفوز إيطاليا ببطولة على الطريقة الهجومية، ولكن التكتيكات الحديثة أغلبها مستوحى من أفكار قديمة، الدفاعي سيكون هجومي غدًا، والهجومي سيجد طريقه نحو الدفاع من بعده، كرة القدم تكرر نفسها مع الوقت، الثابت هو الشغف نحو هذه اللعبة، لا يهم الوسيلة التي ستستخدمها لكي تصل لهدفك، المهم أن تلمع عينيك مع فوز فريقك المفضل.