مشهد للنيل- الصورة: صفاء سرور- المنصة
-

حياة كريمة: من أجلي ومن أجل "محمد عبد السلام"

منشور الاثنين 16 أغسطس 2021

أعرف أنني فلاح، لأن عمي الذي ترك قريته غضبانًا ذات يوم وهجَّ منها، كان أبعد ما استطاعت قدماه أن تدركه هي أقرب نقطة للعودة إلى أرضه في منيا الصف بالجيزة.

أنا من مدينة حلوان، لكنني فلاح رغم صدري الذي يضيق بالأسمنت، وذلك الشريط الضيق الذي لسنوات طويلة تخيلته النيل وحده، لأن أبي وأمي كانا جارين، البيت في مقابل البيت كضفتين، مثل قريتيهما اللتين، للغرابة، يفصل بينهما النيل دون أن يمر؛ يربطهما كوبري المرازيق والطريق الدائري الذي همش مع السنين وسيلة نقل قديمة؛ عبَّارة تمر بين البدرشين حيث توجد الطرفاية بلد أمي والشوبك بوابة الدخول الغربية إلى منيا الصف.

هذا النيل، عرفته يبدأ من شركة أسمنت بورتلاند طرة ويضيق كلما سار جنوبًا باتجاه منبعه حتى يختفي في عب الاستراحة الملكية لفاروق الأول، لذلك لم أصدق أبدًا مسلسل حياة الجوهري (1997)، عندما حامت شبهات التربح الوظيفي بيسرا لأنها سكنت وعائلتها شقة ترى النيل؛ كيف يبدو مصدرًا للغنى أن ترى ترسانة المعصرة البحرية المخيفة بسكونها المهيب وحشائش الهيش تغطي النهار والليل فيما قبلها وما يمتد بعدها إلى حد التلاشي أو الاصطدام، فجأة، بالأسمنت يتفرع إلى شوارع وبيوت وقرى كان أهلها فلاحين، وأنا فلاح، لأن أمي أعطتني ذات يوم لفافة، فيها بعض من خصلات شعرها المقصوص، وقالت ألقها في النيل، لا القمامة، حتى يعود إلى رأسها نضرًا غزيرًا.

لم أر غيطًا حقيقيًا إلا في شبابي، لكنني أدركت طفلًا قيراط زرع أمام بيت خالتي، تركه الناس على حاله أو نسوه إلى حين بين منزلين من الحديد المسلح والطوب، كنا نسميه "الأرض" ونلعب فيها الغماية أو نظن أنفسنا نغرق في محيط كله من عيدان الجراوة (الذرة) والبرسيم، وفي بيت أعمامي، لم يكن ثمة حقل أغوص فيه إلى حد أتوه بعده؛ كل أعمامي سكنوا ضفة الترعة حيث الطريق السريع إلى شركات فحم الكوك بالتبين أو الشركة القومية للأسمنت أو أسمنت حلوان، لكنني رأيتُ الترعة تعب النساء من صفحتها نباتات خضراء تشبه ثمار العدس المنفوشة تلقيها إلى البط فتطعمه، بينما أقف مثل مديني يتأفف مداريًا استمتاعه بالمدهش.

أنا ابن مدينة، حدائق حلوان تحديدًا، شارعنا الذي أسكنه تبقى من أرض سماها الناس في الماضي أرض الجوافة، كانت كلها جنائن، وكان فيها فيلا فريد الأطرش، أسسها في حياته لكن الموت لم يمهله سكنها، وعاينتها بنفسي خرابة نلعب حولها "امسك حرامي" في الابتدائية؛ كانت الحدائق امتدادًا لأرض حلوان الملكية، التي وضع الملك فاروق الأول على ناصيتها النهرية استراحةً، وبنت من قبله جدته خوشيار هانم أم الخديوي إسماعيل قصرًا للاستشفاء بعد أن أسست عزبة كاملة لخدمها، لا تزال تحمل حتى اليوم اسم عزبة الوالدة، كانت مصابة بمرض جلدي ونصحها الأطباء بعيون مياه الكبريت في حلوان، هي العيون نفسها التي زرتها وأنا بعد خمس سنوات مصابًا بحمى النيل؛ بئر يشبه نني العين في الوسط من بؤبؤ رمادي شاسع كدليل على عصر غابر من الخضار يحيطها سياج مهول على مرمى عين، لا أظن أنني أدركت نهايته وقتها، غير أنها فسدت ولم يعد يابسها أخضر أبدًا ولا ينتظر القادم إلى زيارتها اليوم سوى السياج وحده ولافتة تحمل اسمها كمحطة للمترو على خط المرج/حلوان.

لكن الفتوات انتظروا حتى يقسموا الحدائق، كانوا أكثر تمهلًا من الثورة الصناعية اللاهثة التي بدأتها دولة يوليو؛ تُأَسسَ المصنع تلو الآخر في جميع المجالات: الصلب والأسمنت وصناعات الفحم والأسلحة الحربية حتى النشا والجلوكوز، وكلهم في أرض حلوان وامتداداتها، هل يمكن النظر اليوم إلى اختيار أرض حلوان تحديدًا دون غيرها، كسابقة عمد لإزالة التراث الملكي من جذره الأكثر ترفًا: منتجع الملوك الترفيهي والاستشفائي؟ لا أملك إجابة، ولكنني أعرف أن الفتوات: خفراء الجنائن القدامي وحماة الأمن في المنطقة، انتظروا متمهلين حتى ازدهرت تلك المصانع وأفسدَ دخانها الجنائن وتناستها الدولة المشغولة بالنهضة الناشئة، فقسموها فيما بينهم إلى أراض بوضع اليد وباعوها لمن يملك القدرة على تشييد منزل، أو بنوها هم أنفسهم وأسكنوا فيها العمال والطموحين والنازحين والفارين من قراهم غاضبين، مثل عمي، الذي ربما كان فلاحًا في ظروف مختلفة، لكنه انتهى كاتبًا أول بشركة القومية للأسمنت، يصل إليها من مدخل لطريق الأوتوستراد قبل قريته منيا الصف.


اقرأ أيضًا: بعد الحديد والصلب: ماذا سأفعل بحياتي كعامل؟

 


أنا مثل عمي، ابن للاحتمالات الكثيرة، ووثبات الغضب، ووثبات الثورة، وما يتبعهما من خطى ضالة أو سكون بعد الخراب: سكون جلد الذات؛ عمي الذي عاد إلى المنيا قبل دنو أجله واشترى أرضًا كانت بستانًا صغيرًا لمزروعات شتى تتوسطها كرمة عنب، شيد على نصفها مخزنًا كبيرًا للأسمنت فتح عليه بابًا مهولًا من الجزاءات الحكومية لتجاوزه بالبناء على أرض زراعية، حتى باعها بورًا لآخر يجرب معها حظه؛ عمي الذي يشبه في غضبه محمد عبد السلام، الساكن في قرية شما التابعة لمركز أشمون بالمنوفية، التي زارها الزميل محمد الخولي من المنصة لمعاينة فعاليات مشروع حياة كريمة منذ أيام.

كان محمد عبد السلام، الذي لا أعرف شكله أو عمره، غاضبًا جدًا، مثل رجل شهد ولادة طفل وصاحبه صبيًا وعاش عثرات شبابه وازدهار كهولته ثم هو في أفوله يودعه شيخًا إلى المقبرة، بينما لا يتبقى له  سوى الخلود والبكاء. كان محمد عبد السلام يتحدث إلى مراسل المنصة غاضبًا من عزوف الشباب عن تعلم تطريز السيرما أو ممارسته، وهي حرفة النقش بالخيط والزخرفة على القماش (مثل ما يظهر من نقوش لآيات قرآنية تزين كسوة الكعبة) اشتهرت بها القرية الصغيرة منذ عقود طويلة، لكنها غائبة عن أي مسار للتطوير حتى ضمن مبادرة حياة كريمة النابعة وفق تعريف موقعها الرسمي "من مسؤولية حضارية وبُعد إنساني قبل أي شيء آخر".

ربما كان محمد عبد السلام فلاحًا، لكنه في هذه القصة لا يتذكر من نفسه أو يعرف عنها غير النول الذي خاض الحياة يرسمها على خيطه، ولا ينتظر من الحياة سوى أن تستمر في سريانها على لوح التطريز نفسه الذي ربما يحفظه بين ذراعيه أو يعلقه في ركن بارز على الحائط، لكنه يراها الآن تسير في سبيل الزوال؛ الأسمنت مكان الحرف، انمحاء القديم عبر نقطته الأكثر سطوعًا لتشييد جديد لا يستهدف من نفسه سوى إثبات الفعل دون معنى.

في تلك المعايشة التي خاضها زميلي الخولي لواقع الحياة على صدى خلاطات أسمنت البناء في شما المنوفية، ثمة صوت خفيض تعلو نبرته لتتوحد في ارتفاع: مجمع المصالح الحكومية المزمع إنشاؤه ويضم مركزًا تكنولوجيًا متطورًا للبريد والشهر العقاري والسجل المدني ومكتبًا للتموين وآخر للمجلس المحلي وثالثًا للشؤون الاجتماعية والتضامن، سيخدم من وليست لدينا فصول دراسية تستوعب التلاميذ؟ أو مستشفى يغطي حاجة المرضى في القرية من الأساس؟ أين سيعمل أولادنا بعد انقضاء أعمال البناء وانتقالها إلى قرية أخرى؟ هل سيهاجرون في إثرها؟ لا حياة كريمة في الأسمنت وحده. ربما كنا أبناء احتمالات متعددة/خاطئة/ متضاربة؛ كنا فلاحين، أبناء مدينة، أو حرفيي تطريز، لكننا نعرف أن النيل ليس خطًا ضيقًا بين مصانع الكيماويات وترسانات السفن، وأنه زرع كان هنا وكانت هناك جنائن وغيطان، يمكن أن تعود فتزهر.