وزارة مدبولي الجديدة القديمة.. عشرة مظاهر لمشكلة مستمرة
رغم أن الدستور المصري لعام 2014، المعدل في 2019، جعل من رئيس الوزراء وفريقه الوزاري شركاء في صنع السياسة العامة للبلاد؛ يراهم كثير من المصريين في دور "التنفيذي الإداري للسياسة العليا"، باعتبار الدستور كنص أعطى الصلاحية كاملة لرئيس الجمهورية في هذا الشأن. وكذلك وفق العرف السائد عقب ثورة 1952، يرسم خبراء السياسة النظام السياسي المصري هرمًا مقلوبًا على قمته الرئيس. وهو نظام وصفه بعض الباحثين في السياسة والاجتماع والقانون بأنه نظام مفرط في رئاسيته، لا سيما أوقات الأزمات.
التعديل الوزاري الموسع الذي أقره مجلس النواب في دقائق معدودات، بقي فيه مصطفى مدبولي رئيسًا لحكومة تغير منها 14 وزيرًا.
شهدت الوزارة الحالية تباديلَ وتوافيقَ في بعض المناصب، خصمًا وإضافة، بشكل مفرط، وأكثر اتساعًا مما اعتادت عليه الحياة السياسية. صار خالد عبد الغفار وزيرًا للصحة والسكان بعد أن كان يشغل مع هذه الحقيبة منصب نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية، وفقد كامل الوزير حقيبة الصناعة ومنصب نائب رئيس الوزراء ليقتصر تكليفه على وزارة النقل، ودُمجت وزارة البيئة مع التنمية المحلية لتتولاها منال عوض، وأُضيف التعاون الدولي إلى الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج بحوزة السفير بدر عبد العاطي. كما شملت التعديلات تعيين نائب لرئيس الحكومة، وأربعة نواب لوزيري الخارجية والإسكان.
ومع السرية التي أحاطت التشكيل، لا تبقى أمام المحللين فرصة لمعرفة أسباب رحيل من رحل وبقاء من بقي ومجيء من جاء، ولا تقليص من قُلِّصت اختصاصاتهم. وهذا لا يعني انعدام سبل تحليل المؤشرات العامة لهذا التعديل الموسع، أو الصورة الكلية التي يعكسها.
وفي هذا السياق يمكن صياغة بعض هذه المؤشرات، التي تحمل في باطنها مشكلات واضحة، في عشر نقاط تالية.
تعديل تُحيطه الأسئلة
أولًا: يمكن فهم أن أي تغيير أو تعديل وزاري يُظهر ما إذا كانت الدائرة الضيقة للسلطة العليا تشهد صراعات أو تفاهمات، انسجامًا أو انقسامًا، ويعكس طريقة تفكيرها ونظرتها إلى المستقبل. فالحقيقة التي لا مراء فيها أن اختيار الوزراء كاشف جدًا. فالأهداف الوطنية الواضحة تنادي أهلها، وتجذب العشوائية والتخبط أهلها، ويوضح فرز أسماء من بقوا ومن رحلوا، على أي أساس تم التقييم، وإلى أي طريق نحن ذاهبون.
ثانيًا: أن الإبقاء على مدبولي يعني، للوهلة الأولى على الأقل، أن النظام الحاكم ما زال خياره التنمية من زاوية التشييد والبناء، الذي جعل السلطة السياسية تظهر في كثير من الأحيان في مظهر شركة المقاولات، حيث يتقدم الحجر على البشر والمباني على المعاني، لذا لم يكن من المستغرب أن يكون البند الأخير في تكليف الحكومة هو "بناء الإنسان المصري" تسبقه قضايا أخرى في جدول الأولويات.
عودة وزارة الإعلام، التي كلف بها رئيس هيئة الاستعلامات تعكس استمرار النظرة السلطوية التقليدية إلى الإعلام
ثالثًا: يطرح هذا الوضع سؤالًا جوهريًا عما إذا كان من المفيد للدولة المصرية في قادم السنوات أن تستمر في نهج التنمية نفسه، رغم آثاره الفادحة على حياة المصريين، حيث زادت معدلات الفقر، وحوصرت الطبقة الوسطى، وزادت الديون الداخلية والخارجية، أم أن الوقت حان للانتقال إلى مسار آخر يصبح فيه الإنسان المصري لا الأرض مصدرًا للثروة، وتعبيرًا عن الطاقة الكامنة المعطلة التي تحتاج إلى تفجير وتثوير يحسن استغلالها ويحولها إلى قيمة اقتصادية مضافة.
رابعًا: سبق التعديل الوزاري حديث عن رغبة السلطة السياسية في الانتقال إلى الاقتصاد المنتج، بعد سنوات من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية. وأن هذا سيعتمد على توسع في التصنيع ومزيد من استصلاح الأراضي، لتحويل الزراعة إلى نشاط اقتصادي حقيقي، سواء في توفير الغذاء، أو إنتاج محاصيل تمكن مصر من تعزيز الصادرات للحصول على عملة صعبة تحتاجها لضبط سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، ضبطًا طوعيًا وحقيقيًا، وليس مفروضًا أو إجباريًا، وتوفير ما يُمكّن الحكومة من تسديد فوائد الديوان المتراكمة.
لكن الإبقاء على مدبولي قد يؤشر على تأجيل هذا الانتقال أو تراجعه كأولوية، حتى لو كُلِّف وزير آخر بحقيبة الصناعة، بعد أن كانت رديفًا مع النقل في يد رجل واحد هو الفريق المهندس كامل الوزير، الذي تحدث في الشهور الأخيرة عن نجاحه في إطلاق بعض المصانع المعطلة وبناء أخرى جديدة، وهو ما صاحبته دعاية حكومية عن نجاحه دون أن يلمس المصريون هذا النجاح في حياتهم اليومية.
خامسًا: عادت وزارة الإعلام، التي كُلف بها رئيس هيئة الاستعلامات الأستاذ ضياء رشوان، ما يعكس استمرار النظرة السلطوية إلى الإعلام باعتباره الساحة الحقيقية لمعركة السلطة أو إدارة تحدياتها، أو ما يقال دومًا من أن نصف المعركة في الإعلام.
وفي هذا تعطي السلطة أولوية لصناعة الصورة على بذل الجهد المضني في سبيل تحسين الواقع، وتستمر في ظنها بأن احتكار الإعلام والإنفاق عليه بسخاء كفيل بتعويم صورتها وتعزيز شعبيتها ودعم شرعيتها، دون أن يظهر مع اختيار رشوان، الذي بذل كل جهد مستطاع في الدفاع عن السلطة في منصبه السابق، أن هناك مراجعة لملف الإعلام تقوم على الإيمان بأن نجاحه مرهون بوجود الحرية، وعكس آراء الناس ومصالحهم، والسماح للمختلفين في الرأي بالوجود على الساحة الإعلامية الحكومية.
أظهر استمرار وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف في منصبه عدم الالتفات إلى موقف الرأي العام
سادسًا: كُبحت طموحات بعض الوزراء، مثل كامل الوزير الذي طُرح اسمه رئيسًا للوزراء بدلًا من مدبولي. وكذلك خالد عبد الغفار، الذي وإن احتفظ بوزارة الصحة، فقد منصب نائب رئيس الوزراء، وقد يكون الطريق أغلق أمامه لتولي رئاسة الوزارة مثلما تردد عن طموحه لا سيما في الشهور الأخيرة. وربما يقود هذا إلى فقدان الاثنين منصبيهما في أي تعديل أو تغيير قادم.
سابعًا: لا يزال أمام المرأة وقت، لا أحد يعرف قدره، لتحظى بثقة القيادة السياسية وتتولى رئاسة الحكومة، ففي الشهور الأخيرة تردد اسم هالة السعيد، وزيرة التخطيط السابقة، كرئيسة للوزراء. وهناك من طرح اسم رانيا المشاط، باعتبارها لعبت دورًا في طرح نسختين مما سُمي "السردية الوطنية للتنمية" التي ينظر إليها البعض باعتبارها الخطة النظرية المعلنة للحكومة.
ثامنًا: أظهر استمرار وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف في منصبه نوعًا من عدم الالتفات إلى موقف الرأي العام من بعض حائزي المناصب الكبرى في البلاد. وما زاد الطين بلة، أن التعديلات شملت وزيرة للثقافة، جيهان زكي، تواجه حكمًا قضائيًا نهائيًا بانتهاك قانون الملكية الفكرية، عبر اتهامها بالنقل المفرط من مؤلف للكاتبة سهير عبد الحميد حول "قوت القلوب الدمرداشية".
تصبح الوزيرة بذلك في انتظار قرار محكمة النقض، ولن يعفيها نقض الحكم، إن صدر، من أن يُنظَر إليها باعتبارها جرحًا جديدًا غائرًا في جسد الحكومة. وحتى لو تمت تبرئتها بعد ذلك، فستجد صعوبةً في استعادة صورتها، لا سيما أن الحكم صدر ضدها بعد الإطلاع على تقرير لجنة فنية مختصة، وأُلزمت بتعويض قدره مائة ألف جنيه، ورُفضت دعوى قضائية بالسب والقذف رفعتها ضد سهير عبد الحميد.
تاسعًا: يشير معدل التغيير السريع فيي وزارة الثقافة منذ ثورة يناير إلى الآن، عشر مرات، إلى أنها باتت منصبًا للترضيات، التي لا يمكن إهمال وجودها في تشكيل أي وزارة، سواء في هذا العهد أو سابقه. ويعكس هذا قدرًا من تهميش الثقافة في التصور العام للسلطة، مع أن جزءا كبيرًا من مشكلة مصر الراهنة هو ثقافي، فيما يصبح جزءًا كبيرًا من الحل ثقافيًا أيضًا.
عاشرًا: الموافقة السريعة لمجلس النواب على الحكومة الجديدة، بينما كان كثيرون ينتظرون مناقشة للحكومة في برنامجها، ولو من الناحية الشكلية، يعكس تكريس إلحاق السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية، في خروج عن مبدأ الفصل بين السلطات.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
