قوات أمريكية في أفغانستان. الصورة من حساب الجيش الأمريكي - فليكر
-

فيلم أمريكي طويل: مغامرة عسكرية تركت أفغانستان كما وجدتها

منشور الاثنين 16 أغسطس 2021

 

خلال الحرب الإنجليزية الأفغانية الأولى (1839-1842) وصف أمير أفغانستان دوست محمد بلاده للبريطانيين بإنها "أرض لا يوجد بها سوى صخور ورجال"، وهو وصفٌ لا يختلف كثيرًا عن كلمات دوق ويلينجتون في مجلس اللوردات حينها عندما أشار إلى أفغانستان باعتبارها أرض "صخور، ورمال، وصحارى، وجليد، وثلوج".

تشير المراجع التاريخية في بريطانيا إلى هذه الحرب عادة باسم "كارثة في أفغانستان"، وظلت الهواجس البريطانية بشأن هذا البلد مستمرة حتى أن رئيس الوزراء هارولد ماكميلان نصح خليفته ألك دوجلاس وهو يسلمه رئاسة الحكومة في أكتوبر/ تشرين الأول 1963 قائلًا "إذا لم تقم بغزو أفغانستان، فأنت في أمان".

غزو أفغانستان ليس صعبًا، التحدي هو البقاء هناك في بلاد لا تملك سواحل على البحر أو موارد طبيعية يمكن أن تجعل الوجود العسكري هناك مجديًا. في كتابه عودة ملك: المعركة من أجل أفغانستان (2013) يكتب ويليام دالريمبل عن ما يصفه "بأكبر إهانة عسكرية تلقاها الغرب من الشرق"، عندما استطاع رجال قبائل أفغان بتسليح ضعيف هزيمة جيش الامبراطورية الأكبر في العالم وقتها. خلال الانسحاب من كابول نجا شخص واحد فقط من بين ثمانية عشر ألفًا وخمسمائة جندي بريطاني خرجوا من الحامية البريطانية يوم السادس من يناير 1842. 

لا تقدم أفغانستان لأي قوة أجنبية يمكن أن تحتلها الموارد الكافية كي تدفع هذا الاحتلال إلى الاستمرار، لدى هذه البلاد القدرة على استنزاف الدماء والأموال من القوى العظمى التي احتلتها والتي أدت إلى انسحاب الولايات المتحدة ومعها قوات الناتو بعد عشرين سنةً من البقاء هناك، في تكرار لما حدث مع السوفييت عام 1988 والبريطانيين من قبلهم عام 1842.

الإمبراطوريات لا تدرس التاريخ

مشاهد الانهيار السريع للدولة الأفغانية التي أسستها الولايات المتحدة بعد عام 2001 وصور المروحيات الأمريكية وهي تنقل دبلوماسييها خارج البلاد، تعيد إلى الذاكرة مشاهد دخول قوات جيش الشعب الفيتنامي لعاصمة فيتنام الجنوبية سايجون عام 1975 ومشاهد المروحيات الأمريكية وهي تنقل من تستطيع من المتعاونين الفيتناميين خلال حرب فيتنام التي استمرت لتسعة عشر سنةً وخمسة أشهر وأربعة أسابيع ويوم واحد. هذه المرة انتهت الحرب الأمريكية الأطول بعد تسعة عشر سنةً وعشرة أشهر وأسبوع ويوم.

توقعت الاستخبارات الأمريكية أن يتمكن مقاتلو حركة طالبان من دخول كابول بعد ثلاثة أشهر من الانسحاب الأمريكي. ثم تم تعديل هذه التوقعات لتصبح ثلاثين يومًا، ثم باتت 72 ساعة، ولكن المسلحين نجحوا في مهمتهم بعد أقل من 24 ساعة ودخلوا العاصمة دون معارك. قوات الجيش الأفغاني التي أنفقت الولايات المتحدة على تسليحها وتدريبها 89 مليار دولار تركت مواقعها وقواعدها لمقاتلي طالبان بدون أي مقاومة. بعض الجنود قالوا إنهم ليسوا مستعدين للقتال بينما رئيس البلاد وكبار المسؤولين غادروا العاصمة بالفعل.

أفغان يتعلقون بطائرة شحن عسكرية أمريكية أثناء انسحابها من بلادهم


ولكن رغم هذه المشاهد التي تذكرنا بنهاية حرب فيتنام، فمن الصعب اعتبار سيطرة طالبان على كابول هزيمةً أمريكية ومن الصعب أيضًا اعتبارها نصرًا. دخلت الولايات المتحدة إلى أفغانستان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 كي تطرد طالبان من الحكم وتدمر تنظيم القاعدة وتعيد إنشاء دولة تضمن واشنطن أنها لن تكون ملاذًا للجماعات المتطرفة التي تمثل خطرًا على المصالح الأمريكية. حققت الولايات المتحدة هدفها خلال العقدين الماضيين، وفي سبتمبر 2020 بدأت التفاوض مع طالبان في العاصمة القطرية من أجل إنهاء الحرب والانسحاب من أفغانستان. خلال المفاوضات تعهدت طالبان بعدم إيواء الجماعات الإرهابية التي تهدد المصالح الأمريكية، لكنها لم تقدم تعهدًا واضحًا بشأن وضع المرأة الأفغانية ومكاسبها في التعليم والعمل.

اعتبر الرئيس الأمريكي جو بايدن الانسحاب الأمريكي قرارًا ضروريًا كي لا يمرر الحرب في أفغانستان إلى رئيسٍ خامس. قال إنه تعهد بسحب الجنود الأمريكيين من هناك وأن على المجتمع الأفغاني والقوات التي سلحتها الولايات المتحدة أن تقرر مصير البلاد. طالبان من جانبها تبدو في 2021 وقد أصبحت حريصةً على نيل الشرعية الدولية بعد سيطرتها على أفغانستان. جربت المسار السياسي في الدوحة وأرسلت وفودًا إلى بكين وتلقت رسائل إيجابية من موسكو، وبالطبع لديها قنواتها المفتوحة مع إسلام آباد، وطلبات من أنقرة بالسماح للإدارة التركية لمطار كابول بالبقاء. هذه التطورات في مسار طالبان السياسي قد تعني محاولةً أمريكية لاحتواء حكم طالبان دون الحاجة إلى التواجد عسكريًا هناك.

بعد أن أنفقت أربعة إدارات أمريكية متعاقبة نحو 978 مليار دولار على القوات العسكرية في أفغانستان، قررت إدارة بايدن وقف نزيف الدماء والأموال التي وصل إجماليها إلى نحو ألفي مليار دولار، من بينها 500 مليار دولار كفوائد على القروض التي مولت بها الولايات المتحدة حربها الباهظة الثمن في بلدٍ قاحل مليء بالجبال.

بالتالي لا يمكن اعتبار إنهاء الحرب الأمريكية الأطول هزيمةً واضحة، رغم أنها لن تسجل في التاريخ كنصرٍ مبين. سوف تتحول لجرحٍ غائر في تاريخ الامبراطورية الأمريكية الحافل بالمغامرات العسكرية الطويلة والانسحابات السريعة بعد إنفاق مبالغ خيالية قد تقضي على الفقر في قاراتٍ بأكملها.

 

جندي أمريكي في أفغانستان. الصورة لـ ResoluteSupportMedia. فليكر - برخصة المشاع الإبداعي

الرابح الأكبر من الحرب الأمريكية الأطول هم كالعادة أعضاء المجمع الصناعي العسكري الأمريكي: شركات صناعة السلاح وشركات الخدمات الأمنية الخاصة التي تضم آلافًا من المسلحين المرتزقة المستعدين للقيام بمهام تدريبية أو قتالية. الخاسر الأكبر أمريكيًا هم 2420 جنديًا أمريكيًا قتلوا هناك من بين 3652 جنديًا من قوات التحالف فقدوا أرواحهم على الأراضي الأفغانية. بريطانيا وحدها خسرت في هذه الحرب 456 جنديًا. أما الجرحى فهم أكثر من 22 ألفًا وخمسمائة، سوف يكلفون الخزانة الأمريكية وخزانات دول حلف الناتو عشرات المليارات من الدولارات خلال الأعوام القادمة. هذه الأرقام تبدو صغيرة إذا ما قورنت بالخسائر الأفغانية التي تجاوزت أكثر من 165 ألف قتيل، من بينهم نحو خمسين ألف مدني. 

بعد كل تلك الخسائر الفادحة في الأرواح والأموال، وعقدين من القتال، عادت طالبان إلى كابول بعد أن بدا أنها خرجت منها للأبد في نوفمبر/ تشرين الثاني 2001. لكنَّ عالمًا مختلفًا تشكّل منذ ذلك الحين؛ فالصين أصبحت قوةً دولية وإقليمية كبرى وعلى طالبان أن تحافظ على علاقات جيدة معها، وهناك إيران التي تريد ضمانات ألا تصبح أفغانستان معاديةً لها. كما أن عليها فتح قنوات اتصال وبناء جسور مع موسكو، عاصمة المحتل السوفيتي السابق. 

تدرك الحركة أيضًا أن الحفاظ على حكمها يحتاج إلى تفادي الغضب الأمريكي، خاصةً وأن التطور في التكنولوجيا العسكرية منح الولايات المتحدة القدرة على شن غارات موجعة ومتكررة من طائرات بدون طيار تستطيع الطيران لساعات طويلة دون الحاجة للتزود بالوقود أو التعرض لخطر إسقاطها. 

ما يمكن أن نتعلمه

ما الذي يمكن أن تخبرنا به الحرب في أفغانستان عن المغامرات العسكرية للإمبراطورية الأمريكية؟ لا جديد. الدروس القديمة نفسها تتكرر مرةً أخرى. 

الدرس الأول أنه لا يمكن لحلفاء واشنطن المحليين الاعتماد عليها. قد تدعم الولايات المتحدة الجماعات المحلية المتحالفة معها داخل أي دولة تسيطر عليها عسكريًا لسنوات، لكنها في لحظةٍ خاطفة ستنسحب دون تنسيق مع حلفائها على الأرض لتتركهم يواجهون مصيرًا غامضًا. حدث هذا قديمًا في فيتنام الجنوبية ويحدث الآن في أفغانستان. فقط العراق كانت استثناءً لأن الحرب الأهلية بين مكونات الشعب العراقي لم تبقِ جماعةً قادرة على أن تكون القوة الرئيسية في البلاد.

الدرس الثاني أن الإمبراطورية الأمريكية التي تملك قدرات عسكرية وتدميرية لم تتوفر من قبل لأي امبراطورية أخرى في التاريخ، يمكن أن تفشل في تقديراتها حول قدرات خصومها الأقل قوة وتسليحًا. قبل خمسة أسابيع قال بايدن إن طالبان لن تتمكن من السيطرة على أفغانستان لأن "القوات الحكومية الأفغانية لديها 300 ألف جندي مجهزين بشكلٍ جيد مثل أي جيشٍ آخر في العالم، ولديهم سلاح طيران مقابل نحو 75 ألف مقاتل لطالبان". وعندما سئل أكثر من مرة إذا كان يثق في طالبان، قال بايدن حينها إنه لا يثق في طالبان ولكنه يثق في "الجيش الأفغاني، الأفضل تدريبًا والأفضل تسليحًا والأكثر كفاءة على خوض الحرب". تصريحات القائد الأعلى لجيوش الإمبراطورية الأمريكية المبنية على تقديرات مجتمع الاستخبارات الأمريكي ونصائح كبار قادة هيئة الأركان المشتركة لم تصمد ولو لأيام بعد سلسلة الانسحابات السريعة للقوات الأمريكية من قواعدها في أفغانستان.

الدرس الثالث أن الإمبراطورية الأكثر تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا على سطح كوكبنا، ليست بالضرورة الأكثر خبرة في إدارة تدخلاتها الدولية. في بداية ولاية جورج دبليو بوش وكرد فعل على اعتداءات سبتمبر كان القرار الأمريكي هو نقل الحرب على الإرهاب من الأراضي الأمريكية إلى أفغانستان. وخلال فترتيه الرئاسيتين دعم بوش الدولة الأفغانية التي أنشأتها واشنطن من أجل ضمان أمن الولايات المتحدة.

استمر هذا القرار خلال ولايتي باراك أوباما الرئاسيتين، حتى وصل دونالد ترامب وقرر الاتفاق مع طالبان على إيقاف هجماتها على القوات الأمريكية في مقابل الانسحاب من أفغانستان، وبدأ مسارًا للتفاوض السياسي مع كابول في الدوحة وفجأة قررت إدارة بايدن تحديد سبتمبر/ أيلول القادم كموعدٍ للانسحاب الكامل وترك دولة أفغانية يفترض أنها قادرة على إبقاء طالبان بعيدًا عن المدن الرئيسية في البلاد. لكن هذه المدن سقطت في قبضة طالبان بوتيرة أسرع من قدرة الحكومة الأفغانية على توقعها. وتزامنت سرعة سيطرة طالبان مع سرعة الانسحاب العسكري الأمريكي لتنتهي الحرب فجأة في منتصف أغسطس.

الخطاب السائد حاليًا في واشنطن هو ضرورة ألا تتورط الولايات المتحدة خارج حدودها في حروبٍ طويلة الأمد. وهو الخطاب نفسه الذي ساد في أعقاب انتهاء حرب فيتنام. وهو نفسه الذي سوف يتكرر بعد انتهاء الحرب الأمريكية القادمة طويلة الأمد في منطقة أخرى من العالم. درسٌ يثبت أن الإمبراطورية الأمريكية لا تملك خبرة دولة محدودة الموارد وعريقة في الاستعمار مثل الإمبراطورية السابقة وحليفتها الصغرى بريطانيا.