بيت بيروت المغلق في وجه زواره "للترميم". تصوير: محمد هشام عبية
-

مشاهدات من بيروت: حرب في مواجهة أكثر من "كابو"

منشور الأحد 29 أغسطس 2021

والطائرة تحلق ليلًا فوق ساحل البحر المتوسط، شهقت سيدة لبنانية تجلس خلفي في الطائرة بلهفة وهي تتأمل ملامح المدينة الغافية وسط أضواء شحيحة "يا الله. ما فيه أجمل من بيروت".

كزائر لهذه المدينة الحٌلم للمرة الأولى هززت رأسي مبتسمًا وموافقًا. أعرف مسبقًا أن بيروت جميلة من قبل أن أراها بعيني، الصورة الذهنية المترسخة بداخلي عن بيروت أنها تضم الأجمل من كل شيء جميل؛ الطبيعة، الفنون، الطعام، الكتب، الحياة. فماذا عساني أن أجد عندما أخرج من مطار رفيق الحريري بينما الأخبار تقول إن هذا البلد صغير المساحة كبير التأثير، الذي تحتضنه الجبال والبحر، يعيش أسوأ أزمة اقتصادية مرت على أي بلد في العالم منذ نحو قرن ونصف؟

في الطريق المؤدية إلى الفندق، يبدو الأمر وكأننا انتقلنا فجأة إلى سنوات الثمانينيات. كل مصابيح إنارة الشوارع مطفأة بلا استثناء تقريبًا. الوقت كان يتجه نحو منتصف الليل والطرقات تبدو خاوية إلا من سيارات قليلة. المحال بطبيعة الحال مغلقة، لا يمكن لأي قائد سيارة أن يرى أمامه إلا باستخدام أنوار سياراته القوية، وحينما تنعكس الإضاءة على الأسفلت بالتوازي مع أصوات الدراجات البخارية مرتفعة الصوت التي تمرق بالجوار، يبدو المشهد الذي نعيشه وكأنه متنزع انتزاعًا من سنوات الحرب الأهلية؛ ظلام، أضواء باهتة من شرفات المنازل، أنوار السيارات التي تعمي العيون عند التقابل، هدير الدراجات البخارية والتوائها كأفاعٍ في الطرقات. ما كان ينقصنا فقط هو أصوات الرصاص المتبادل، سأسمعه بالفعل بعد عدة أيام، ليصبح المشهد الذي نعيشه لوحة من أحد الأفلام التي تتحدث عن سنوات الحرب. الفارق الوحيد إننا هنا بالفعل لا داخل أحداث الفيلم.

ترى هل يتغير الأمر في الصباح؟

لأن الفندق كان مجاورًا لمحطة بنزين، فلا يحتاج الواحد لأي مجهود حتى يتبين الأزمة. مع شروق الشمس وبطلَّة واحدة من شرفة الغرفة على الزحام وأصوات الشجار وصف السيارات الطويل الذي يمكن أن يمتد لنحو كيلو أو أكثر، يكشف مباشرة ودون مجهود واحدة من كبرى الأزمات الحياتية التي يعيشها اللبنانيون. المثير للانتباه أنه وسط العروق النافرة والأصوات الزاعقة للفوز بأولوية تعبئة البنزين، لم يتهور أحدهم ويستعمل آلة التنبيه في سيارته وكأن هذا من المحرمات. الحقيقة أنني لم أسمع صدى آلة تنبيه السيارات في شوارع لبنان طول ما يقرب من شهر قضيته هناك إلا لمامًا، وكأن السيارات هناك تباع من دونه.

لا وقود لسيارة البورش

الشرفة المطلة على محطة البنزين، كشفت جانبًا آخر لابد أن يثير دهشة الزائر الجديد لبيروت، هناك الكثير من سيارات بورش ولامبورجيني تتراص في الصف للفوز بالبنزين. لاحقًا، ومع تكرار المشاهدات، وقياسًا على عدد سكان لبنان البالغ نحو أربعة ملايين، يمكن القول بأريحية إن نسبة السيارات الفارهة إلى عدد السكان يفوق أضعاف النسبة في مصر. التفسير السريع لذلك سيذهب إلى أن الجمارك على السيارات في لبنان مخفضة، وهو أحد الأسباب بالفعل، لكنه أيضا يعكس نمط الحياة التي يعيشها قطاع من اللبنانين قبل وأثناء أزمتهم الاقتصادية غير المسبوقة.

خلال نهاية شهر يونيو وأوائل أغسطس 2021 زرت لبنان مرتين، في المرة الأول كان سعر جالون صفيحة البنزين، 20 لترًا، 45 ألف ليرة (نحو ثلاثة دولارات)، وفي المرة الثانية أي بعد أقل من شهر فقط تضاعف السعر ليصبح 75 ألف ليرة، نحو ستة دولارات. في المرتين بقي السعر مقارنة بمصر أقل بكثير: الجالون/ الصفيحة في مصر سعرها نحو 12 دولار.

 

زحام مروري في مارمخاييل. تصوير: محمد هشام عبية

في صباح عودتي للقاهرة في الزيارة الثانية أعلن المصرف المركزي اللبناني نيته رفع الدعم عن البنزين، القرار الصادم قد يصل بسعر الجالون إلى 175 ألف أو أكثر ليرة أي نحو تسعة دولارات، لكن القرار حتى كتابة هذه السطور بقي مقيدًا ولم ينفذ، ولايزال البنزين يباع بنفس السعر ستة دولارات للجالون، ذلك أن تطبيق تحرير سعر الوقود، وهو قرار يبدو حتميًا، سيضاعف أسعار السلع بشكل أكثر جنونًا مما هي عليه الآن وهو أمر في الأغلب قد يفتح باب الانفلات الأمني والمجتمعي من وسع.

الوقود عمومًا ليس وحده المصاب بلوثة في لبنان، بل إن السبب وراء جنون البنزين هو "هبل" الدولار.

تطبيق يحكم الاقتصاد

على كل هاتف في لبنان تطبيقات إخبارية عدة، لكن هناك تطبيق صار إلزاميًا على الجميع، حتى زائري بيروت من غير أهلها عليهم به، حفاظًا على الدولارات بحوزتهم. إنه تطبيق أسعار لبنان، Lebanon prices، وهو تطبيق يحدد، واللفظ هنا دقيق تمامًا، سعر الدولار في لبنان.

كل ساعة تقريبًا يتغير السعر وعليك أن تدخل إلى التطبيق ليقدم لك السعر الجديد. من يتحكم في هذا التطبيق؟ مجموعة من أصحاب محلات الصرافة في لبنان ينتهي تداولهم اليومي بتحديد سعر للسوق السوداء طبعًا. أطلق التطبيق قبل أشهر من مكان مجهول، لكن ثمة توافق على أنه تركيا. التطبيق لا يخضع بطبيعة الحال للرقابة، وذات يوم خرج مسؤول لبناني بارز معاتبًا أن يتحكم تطبيق مجهول في سعر الدولار في البلد. لكن صوت المسؤول اختفى، وبقي التطبيق في جيوب كل اللبنانين كأنه صادر من البنك المركزي. لا يعكس تطبيق سعر الدولار الفوضى المصرفية في لبنان فحسب، وإنما يوضح بشكل جلي أيضًا مستوى الثقة في المؤسسات الرسمية، والاعتياد على غيابها، بل واستحداث بدائل لها.

سعيت للوصول إلى تلك المرة المفصلية التي خرق فيها الدولار قيمة الليرة اللبنانية حتى أقيس درجة سرعة انهيار العملة المحلية.

الغالبية، وتضم أصحاب محلات وسائقي تاكسي وعاملين في الوسط الفني وأصحاب عقارات، أجمعوا على أن بداية اهتزاز قيمة الليرة اللبنانية تزامن مع اندلاع أحداث ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، حينها كان الدولار الواحد يوازي 1500 ليرة لبنانية فقط (ولايزال هذا هو السعر الرسمي للدولار في المصرف المركزي ببيروت حتى اليوم)، لك أن تتخيل مدى الهول حينما تعرف أن الدولار الآن في أغسطس/ آب 2021 بات يساوي في السوق الموازية السوداء نحو 20 ألف ليرة. أي أن العملة اللبنانية في أقل من سنتين فقط فقدت قيمتها بنحو 20 مرة.

عقب الثورة التي أرادت اجتثاث جذور البؤس اللبناني ممثلةً في الطائفية والتدخل الأجنبي دون أن تنجح، بدأت العملة المحلية تفقد قيمتها ببطء، ثم جاء تفجير مرفأ بيروت في أغسطس 2020، ليوجه لكمة عنيفة للعملة المحلية ليرتفع سعر الدولار إلى 4000 ليرة، ثم بدأ معدل التداعي والانهيار يتصاعد، خصوصا مع تشرذم المسؤولية الجنائية والسياسية عما جرى في تفجير المرفأ الذي أسفر عن خسائر بشرية تقدر بمئتي قتيل، وخسائر مادية بمليارات الدولارات، وبقاء لبنان في دوامة متداخلة من الحكومات المؤقتة مغلولة اليد أو اللا حكومة. في بداية 2021 اتسعت العين فزعا عندما كسر الدولار حاجز العشرة آلاف ليرة لأول مرة، ثم صار الانهيار بعد ذلك تلقائيًا ومتوقعًا، في زيارتي الأول في نهايات يونيو/ حزيران كانت قيمة الدولار في السوق الموازية 14 ألف ليرة. بعد شهر واحد فقط صار بإمكاني تبديل الدولار بـ 20 ألف ليرة أو أكثر قليلا.

الوضع في البنوك يبدو غرائبيًا، فسعر الدولار فيها يصل إلى 4000 ليرة فقط، بينما البنك المركزي يقره بـ 1500، وفي سبيل الحفاظ على ما تبقى من دولارت في البلد، فإن العميل إذا أراد سحب ادخارته الدولارية، فلن يتمكن من ذلك وسيحصل عليها بالعملة المحلية وبالقيمة الرسمية (1500 ليرة للدولار الواحد)، وعليه فلا يمكن لعاقل أن يسحب مدخراته الدولارية، هو يملك ثروة من الدولارت لكنها رهينة الوضع الاقتصادي المربك. أزمة الوقود ضربت قطاع البنوك أيضًا.

تقول سوزي وهي موظفة بخدمة العملاء في أحد البنوك الرئيسية في بيروت، إن الشكاوى الرئيسية التي تتلقاها مؤخرًا، تتمثل في أن ماكينات الصرف الآلي لا تعمل بسبب نقص المازوت والكهرباء، وتتحدث عن "يوم كارثي" خرجت فيه نصف ماكينات البنك الذي تعمل به من الخدمة، وعددها نحو 80 ماكينة في سائر لبنان، لغياب الكهرباء وعدم عمل المولدات الاحتياطية، وهذا سبَّب تزاحمًا واضطرابًا ومشاجرات. عندما اشتدت أزمة الوقود أغلقت العديد من البنوك فروعها أمام عملائها بسبب "صعوبات في التشغيل"، ثم جرى تقسيم الموظفين على مدار الأسبوع، ليعمل الواحد منهم يومين فقط بدلًا من خمسة من داخل مقر البنك لتوفير مصاريف التشغيل، وفي نفس الوقت تضامنا مع الموظفين الذين يجدون معاناة في الوصول إلى مقار أعمالهم بسبب أزمة الوقود.

مقصد سياحي رخيص

انهيار العملة اللبنانية أمام الدولار كان وبالًا بالطبع على أصحاب البلد لكنه "طاقة القدر" التي انفتحت للزائرين الأجانب والسائحين.  لبنان دومًا كان يعرف بأنه بلد غال، ويحتاج إلى ميزانية محترمة للقيام برحلة عمل أو سياحية، الآن يمكن للبنان أن يصبح واجهة سياحية مثالية رخيصة، ويمكن استخدام "مقياس ستاربكس" لبيان ذلك، فكوب الكابتشينو من ستاربكس يباع في مصر بنحو 45 جنيهًا أي تقريبًا ثلاثة دولارات، بينما هو في لبنان وبعد زيادتين متتاليتين خلال شهر واحد بلغ سعره 22 ألف ليرة أي نحو دولار واحد.

بقراءة سريعة يبدو أن العراقيين هم أول ما انتبهوا إلى ذلك؛ فغالبية السائحين العرب في بيروت هذا الصيف هم من العراق بالفعل، الكثير منهم لم يأت للسياحة بالأساس لكن جاء للعلاج والتداوي، إذ لا تزال عيادات ومستشفيات لبنان رغم أزمة غياب الدواء والأدوات الطبية اللازمة مصدر دخل أساسي للعملة الأجنبية وبخاصة من العراقيين، بل إنه بإحصاء متعجل للإعلانات التي تبث خلال نحو ساعة على شاشات طائرة طيران الشرق الأوسط، شركة الطيران اللبنانية الوطنية، فإن 90% منها تقريبًا إعلانات لمراكز تجميل نسائية ورجالية.

لكن حال مراكز التجميل اللبنانية الذي يبدو أنه لم يتأثر كثيرًا بالأزمة الاقتصادية، لا يعكس على الإطلاق أحوال الدواء الشحيح، يقول أبو عبد الله وهو سائق سيارة أوبر "العثور على الحشيش هون أسهل بكثير من العثور على حبة باندول". يبدو محقًا، الكثير من الصيدليات في بيروت وضواحيها إما مغلقة أو مفتوحة ولكن بأرفف شبه خاوية من علب الدواء؛ "الصيدليات تبيع الشامبو وكريمات الشعر.. ما الذي استفيده من شعر ناعم وجسد مريض؟"، يعقب أبو عبد الله ساخطًا.

الأزمة الأساسية تتعلق بأصحاب الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكر والقلب. هؤلاء يجب عليهم تعاطي الدواء بانتظام وإلا تعرضت حياتهم للخطر، من أين إذن يحصلون على الدواء؟ ثلاث طرق أساسية؛ من الجارتين سوريا وتركيا وبطريقة غير قانونية بطبيعة الحال وبسعر مرتفع كما هو متوقع، أو من الأصدقاء والرفاق القادمين من بلاد مجاورة مثل مصر والأردن.

الكهرباء هي بدورها أزمة هنا. حتى من يقيم بفندق من أصحاب النجوم الأربعة أو الخمسة سيشعر بها ولكن طبعا لا مقارنة بينه أزمته وأزمة من يعيشون في بيوتهم العادية، تنقطع الكهرباء في الفنادق لنحو خمس أو ست مرات يوميًا ولكن لفترة لا تزيد عن 20 ثانية قبل أن يعمل المولد الاحتياطي للمولد الاحتياطي. نعم، العبارة صحيحة، هناك مولد احتياطي للمولد الأساسي، إذ أن قدرات شبكة الكهرباء الرسمية لا تستطيع أن تقدم سوى أقل من ساعة كهرباء يوميًا لعموم الأراضي اللبنانية.

 

بعض مظاهر الاحتفال ما زالت موجودة في بيروت رغم الأحداث. تصوير: محمد هشام عبية

مولدات التيار الكهربائي الخاصة هي الأساس هنا، لكن هناك مشكلة أخرى أنها تعمل بالمازوت، وهو أيضا من عائلة الوقود التي تعاني من الشح والندرة في لبنان، ولابد من اصطفاف طويل للفوز به أو عقد صفقات مع "قبضايات" للفوز بجالونات المازوت قبل الغير وبسعر مرتفع طبعا.

يجب إذن أن يحسبها صاحب المنزل جيدا، هل تشغيل التكييف الآن، والطقس في لبنان خلال شهري يوليو وأغسطس شديد الرطوبة والحرارة، سيؤثر على حصة المازوت الموجود لديه؟ هل يمكن أن يضحى ببرودة صالة المعيشة مقابل أن تعمل الثلاجة لوقت أطول؟

أبناء المنصورة في الصورة

وسط فوضى الوقود هذه، يظهر أبناء المنصورة في العاصمة اللبنانية.

تشكل العمالة المصرية الغالبية العظمى من العاملين في محطات الوقود في لبنان، معظمهم ينحدرون من المنصورة ومدن وقرى محافظة الدقهلية. خلال هذه الأيام شديد القسوة على اللبنانين، توافدت أعداد مضاعفة من العمالة المصرية للالتحاق بمحطات الوقود، هنا رزق خفي، يمكن للعامل بالمحطة أن يظفر بـ"بقشيش" جيد قد يصل في "التفويلة" الواحدة إلى خمسين ألف ليرة (مايقرب من 30 جنيهًا مصريا)، ليرسل إلى أهله في نهاية الشهر ما بين 700 إلى 1000 دولار شهريًا، ولهذا قد لا يبدو غريبًا سهولة تبديل العملة المصرية مباشرة بالدولار أو الليرة اللبنانية في بعض محطات البنزين في لبنان.

ما قد يراه البعض استغلالًا لظروف البعض، يراه اللبنانيون أنفسهم "شطارة مصريين"، خصوصًا وأن اللبناني اعتاد ألا يعمل في محطات البنزين، رغم أنه قد يعمل في أعمال شاقة أخرى، يفرض المصريين أنفسهم إذن برفقة بعض البنجلاديش على عالم محطات الوقود في بيروت وضواحيها، مستفيدين من مودة دائمة من اللبنانيين تجاههم وتجاه كل ما هو مصري.

ملامح الأزمة تشكّل الأمكنة

هناك حيث وقع ذلك التفجير "شبه النووي" قبل عام، توجد جدارية طويلة مرسوم عليها وجوه الذين قضوا في الحادث المروع. تختلط الوجوه الشابة بالعجوزة، الرجال بالنساء، وتستمر الجدارية في التمدد وصولًا إلى ساحة الشهداء التي شهدت وقائع ثورة ثورة تشرين 2019، وكأن هناك خيطًا موصولًا بين الحادثين الكبيرين، لكن الأثر ليس رمزيًا فحسب.

يقع مرفأ بيروت ملاصقًا لمركز المدينة وقلبها التاريخي، وهناك توجد الكثير من المؤسسات الحكومية الهامة مثل السراي الحكومي ومجلس النواب، وكذلك مناطق جرى تجديدها وإعادة إعمارها عقب سنوات الحرب الأهلية مثل منطقة أسواق بيروت ومنطقة صيفي الراقية. يبدو المشهد هناك مؤلمًا.

لقد جرى ترميم عدة مبانٍ من تلك التي تضررت بسبب التفجير، لكن الكثير من الواجهات توجد عليها السقالات في حالة صمت تام. غياب السيولة المالية أوقف عمليات الترميم والتجديد. ليس هذا فحسب؛ منطقة أسواق بيروت وهي أقرب إلى مول مفتوح كان يضم في السابق العديد من العلامات التجارية العالمية والمحلية البارزة، أصبحت تغلق أبوابها مع غروب الشمس مباشرة بسبب أزمة الكهرباء، كما أن العديد من العلامات التجارية انسحبت من السوق اللبناني بالأساس مثل أديداس وأميريكان إيجل ومذر كير، وصارت المحال مغلقة دائما. نظرة على "أسواق بيروت" في الصباح حيث يتسكع فيها بضع أشخاص وفي المساء حيث تتحول إلى مكان مهجور ومظلم كلية، تكشف مباشرة عمق الأزمة الاقتصادية هناك.

 

مول أسواق بيروت في منتصف نهار صيفي. تصوير: محمد هشام عبية

في العموم فإن جميع المحال التجارية في بيروت وضواحيها تغلق أبوابها مع غروب الشمس تقريبًا، باستثناء المطاعم والسوبر ماركت وبضع محال ما زالت تقاوم الإغلاق في شارع الحمرا.

لكن ليل بيروت ليس مظلمًا كلية.

في شارع "مارمخايل" الممتد من شارع "الجميزة" التراثي القريب من وسط المدينة، تعمل الحانات والبارات والملاهي الليلية بانتظام طوال أيام أسبوع، يبدو الإقبال على أماكن السهر هذه جيدًا في الأيام العادية، لكن الشارع متوسط الزحام عادة في المساء، يتحول إلى شارع شديد الازدحام في نهاية الأسبوع "الخميس والجمعة والسبت"، وتمتد السهرات الصاخبة حتى الواحدة أو الثانية صباحًا على أكثر تقدير. قبل ذلك، كانت السهرات تمتد حتى الصباح، لكن أزمة الكهرباء لم تترك أحدًا.

الحد الأدنى للسهر في شارع مارمخاييل يبدأ من 100 ألف ليرة اي ما يقرب من خمسة دولارات تقريبا، وهو رقم منخفض للغاية مقارنة بمصر التي من الصعب السهر فيها بأماكن مماثلة بأقل من 30 دولارًا.

في الليل، يرقص اللبنانيون على أنغام وائل كفوري وعمرو دياب وغيرهم. يتعانقون ويمارسون المرح والخفة، حتى يحسب من يراقب المشهد في هذا الشارع أن هذا بلد آخر غير البلد، وأنه لا معاناة هنا أو أزمة اقتصادية طاحنة، لكن هذا بالنسبة للبنانيين هو المعتاد، يقول وليد وهو سائق أوبر ستيني "أيام الحرب كان الرصاص يصدح في الصباح ونغني ونرقص ونشرب ليلًا على مقربة من حدود التماس. هذه هي لبنان"، لكن وليد الذي عاش تجربة الحرب الأهلية ويتذكرها جيدا لايملك نفسه من عقد المقارنات " أيام الحرب الأهلية كانت أهون من هذه الأيام. على الأقل الدواء كان متوفرًا. الطعام لم يكن سعره مرتفعًا لهذا الحد. هذه أسوأ أيام عشتها في حياتي في هذا البلد".

القادمون من لبنان

لهذا الوضع شديد القسوة، بات عدد من اللبنانين يخطط لمغادرة بلاده. آندريا حداد، وهو سائق تاكسي في أواخر الخمسينيات، أظهر لي تذكرته إلى مصر التي اتخذ قرارًا بالسفر إليها ليعمل في نفس مهنته بالإسكندرية، رغم أنه لم يفعل ذلك من قبل أبدًا، يقول متأثرًا بأن ابنته التي تعمل في إحدى المؤسسات الحكومية راتبها أقل من مليون ليرة (تقريبا 50 دولارًا بسعر السوق الموازية)، فكيف لها أن تعيش في بلد صار سندوتش الشاورما فيه يصل إلى 50 ألف ليرة وأكثر؟ يسألني في ترقب عن الأحوال في مصر، فأخبره بأن البلد مستقر والاقتصاد ينمو لكن لا حرية أو سياسة أو.. يقاطعني بسخط "الله يخرب بيت السياسة. شو أخدنا منها؟ ديمقراطية زائد حرامية بيصير عندك بلد مثل لبنان". أندريا ليس وحده، مازن وهو درزي وعمل في السابق بأحد البنوك اللبنانية قدم على الهجرة إلى أستراليا، وإذا رفض طلبه، فإن وجهته التالية محسومة دون جدال؛ مصر.

شوارع بيروت بشكل عام لا تزال تحافظ على نظافتها وبهجتها ومعمارها البهي، لكن في بعض الشوارع الجانبية وبخاصة تلك في المناطق المتاخمة لوسط المدينة أو في أطرافها القريبة من المطار هناك بعض الفوضى والإهمال وقد تشتم رائحة صناديق القمامة التي لم تفرغ منذ فترة من على بعد.

ثمة شيء لافت لشخص مثلي قادم من بلد مثل مصر وهو أنه لا كلاب ضالة في لبنان.  الـ"لا" هذه حاسمة وتعني أن لا كلاب ضالة بالفعل. بل ثمة غرامة تصل إلى 50 ألف ليرة على كل من يترك مخلفات كلبه في الشارع، لذلك من الطبيعي أن ترى أصحاب الكلاب وهم يتنزهون برفقتهم أن ينحنوا ليلتقطوا مخلفاتهم ويلقون بها في أماكن مخصصة لذلك. حاولت أن أجد تفسيرًا للأمر فأخبرني إيلي وهو صاحب عقارات وحاضن للكثير من الكلاب بأنه قبل سنوات استطاعت جميعات الرفق بالحيوان القضاء على ظاهرة الكلاب الضالة بأيوائهم في ملاجئ ثم عرضهم للتنبي لاحقًا، حتى صار الأمر هكذا. لكنه يخشى أن تؤثر الحالة الاقتصادية على هذا المنجز، إذ أن تكاليف رعاية الكلاب تضاعفت مع ارتفاع سعر الدولار، ويخشى أن يضطر أصحاب الكلاب إلى التخلي عنهم في الشوارع مع اشتداد الأزمة.

في شارع الحمرا، أحد أبرز وأهم شوارع بيروت التاريخية المعروف بأنه مركز الثقافة والفنون والتسوق والترفيه، تنتشر لافتات شراء الذهب بالدولار في محال المجوهرات، وهو ما يعكس انخفاض قيمة العملة المحلية، كما يلاحق زوار الشارع العديد من المتسولين في إلحاح يقول أهل البلد أنه غير معتاد لكنه العوز الذي يدفعهم لذلك (في الزيارة التالية عقب شهر ظهر بعض المتسولين في مناطق تصنف بأنها راقية مثل صيفي)، معظم المكتبات تعمل فقط خلال فترة النهار بسبب غياب الكهرباء. البارات تغلق أبوابها في منتصف الليل تمامًا لأن "صاحب المولد يغلقه في هذا التوقيت من كل يوم"، وعادة ما يشترك أصحاب عدة محلات في تأجير مولد كهربائي يتحكم صاحبه في مواعيد تشغيله وفقا لما يتوفر لديه من مازوت.

بيت بيروت المغلق

تضم بيروت العديد من الأماكن التاريخية التي تستحق الزيارة، لكني، لأسباب عدة، وضعت بيت بركات على رأس القائمة.

يطل البيت، أو ما صار يعرف لاحقا باسم "بيت بيروت"، على منطقة السودكو في وسط بيروت، كان موقع البيت الذي شيد على الطراز العثماني بالحجارة البيضاء والصفراء في العشرينيات، مفصليًا في الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990)، إذ يقع مباشرة على "خط التماس" الفاصل بين المنطقة الشرقية (التي تسكنها غالبية مسيحية) والمنطقة الغربية (التي تسكنها غالبية مسلمة)، حيث دوى صوت رصاص المسدسات والكلاشينكوف والقيت القنابل اليدوية بين الفريقين المتحاربين لعقد ونصف العقد.

في تلك السنوات الدامية احتل القناصة نوافذ وشرفات المنزل البهي، واخترقت جدرانه مئات الرصاصات التي لايزال أثرها غائرًا في جسده حتى اليوم. عقب الحرب، حاول مالكوه بيعه، لكن حملة للتراث اللبناني أنقذته من البيع والهدم لاحقًا، ليتقرر أن يتحول اسمه إلى "بيت بيروت"، وان يجري ترميمه مع الحفاظ على أثر الرصاص والدم عليه ليصبح شاهدًا على الحرب لعل المارين عليه عندما يتطلعون إليه يتذكرون الثمن الباهظ فلا تتكرر الحرب أبدًا. لكن الحروب تتكرر دومًا للأسف وإن اختلف اسمها وتغيرت دوافعها.

المفاجأة أن بيت بيروت كان مغلقًا وغير مسموح بزيارته، هل هذه رمزية ما؟ لقد طاله بعض الأذى من تفجير المرفأ وكأنه لا جريمة تحدث هنا إلا ولابد أن يطوله شيئا منها، ثم وكأنما كان "الأشرار" ينتظرون ذلك، سارعوا بإغلاق البيت/ المتحف عقب التفجير مباشرة بدعوى إعادة ترميمه (بعد أربع سنوات فقط من افتتاحه)، من ذا الذي يمكن أن يرمم منزلًا يرمز للحرب الأهلية والبلد يعيش على الحافة الاقتصادية؟ سيبقى بيت بركات/ بيروت هكذا إذن في قلب العاصمة اللبنانية، معبرًا عن حلم غائب بالترميم وأمل معلق دائمًا في التعايش، ودرس لا يقرأه أحد عن أخطاء الماضي الدامية.

 

وجهان في واجهة بيت بيروت. تصوير: محمد هشام عبية

الواجهة الزجاجية للبيت/ المتحف تطل منها صور لاثنين من ضحايا الحرب، رجل وامرأة باللونين الأبيض والأسود وبملابس وتسريحات شعر سبعينية بامتياز، كلاهما ينظر للسائرين بعينين فيهما الكثير من الغموض وبسمة خفية، حتى لا يكاد أحد يعرف هل هذه نظرة ناجيين من جحيم ممتد أم نظرة إشفاق على هذا البلد وأهله؟

مناوشات عابرة بالرصاص

في الذكرى الأولى لتفجير المرفأ في 4 أغسطس، توحدت بيروت في مظاهرات حاشدة، رغم مرور سنة لم يُحَل أي من المسؤولين المباشرين أو غير المباشرين إلى القضاء. حتى العدالة لها حسبتها الطائفية في لبنان. اندسست وسط مظاهرة تتحرك على أحد الجسور بإتجاه ساحة الشهداء. الأعلام اللبنانية مرفوعة، الجيش ينظم المرور ويمنع أحدهم يحمل مطواة سويسرية من الدخول، وقف الجميع عند مرورهم على هيئة إطفاء بيروت لإلقاء تحية على أعضاءها الذين قضوا خلال محاولاتهم لإطفاء الحريق قبل سنة. لا يبدو أن نار التفجير بردت حتى يومنا هذا.

شهد اليوم بعض المناوشات، وصوت إطلاق رصاص، والكثير من دوي سرينات سيارات الصليب الأحمر اللبناني، مع قطع بعض الطرق بحرق إطارات السيارات ومخلفات القمامة. كان يوم إجازة رسمية.

لشخص مرَّ بأحداث مماثلة في مصر، استعدت شيئًا من أجواء ثورة 25 يناير وما بعدها من حشود وحشود مضادة. لكني استشعرت شيئًا منقوصًا هنا، لعلها "خبرة الانكسارات". ثمة حشود لكنها تعاني من تشرذم خفي. هناك صفوف متراصة، والآلاف يقفون كتفًا بكتف لكن ثمة فراغ. الكل يهتف بصوت واحد بمحاسبة المسؤولين عن التفجير وقتلاه "كلن يعني كلن"، لكن الصوت رغم قوته يبدو وكأنه مشتت بلا صدى. لعله وهنٌ من الضربات المتتالية والأحلام المنكسرة دائمًا وحوادث التاريخ التي تطول فيها أيام الشر.

هكذا في اليوم التالي، عادت الحياة إلى طبيعتها، زحام في محطات الوقود، مفاوضات عبثية من أجل حكومة جديدة، أحاديث متواصلة عن ضرورة عقاب الفاسدين، أغلب الظن أن اليوم مر بردا وسلام على القتلة، إذ لم تتطور أحداثه إلى ما هو أكبر. ربما الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقلقهم أن مظاهرات الرابع من أغسطس أظهرت تكاتف اللبنانيين في الغضب والرغبة في القصاص، لكن يبقى تحويل ذلك الغضب إلى فعل تغيير، في ظل تركيبة طائفية وسياسية معقدة كهذه، يبدو أنه بحاجة إلى وقت طويلًا.

انفتاح أكبر وطائفية أكثر

في لبنان إذن الكل يعرف الداء والدواء لكن لا أحد قادر على استخدامه. الطائفية هي أصل المرض. يبدو غريبًا أن البلد الأكثر انفتاحًا في المنطقة العربية هو الأكثر تورطا في مسألة الطائفية. توجد نحو 18 طائفة في لبنان، في ظروف طبيعية كان ينبغي لهذه الطوائف أن تعبر عن تنوع وتكامل، لكنها هنا تتحول إلى سلاح ووسيلة للتمترس وحماية الطبقات السياسية. ولهذا يمكن أن تستغرق مفاوضات تشكيل الحكومة، أي حكومة، شهورًا طويلة من أجل التوصل إلى "حسبة طائفية" مرضية لجميع الأطراف، جميع الأطراف التي ليس من بينها الشعب بطبيعة الحال. ولهذا كان لهبة تشرين 2019 التي لم ترفع شعارات طائفية قط، أن تثير ذعر الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، إذ أنها تنزع منهم سلاحهم الأساسي، وربما الوحيد. إن غابت الطائفية من لبنان فهذا يعني تراجع التاثير الخارجي (الإيراني- التركي- السعودي)، على القرار الداخلي، ربما يختفي تطبيق "سعر الدولار" في اليوم التالي مباشرة. ولهذا السبب بالذات كان ينبغي ألا يتحول 17 تشرين الأول/ أكتوبر إلى فعل تغيير، وأن يتم حصاره ليصبح في حدود فعل الغضب.

في صباح الحادي عشر من أغسطس، غادرت لبنان قبيل ساعات من قرار متوقع من المصرف المركزي برفع الدعم عن الوقود. كانت الساعة لم تتجاوز الخامسة والنصف فجرًا وهناك طابور يمتد لأكثر من كيلومتر ونصف من السيارات أمام محطة وقود على مقربة من المطار، في انتظار أن تفتح أبوابها في السادسة صباحًا. بعدها بيومين وقع انفجار صهريج وقود في منطقة عكار كان يتم تخزينه لبيعه في السوق السوداء أو تهريبه إلى سوريا التي تعاني بدورها من أزمة اقتصادية طاحنة وشح في الوقود.

عقب حديث رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي بقرب إعلان تشكيل الحكومة، انخفض سعر الدولار من 20 ألف ليرة إلى 18 ألفًا على التطبيق ذاته، ثم عاد وارتفع ثانية في نهاية اليوم، يبدو الوضع عبثيًا في لبنان، ولا قاعدة واحدة مستقرة أو مضمونة. الشيء المستقر فقط هو الغضب والسخط بين الناس، الغضب هذه المرة عارم إلى حد أنه بات عاديًا أن ترى أبناء الطائفة يشتمون قادة طائفتهم علنًا ويصفونهم باللصوص والفاسدين دون خوف أو أي حسابات طائفية معتادة.

الحقيقة أن إحدى من أكبر أزمات لبنان أن قادة الحرب الأهلية، الذين رفعوا السلاح في وجه أبناء شعبهم هم أنفسهم ومن تبعهم الذي يتحكمون في الطبقة السياسية العليا، فقط خلعوا ثوب الحرب المموه وارتدوا بدلات فرنسية أنيقة. اخفوا السلاح في الأدراج ورسموا ابتسامات سمجة على وجوههم وكأن أيديهم غير ملوثة بالدم. في مرحلة ما كان ذلك يبدو ضروريًا من أجل طي صفحة الماضي والانطلاق نحو مستقبل مشترك، لكن الآن وبعد سنوات من الخراب المتقطع، والحروب متوسطة الأجل، والتفجيرات والاغتيالات والفوضى السياسية والانهيار الاقتصادي، يسأل اللبناني نفسه لما عليه أن يتحمل أنياب أباطرة الحرب الأهلية التي تنهش لحمه أكثر من هذا؟

المعركة في بيروت إذن ليست من أجل السيطرة على انفلات سعر الدولار أو من أجل الحصول على بنزين مدعم أو مازوت من أجل الكهرباء، أو بحث عن علب دواء نادرة، كل هذه أعراض لمعركة أكبر بكثير يخوضها اللبنانيون كل يوم تجاه "طبقة سياسية حاكمة" هي أقرب في تكوينها وعلاقاتها إلى "مافيا"، تكتل عصابي راسخ، مهما أختلفت الأسماء، منذ أن انطلقت أول رصاصة في الحرب الأهلية عام 1975 قبل ما يقرب منذ نصف قرن. 

"كارتيل" كعصابات السلاح والمخدرات الكبرى في أمريكا الجنوبية، تحكمه قوانين غير مرئية لكنها صارمة، أهمها هو قانون التكاتف في الجرائم والتواطئ والصمت مقابل الثروة والنفوذ والنجاة وبقاء الوضع على ما هو عليه. المشكلة الأكبر أن المافيا عادة ما يكون لها رئيس أو "كابو" واحد،  بينما الحال هنا أن هناك أكثر من "كابو".

 في ظل التلويح دوما بسلاح الطائفية واليد الخارجية العابثة في الشأن الداخلي، يظل لبنان في انتظار الواشي الوحيد الذي سيخرق قاعدة المافيا الأساسية، حتى يهز أركان ذلك التكتل العصابي. تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا مما يظهر على السطح، ذلك أنه على اللبنانيين فيما يبدو، انتظار المخلص من وسط ثلة من القتلة.