رسم هشام عبد الحميد - المنصة
-

يوميات 19 شهرًا من الحبس الاحتياطي| الشهر الأخير (21)

منشور الأحد 16 يناير 2022

في زيارته الشهرية لي في مطلع فبراير/ شباط 2021 أخبرني شقيقي إياد ان والدي أرسل معه خطابًا لي وأنه سلمه لضابط الأمن للمراجعة المعتادة. طلبت من الضابط المعني تسليمي الخطاب في أقرب فرصة، ووعدني قائلا "بكرة". لم أتسلم ذلك الخطاب، واستغربت كثيرًا لأن والدي لم يكتب أبدًا أية معلومات قد تثير اعتراض الأمن أو تمنع تسلمي رسالته. دارت خطاباته فقط حول الذكريات وحالته الصحية وما يفعله شقيقي ولقاءاته مع الأصدقاء.

انتظرت عدة أيام أملًا أن يكون الأمر متعلقا بانشغال الضابط المسؤول. ثم اتبعت الخطوات المعتادة للمطالبة بتسليمي الخطاب، بينما يتزايد شعوري بالقلق أن مكروهًا ما قد لحق بوالدي الذي قال لي أطباؤه قبل دخولي السجن إن مرضه قد لا يمنحه الكثير من الوقت، عامًا واحدًا، قد يزيد أو ينقص قليلًا. 

كنت انتقلت في التوقيت ذاته إلى زنزانة أخرى في نفس العنبر مع صديقي العزيز الشاب علاء عصام، المتهم في قضية الأمل والمحبوس منذ يوليو/ تموز 2019، في إطار عملية إعادة تسكين أخرى جرت قبل أيام من خروج الدكتور حازم حسني. قضيت ساعات طويلة واقفًا أنظر من خلال نضارة باب الزنزانة لملاحقة "المسير" وكل الشاويشية والمخبرين، لدفعهم إبلاغ الضابط المعني أنني ما زلت أنتظر خطاب والدي.

 

عندما فقدت الأمل في تسلم الخطاب قررت التصعيد، واخترت أكبر خطوة يمكن لسجين اتخاذها في مواجهة إدارة السجن، وهي الامتناع عن دخول الزنزانة. 

وبعد نحو أسبوعين، فقدت الأمل في تسلم الخطاب، فلجأت لأكثر خطوة تصعيدية يمكن اتخاذها في إطار العلاقة مع إدارة السجن، وهي الامتناع عن دخول الزنزانة بعد انتهاء فترة التريض حتى ألتقي الضابط المعني وأفهم سبب عدم تسليمي الخطاب. 

لا تعجب هذه الطريقة بالطبع الشاويشية والمخبرين والذين تنمو معهم علاقة صداقة ما مع مرور الوقت دافعها أن معظمهم أناس بسطاء طيبون، يرددون دائمًا بصدق أنهم "عبد المأمور" ويشكون هموم المعيشة والحياة كما غالبية المصريين. وبعد الفشل في اقناع السجين بالعودة للزنزانة بطريقة "عشان خاطري يا أستاذ خالد. أنا كده ممكن اتأذي"، يضطرون إبلاغ الضابط المسؤول عن العنبر واسمه الرسمي "قائد العنبر". 

ولأننا سجناء سياسيون، يتواصل قائد العنبر بدوره مع الضابط المعني بمتابعتنا، وهو صاحب القرار بشأن تسلم خطاب والدي. سلسلة خطوات لا بد من اتباعها من جانبنا كسجناء سياسيين للتواصل مع الضابط المعني والنظر في طلباتنا، سواء تعلق الأمر بتسلم خطاب أو كتب أو أدوية من أسرنا، أو تركيب أرفف خشبية داخل الزنزانة و إصلاح السباكة. 

جاءني "قائد العنبر" وأنا أجلس على الأرض في ساحة التريض رافضًا دخول زنزانتي ليخطرني أن الضابط المعني غير موجود في السجن، ووعدني بشكل قاطع صارم أنه سيتصل به هاتفيًا لكي يسلمني خطاب والدي. لا يوجد خيار الآن سوى العودة للزنزانة، أو توقع وصول جنود الأمن المركزي لنقلي عنوة لزنزانة تأديب. فعدت لزنزانتي.

أخيرًا، وقرب نهاية شهر فبراير، وجدت يد المخبر ممتدة عبر النضارة لتسليمي الخطاب. كان صادمًا مؤلمًا. بدأه بالقول "يبدو أنه مقدر لك ألا تشهد رحيل أحبابك" مشيرا إلى حقيقة غيابي يوم وفاة والدتي في مطلع 2013 بسبب سفري خارج مصر، وكذلك يوم وفاة شقيقتي لأنني كنت داخل السجن. أطلعني صراحة أنه يشعر بشكل متزايد أن رحيله قد اقترب. 

وبعد هذه اللطمة القوية في بداية الخطاب، بدأ في سرد وصية مفصلة على طريقته التعليمية المعتادة مكونة من تسع نقاط، بداية بالعلاقة بكل المتبقين من أفراد أسرتي وخاصة شقيقي، ونصيحة لي بأن أكون محبًا منفتحًا متفهما لأصحاب كل التوجهات السياسية والفكرية بغض النظر عن موقفي من آرائهم، ومرورًا ببعض الأمور المالية، ونهاية بطلبه إهداء جزء من مكتبته الضخمة التي كان يحتفظ بها في شقة في وسط البلد لمكتبة مدينة المحلة الكبرى العامة حيث كان يقضي ساعات طويلة في سنوات الشباب يقرأ أمهات الكتب. 

كان هذا أكبر كابوس يمكن أن أفكر فيه ويصيبني الرعب بسببه منذ دخولي السجن. هل من الممكن أن يكون قدري بالفعل ألا أشهد رحيل أحبابي؟ هكذا؟ يرحل أفراد أسرتي واحدًا تلو الآخر، فلا أكون بجوارهم في الساعات الأخيرة، ولا أحضر إجراءات وداعهم حتى مرقدهم الأخير؟ أي قدر هذا؟ لماذا؟

كنت أنتظر على أحر من الجمر زيارة شقيقي إياد في مطلع مارس/ آذار 2021 لكي أعرف المزيد عن الوضع الصحي لوالدي. أخبرني إياد أن والدي دخل المستشفى لمدة أسبوعين بعد انتشار الخلايا السرطانية في أماكن جديدة، وهو ما يفسر خطابه الأخير. حاول أن يعطيني بعض الأمل، قائلا إن الوضع مستقر الآن نسبيًا، وأنه سيبدأ في تعاطي دواء جديد باهظ الثمن، عبوة كل شهر ثمنها 22 ألف جنيه، لمحاصرة خلايا المرض اللعين، بجانب الحقن الهرموني. أخبرني أياد أيضا أنه تلقى مكالمة هاتفية من شخصية عامة لها دور بارز في التوسط لإخلاء سبيل المحبوسين احتياطيًا يطلب فيها من والدي كتابة التماس للنائب العام يطلب إطلاق سراحي بسبب وضعه الصحي. لم أهتم كثيرًا بأية تفاصيل وفقدت الثقة في فرص نجاح جهود أي طرف. كان كل همي منصبًا على التأكد من أن شقيقي يقول الحقيقة وأن والدي بالفعل وضعه الصحي مستقر.

رحل إياد ومكثت لدقائق مع الضابط الذي كان يراقب ويسجل الزيارة كعادته، والذي لم أكن التقيته منذ آخر زيارة لشقيقي قبل شهر. سألته مباشرة عن سبب عدم إخلاء سبيلنا في 25 يناير، كما توقع الجميع، ونقلت المواقع الإخبارية المقربة من النظام. كان رده أنه لم يصدر أي قرار رسمي بالخروج، وأنهم غير مسؤولين عن التقارير الصحفية. لم أشغل نفسي بشرح قرب تلك المواقع للنظام، وأنه لا يمكن أن تنشر أية معلومة إلا بعد تلقي توجيهات. 

سألته عن سبب التأخير غير المسبوق في تسليم خطاب وصية والدي. هو كضابط لم يعتد غالبا أن يسأله أحد، أو أن يرد بإجابات مباشرة. ولكن كان رده لافتا على طريقة القراءة بين السطور "أنا مش حقدر أقول تفاصيل. بس جواب والدك ده ممكن يكون له دور كبير في تحريك ملفك بعد الفرصة اللي ضاعت منك". لم أكن احتاج الكثير من الذكاء لأفهم تلميحه إلى رفضي مقابلة وفد الصحفيين الأجانب الذين زاروا السجن قبل شهر، رغم تأكيده في وقت سابق أن الأمرين؛ الخروج ومقابلة الصحفيين، لم يكونا متلازمين، وأنه يحاول فقط المساعدة في تحريك ملفي. لا تعد الجهات الأمنية المعنية السجين أبدًا بالخروج في حال الموافقة على المشاركة في لقاء وفود الزائرين، ولكن طلباتهم تأتي دائما في سياق "ساعدنا نساعدك".

في نفس الفترة، كنا فقدنا القدرة على تقدير مواعيد تجديد جلسات الحبس بشكل دقيق، وكنا نعرف من الخطابات والزيارات أنه تم تجديد حبسنا دون حضورنا بسبب تعذر نقلنا للسجن. ما سبب التعذر؟ لا تسأل. لم يكن لدى أيٍّ منا أيَّ قدر من التفاؤل بإخلاء سبيلنا عبر جلسات التجديد، وكان يهمنا أكثر مقابلة زملائنا من السجون الأخرى في مجمع طرة ممن لديهم فرصًا أفضل وأسهل في التواصل مع العالم الخارجي عبر حيازة هواتف محمولة بعضها متصل بالإنترنت، وكذلك لعب دور القرود في محاولة التواصل مع المحامين عبر حركات وإشارات متنوعة بسبب الزجاج المصمت والقضبان الكثيرة التي تفصلنا عنهم. وإن بقي بعض الشك الممزوج بالأمل غير المبرر أن يكون الغياب عن حضور الجلسات تمهيدًا لخروجنا بقرار من النائب العام. مجرد افتراض نظري لا أساس له.

 

قلت للضابط نفس الكلام الذي قلته منذ سنوات بعيدة لصفوت الشريف. لم يتغير الحال، فالعقلية السائدة منذ 1952 أن الرئيس تحديدا يعرف ما هو الأكثر ملائمة لنا، والمعلومات، أية معلومات، سيستفيد منها أعداء الوطن. المطلوب فقط هو الثقة في شخص الرئيس، ولا حاجة لانتخابات أو منافسات. 

صباح يوم 7 مارس، وبعد عام ونصف العام من السجن، تحركت أخيرا عجلة خروجي. جاءني الشاويش وعلى وجهه ابتسامة عريضة. طلب مني الاستعداد سريعا لمقابلة ضابط الأمن الوطني وقال إن لديَّ ضباطًا زائرين من خارج السجن. لم يدرك الشاويش إن وجود ضباط الأمن الوطني خارج العنبر في انتظاري لا يعني بالضرورة بالنسبة لي أخبارا جيدة، وذلك بعد وفاة شقيقتي وأنا محبوس في مايو/أيار 2020، ومؤخرا بعد الخطاب الذي تسلمته من والدي ويحتوي وصيته. 

ترجيت الشاويش أن يؤكد لي أن زواري من الخارج لا يحملون نبأً فاجعًا آخر. رد مبتسما "لا إن شاء الله أخبار كويسة". رغم أن الشاويشية في السجن حلقة مهمة للغاية في دولاب العمل، ولكنهم الحلقة الأصغر من ناحية التراتب، وليست معلوماتهم دائما دقيقة. كنت اتحرك ببطء، ويتملكني شعور بالخوف أكثر من أي شيء آخر.

كان في انتظاري ضابطان من الواضح أنهما من أصحاب الرتب، أحدهما يجلس على المكتب ممسكًا بملفات وأوراق، تحتوي غالبًا على كل تفاصيل حياتي منذ سنوات الشباب وحتى منتصف العقد السادس من العمر، والآخر جلس بجواري على واحد من الكراسي الفوتيه التي يمتلئ بها المكتب. المكيف في المكتب في فصل الصيف، والكراسي الفوتيه وجهاز التلفزيون، كانوا دائما مصدر سعادة قصيرة لي عند استقبال زيارات الأسرة مع طول الحرمان من كل هذه الرفاهيات.  

لم أتوجه بالحديث لهما مباشرة، خاطبت أولا الضابط المقيم معنا في الليمان وطلبت منه الحلفان أن مكروها لم يلحق بوالدي. أقسم أن والدي بخير، وطلب مني الجلوس. بدأوا الحديث بأنهم تلقوا التماسًا من والدي يطلب إطلاق سراحي بسبب تدهور حالته الصحية، وتلى ذلك حوار مطول امتد نحو ساعة ونصف الساعة لم يختلف عن حوارات عديدة سبق لي عقدها مع ضباط الأمن الوطني على مدى عقود، منذ تخرجي من الجامعة في 1989.

مضمون تلك الحوارات أن منصب الرئيس في مصر شديد الحساسية والأهمية. وعندما كان مبارك في الحكم، وطالت سنوات بقائه، كان ضابط أمن الدولة في ذلك الوقت يسألني "هل تستطيع أن تفكر في أي بديل للرئيس مبارك؟"، كان هذا أيضا رأي وزير الاعلام السابق صفوت الشريف، أحد الأعمدة الرئيسية في نظام الحكم الرئيس المخلوع عندما سألته في قصر الاتحادية باستهبال ساذج على اعتبار أنني شاب خريج الجامعة الامريكية ويعمل في وكالة أنباء أجنبية عن سبب التمسك بنظام الاستفتاء على التمديد لفترات حكم الرئيس واقتصار الأمر على قول "نعم" أو "لا"، بدلا من عقد انتخابات رئاسية تعددية كما هو الحال في العديد من الدول الأخرى؟ ولم أكن أعني الدول الغربية، بل حتى دول شقيقة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تجاوزت مرحلة الحاكم الفرد الذي يبقى في منصبه للأبد. 

قلت وقتها لصفوت الشريف إنه حتى تونس، ورئيسها آنذاك كان زين العابدين بن علي، أقامت انتخابات تعددية، حتى وإن اختارت أجهزة الأمنية التونسية منافس الرئيس. فهل يجرؤ سوى مجنون على منافسة الرئيس في تونس؟ وكان رد الشريف الماكر بثقة وابتسامة مخيفة تميز بها "لا يوجد رئيس مثل مبارك. ده الرئيس ده هو اللي بيضمن استقرار وأمن المنطقة. مفيش حد يقدر يدير مصر بطريقته وحكمته وانجازاته".

قبل دخولي السجن بعدة شهور، التقيت أحد الضباط بعد اعتقال عدد من شباب حزب الدستور بسبب معارضتنا للتعديلات الدستورية التي كانت ستطرح لاستفتاء شعبي لتسمح بتمديد فترة الرئيس الحالي لستة عشر عاما بدلا من ثمانية كما نص دستور 2014. سألني حينها بثقة "هل يوجد بديل للرئيس السيسي الذي حقق الكثير من الانجازات؟". شعرت أن التاريخ تجمد ثلاثين عامًا.

كان ردي في زمن مبارك وأنا شاب في مقتبل العمر،  كما هو بعد ثلاثة عقود "من المؤكد أنه يوجد بديل". "من؟"، يرد الضابط وهو يسرع في الإمساك بقلمه معتقدا انني سأكشف عن اسم مرشح المعارضة. ولكن ردي في 1990، وفي 2021 أنه لا يهم الاسم، المهم ترسيخ مبادئ احترام الدستور والتعددية. توفي عبد الناصر واغتيل السادات وتمت الإطاحة بمبارك في ثورة شعبية في يناير 2011، وبقيت واستمرت مصر، ولكن للأسف استمرت كذلك نفس القواعد القائمة لحكم مصر منذ 1952. 

ليس معنى ذلك أننا كنا بلدًا ديمقراطيًا قبل يوليو 1952، كنا خاضعين للاحتلال البريطاني وتحكمنا عائلة أصولها ليست مصرية ومؤسسها، محمد علي، لم يكن يتحدث العربية. ولكن بعد 52، كان الافتراض هو أننا انتقلنا من الملكية للجمهورية التي يحكمها مواطن مصري لأول مرة منذ آلاف السنين، وحيث منصب الرئيس يقرره الشعب عبر الانتخابات مقارنة بالنظام الملكي. وطالما ستكون هناك انتخابات، يجب أن تكون هناك منافسة وأكثر من مرشح لتولي ذلك المنصب شديد الأهمية.

ولكن بقي ذلك الأمل مجرد وهم. الأقدار فقط شاءت أن يحكم ناصر 18 عاما، والسادات 11، ومبارك 30 عاما برقم قياسي. قلت للضباط وكبار المسؤولين في مطلع التسعينات من القرن الماضي، وفي 2021 إننا نريد ونحلم ببناء دولة مؤسسات وتبني استراتيجية طويلة المدى نعمل على تنفيذها بغض النظر عن من يشغل منصب الرئاسة، بل إن التاريخ سيذكر لأي رئيس أنه كان ناجحًا في منصبه حين يدير البلاد لفترة من الوقت، ثم يسلم لمن يليه بلدًا تسهل إدارته عن طريق المؤسسات التنفيذية (الرئاسة) والتشريعية (البرلمان) والقضائية، بجانب دور الصحافة ووسائل الإعلام في مراقبة أداء من يتصدون للعمل العام ويشغلون المناصب الرسمية. ليس الأمر مستحيلًا.

بعد ثورة 25 يناير، أثبت المصريون أنهم يتطلعون لانتخابات رئاسية تعددية وبرلمانية نزيهة، ووقفنا لساعات في طوابير طويلة في شبه غياب كامل للأجهزة الأمنية دون أحداث عنف أو تزوير لكي تنقسم اصواتنا ما بين خمسة مرشحين رئاسيين، حصل الفائز الأول منهم على نحو 25%  فقط من الأصوات، وليس 99.9% كما اعتدنا في الاستفتاءات. وكان الفارق بينه وبين المنافس التالي له مباشرة نحو 200 ألف صوت فقط. 

وفي نفس الوقت انضمت أعداد كبيرة من المصريين لمختلف الأحزاب التي نشأت بعد الثورة، وازدهرت الصحف ووسائل الإعلام، وكذلك المنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية المستقلة. انهارت كل مزاعم أن الشعب لا يريد ولا يستطيع ولايفهم النظام التعددي ولا يرغب في الديمقراطية، بل فقط لقمة العيش.

سريعًا رد الضابط بأن نتيجة كل ما سردته كان وصول الإخوان للحكم، بكل ما تلى ذلك من عواقب كارثية وقرب انهيار مصر، والتلميح أنني لا أفهم شيئا عن مصر لأنني اقمت لسنوات في أمريكا وتخرجت من الجامعة الأمريكية. ثم ارتفع صوته حادًا "انت مش شايف اللي بيحصل في ليبيا وسوريا والعراق؟"، وعقب ذلك حديث لا ينتهي عن جهلنا نحن المواطنين بحجم الخطر والمؤامرات التي يتعرض لها الوطن، داخليًا من جماعات الإرهاب والإخوان، وإقليميًا من دول مثل قطر وتركيا (وقتها) وكذلك إسرائيل بطريقة مبهمة في ضوء العلاقات الدافئة بين النظامين منذ 2014. وسمعت أيضا حججًا محفوظةً حول انتشار الفقر والأمية وسهولة الهيمنة على أصوات المهمشين مما قد يمثل خطرًا على الدولة وتماسكها في حال عقد انتخابات حرة بالفعل.

العقلية السائدة منذ 1952 أن الحكومة، بل الرئيس تحديدا، يعرف ما هو الأكثر ملائمة لنا بعددنا الذي يتجاوز 100 مليون مواطنة ومواطن، حتى لو لم يشرح لنا أحد شيئًا. فالمعلومات، أية معلومات، سيستفيد منها أعداء الوطن. المطلوب فقط هو الثقة في شخص الرئيس، وحط في بطنك بطيخة صيفي، لا حاجة لانتخابات أو منافسات. 

في زمن المخلوع كنت أتجول مع زميلة صحفية على لجان الانتخاب لكي نراقب أحد استفتاءات التجديد لمبارك. كانت الصناديق ممتلئة حتى آخرها، بينما اللجان خاوية. معجزة مصرية بامتياز. وفور دخولنا أي لجنة، والقول إننا نريد التصويت لصالح الرئيس مبارك، كان يتم استقبالنا بالزغاريد تقريبًا بسبب قلة الزبائن، وصوتنا سويا بـ "لا" نحو عشر مرات. كنت أقول لصديقتي، نصوت بـ"لا" لكي نضمن على الأقل التمثيل المشرف، وهو وضع اعتدت عليه سواء كمعارض أو كمشجع للزمالك.

لم نواصل الجدل لفترة طويلة. سألت الضابط الأعلى رتبة مباشرة "هل ترغبون مني التوقف عن ممارسة السياسة بعد الخروج من السجن؟"، رد الضابط الوقور "ما قلناش كده، بس لما تخرج، تخلي بالك من والدك وتشوف ابنك وترجع شغلك، وتبتدي بداية جديدة". خلاصة القول بعد إعادة صياغة المحتوى؛ خليك في حالك أولًا وقبل كل شيء، ولو فكرت في استمرار العمل في السياسة، فكر جيدًا في كل كلمة تقولها، وإياك وإياك من مصيدة وسائل التواصل الاجتماعي أيها اللعين.

عدت إلى زنزانتي سعيدًا بعض الشيء، متفائلًا بقرب خروجي. كان الضابطان قالا لي إنهما سيعودان مجددا لزيارتي بعد أسبوع للمزيد من الأسئلة والإجراءات، وبالتالي كان قراري أن أبدأ العد التنازلي لموعد الخروج بعد الزيارة الثانية، والذي قدرته بنحو أسبوع أو أسبوعين بناء على تجربة من سبقوني. لا أريد أن أصدق أي آمال زائفة أو أرفع سقف توقعاتي.


 

الحلقة 1: زي ما انت

الحلقة 2: احكيلنا عن نفسك

الحلقة 3: أجواء ما قبل الحبس

الحلقة 4: سريرك سقف الحمام

الحلقة 5:  أنت في الإيراد  الحلقة 6: عد على صوابعك 150 يوم الحلقة 7: مش هترجعونا السجن بقى؟

الحلقة 8: عندك مطلب غير إخلاء السبيل؟

الحلقة 9: القادمون الجدد الحلقة 10: لو كان الوقت رجلًا الحلقة 11: لعبة الأمل

الحلقة 12: كورونا.. الثقب الأسود

الحلقة 13:  كورونا؟ خليها على الله

الحلقة 14: وإنا على فراقك لمحزونون

الحلقة 15: مع الله والقرآن الحلقة 16: خطابات السجن وخناقاته

الحلقة 17: الموت عرقًا

الحلقة 18: الدفس والتدوير وصلاح عبد الصبور

الحلقة 19: إقامة قصيرة

الحلقة 20: مؤشرات الخروج

الحلقة 22: اتفضل اركب عربيتك