تصميم: يوسف أيمن- المنصة
-

رائحة الموت: أو كيف اختبرتني التجربة؟

منشور الخميس 17 فبراير 2022

مع حلول أذان المغرب أتى والدي ليقطع علي اللعب مع أصدقائي، وطلب مني الذهاب معه لأننا سنسافر بصحبة والدتي. لا أعرف إلى أين أو لماذا سنسافر في هذا الوقت تحديدًا، كل ما كان يدور في ذهني حينها أنه قطع علي لعبي المفضل مع أصدقائي الصغار، ذهبت معه وأنا أسأله لماذا أتى على غير العادة ليأخذني؟ لم يجبني حتى وصلنا المنزل.

لا أتذكر كم كان عمري حينها أو السنة الدراسية، ولكن تفاصيل ومشاهد اليوم حاضرة في ذهني، ربما لقسوتها، أو لأنها حفرت في داخلي الخوف من الشبح، دخلت على والدتي التي رأيتها تبكي، وهي ترتدي ملابسها السوداء، كررت عليها السؤال لماذا سنسافر وإلى أين؟ لم تجبني أيضًا، جلست بجوارها وأنا أرتدي جونلة حمراء وقميصًا وردي اللون، لم تكن ملابسي حينها منمقة للسفر كمان كانت تفعل والدتي من قبل، ولم تطلب مني الذهاب للاستحمام بعد العودة من اللعب في الشارع كما اعتدنا، خرجنا من الباب وهي مستمرة في البكاء وخلفها والدي الذي كان ممسكًا بيدي.

ذهبنا للقرية التي ولدت بها أمي، والتي كانت واحدة من الأماكن المفضلة لدي، ألتقي خلالها أقاربي في الأعياد والمناسبات، ألعب معهم، ظننت أنني سألتقيهم تلك المرة، ولكن توقفت السيارة أمام منزل خالتي، خرجت والدتي من السيارة وارتفع بكاؤها حتى تحول لصراخ وعويل، ولحق بها والدي وتركني أمام المنزل، الذي رُصت أمامه صفوف من الكراسي وقفتُ وحيدة بينها، تأتي نساء بملابس سوداء يبكين ويتجهن لداخل المنزل، وكأن لا أحدًا يراني، ولا أحدًا يتذكرني. كان ذلك سرادق عزاء خالتي.  

تكرر المشهد مع تفاصيل مختلفة برحيل والدي، ليعود الشبح الذي حُفر في ذاكرتي من الصغر من جديد، يقترب تلك المرة أكثر، وأشم رائحته أكثر وأكتر، فللموت رائحة نشعر بها مع تلك التجربة التي تختبرنا وتختبر مشاعرنا، رحل أبي، ورأيت أمي بملابس سوداء مجددًا، لكنني ذلك اليوم كنت أعرف معنى الموت الذي يأخذ منا أحبابنا، لن يعودوا مجددًا كما كنت أتخيل في الصغر.

حينما يتوقف العالم

في الموت يتوقف العالم من حولنا، كما توقف من حول أمي، كانت لا تسمعني ولا تراني عند رحيل شقيقتها، لم تكن ترى حينها سوى جزءًا منها فارق الحياة، حتى تركتني وحيدة بين مقاعد خالية، أتي والدي واصطحبني لمنزل خالتي الأخرى، لأمكث مع ابنتها التي كانت تكبرني بست سنوات، كانت تعلم جيدًا معنى الكلمة القاسية، حاولت شرحها لي بشكل مبسّط، بأن خالتي ذهبت إلى الله.

والآن يتوقف العالم من حولي برحيل والدي الذي تركني وحيدة دون يده التي كانت تمسك بيدي في الصغر، أجدني أكرِّر ما فعلته أمي معي مع طفلتي، التي لا تعرف حتى الآن سوى أن جدها ذهب للسماء.

الخوف من الموت كان صديقي الذي يؤرقني طوال الليل سنوات عدة، كنت أستيقظ من نومي وأذهب لغرفة أبي وأمي لأتأكد أنهما يتنفسان، وما زالا على قيد الحياة، أفكر فيما سيحدث لو مات أحدهما، فلو غادر أبي فماذا ستفعل والدتي التي لا تستطيع الحياة دونه؟ ولو ماتت أمي كيف سيكون حال أبي؟ ولو وصلت أنا للعقد السابع من عمري، فبماذا أشعر وأنا أقترب من نهاية الحياة، لتختبرني التجربة بمشهد والدي الذي خرج في صندوق خشبي وخلفه صراخ وعويل.

أين سيذهب؟ وبما كان يشعر حينها؟ هل كان يشعر بالموجودين حوله، أم أن صخب العالم انتهى بالنسبة له؟ ماذا كان يرى قبل موته؟ هل حقًا كما يًردد أنه كان يعلم أنه سيفارقنا؟ لا أحد يعلم ماذا يحدث بعد، فلم يعُد أحد من حيثما ذهب أبي وآخرون ليروي لنا، ولكن ربما، وفقًا لما قرأته، أن المتوفى يرى ما يدور حوله لثلاث دقائق، فرأى أبي محاولة شقيقي إنعاشه وهو يضغط على صدره ليعود للحياة، وشعر بأصابعه التي أغمضت عينيه.

رائحة الموت بدأت قبل رحيل والدي بأسبوع، حينما توفي جارنا وزوجته، كانا صديقان له، حزن على فراقهما ليلحق بهما، أشم تلك الرائحة عند دخول العقار، وكلما صعدنا درجات السلم ازدادت، حتى أصبحت واضحة، ومع فتح باب الشقة وسماع صوت القرآن الصادر من غرفته والإضاءة التي لم تنطفئ منها منذ رحيله، ولأن التجربة اختبرتني، فأصبحت أسمع كل النداءات التي ترددها المساجد المحيطة عن متوفين رحلوا، والتي لم أكن أنتبه لها في الماضي، فمع نداء المسجد عن وفاة شخص، يعود مشهد الصندوق الخشبي الذي حمل خالتي ووالدي لذاكرتي.

والدتي كانت ترى في أحلامها شقيقتها ووالدتها وتنتظر الآن زوجها، تؤمن أنه يراها ويسمعها، وتحرص على زيارة قبره، رافقتها في تلك الزيارة، وجلسنا أمام اللوحة التي دون عليها اسمه على جدار أصم، دفن خلفه والدي، حرصنا أن نجلس أمام مكان رأسه حتى يسمعنا جيدًا، قالت له إن فراقه يؤلمها ولكنها تعلم أنه في مكان أفضل، وعجز لساني عن الحديث، وأخبرتني أنه الآن يراني وكأن لوحًا من زجاج يفصل بيننا، لا أعرف من أين أتت بتلك المعلومة، ولكنني كنت أرى وجهه يطل من خلف هذا الجدار، بشعره الأبيض الخفيف، ونظارته، سألته لماذا تركني في ها الوقت ولم ينتظر فترة أطول؟ فلم يجبني.

كررت أسئلتي له، بماذا يشعر الآن؟ هل يهمه إن كانت الإضاءة المحيطة به خافتة أم لا؟ وهل تزعجه الأصوات الصادرة من حوله؟ هل كان يتمنى شيئًا قبل وفاته؟ وهل قرأ حواري الأخير مع جورج إسحق الذي بدأت العمل عليه قبل الوفاة وأخذت رأيه فيه، وطلب مني التحدث معه للتوسط لإخلاء سبيل زوجي؟ نُشر الحوار ولم يقرأه أبي، ,أنتظر رأيه وتعليقه عليه في رسالة.

الأن أتذكر قصيدة ملحمة جلجامش، ففي رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر لاكتشاف سرّ الحياة الأبدية، يكتشف أبطال الملحمة أن الحياة التي نسعى في إِثرها لن ننالها أبدًا، لأن الآلهة عند خلقِها البشر، جعلت الموت من نصيبهم، واستأثرت بالخلود نصيبًا لها.

أصبح قريبًا

الخوف من الموت قبل تجربته والذي لم أفصح عنه لأحد، لازمني حتى تخرجت في الجامعة، وبدأت العمل بإحدى الصحف، حررت خبرًا بعنوان "وفاة سيدة وزوجها وابنتها في حادث سير"، العنوان كان قاسيًا، والحادث أيضًا، فعلى الطريق الزراعي انقلبت سيارة كانت تقل أسرة مكونة من زوج وزوجة وطفلة رضيعة، ماتوا جميعًا، كَتبتُ أسماءهم في الخبر بالحروف الأولى، كما كان متبعًا في الصحفية مع تلك النوعية من الأخبار، لأستقبل مكالمة هاتفية من صديقة لم نتحدث سويًا منذ عدة أشهر، لا شيء في المكالمة سوى صراخًا، كل ما كانت تردده "ريهام ماتت"، من هي ريهام؟ عدت بذاكرتي للوراء، فإذ هي صديقة قديمة لنا تعرفت عليها أثناء الجامعة، أصبحت هي وصديقتي التي كانت تتصل بي مقربتين؛ كانت ريهام هي الأم التي فقدت حياتها في الحادث.

مع التجربة شبح الموت أصبح قريبًا، من الممكن أن ينهي حياة أي شخص، ورغم وجود هذا الشبح بيننا، فما زلنا نسعى لاستكمال الحياة، لنكون أغنياء وناجحين، ونلتحق بوظائف مرموقة، ونبحث عن شقق سكنية مريحة يمكن أن نتملكها أو نحصل عليها بعد عدة سنوات، فما هو الضمان من وجودنا تلك الفترة؟ فمن الممكن أن يخطفنا الشبح قبل حصولنا على الشقة أو الوظيفة، ومع ذلك نسعى.

كلٌ منا يرى الموت من منظوره، وربما نتفق على الخوف منه، ولكن بعد اختبار المشاعر، هل من الممكن أن أرحب به كما تقول والدتي لأنه سيجمعني بوالدي، ويجمعها بزوجها وشقيقتها ووالدتها.

أين سنلتقي؟

 أتخيلها ساحة كبيرة نلتقي فيها مع من نحب، ستلتقي والدتي بشقيقتها ووالدتها، وسألتقي والدي وأعبر له عن مشاعر لم أعبّر عنها في حياته، وزاد شعوري بها عقب وفاته، فأغلب الديانات ترى أن الموت نهاية لحياة وبداية لأخرى نلتقي فيها بمن نحب، ربما تكون الحياة الأخرى أحن وأقل قسوة من تلك التي نعيشها الآن، ربما نعرف حينها سر الموت ولماذا خلقته الآلهة موازيًا للحياة، ولما استأثر الإله لنفسه بالخلود، وكما قال هيدجر في كتابه الكيونة والزمان "إذا قبلت الموت في حياتي واعترفت به وواجهته مباشرة، سأحرّر نفسي من قلق الموت وحقارة الحياة، وحينها فقط سأكون حرًا في أن أصبح نفسي".


اقرأ أيضًا: لم يعد مرعبًا: كيف تسببت كوارث 2020 في زيادة وعينا بالموت؟

 

لوحة رمزية الغرور لأنطونيو بيريدا. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

الموت بالنسبة لهيدجر هو حجر الأساس للذاتية، باعتباره الجانب الذي يبقى بعيدًا عن متناول الآخر، ليس مجرد حدث يقع في نهاية الحياة مثل المحطة بالنسبة للقطار، ولا مجرد نقطة أو موضع مستقبلي يصل إليه، بل مثل النضج بالنسبة للثمرة على حد وصفه، وبهذه الطريقة يتحرر الموت من اعتباره نقطة واحدة أو حدثًا نهائيًا.

اليوم وبعد مرور أكثر من شهر ونصف على رحيل والدي، رن جرس هاتفه، ردت والدتي وهي تنتظر صوت أحد أصدقائه لا يعلم خبر وفاته، أو ربما يعلم ويحاول الوصول لأحد من أسرته، ليقابلها صوت سيدة تطلب من صاحب الرقم التوجه لأخذ تطعيم كورونا، فتجيب "البقاء لله الحاج مات"، وتغلق الخط، ومعه تتجدد الرائحة التي لم تغب عن أنوفنا، وتجدد معها مشاعر الحزن والأسى بسبب الفقدان. لم يرغب والدي في تلقي التطعيم خوفًا من آثاره الجانبية، كان يخشى رحيله بسبب تلك الآثار، ليأتي الرحيل لسبب آخر لا نعلمه حتى الآن، يردده المحيطون بنا بأنه "الأجل".

رحل والدي وأخذ معه قطعة من قلبي، تركني لأواجه تجربة الفقد وحدي واختبار مشاعري بها أو اختبارها هي لي، ما زلت في التجربة حتى الآن لم أتحرر منها، أنتظر موعد تلك الرحلة الجديدة التي لم يروِ أحدٌ لنا مشاهد موثقة منها، سنوثقها عند حضورها ولقاء من نحب بساحة واحدة تجمعنا سويًا، وسؤال الإله لماذا خلق الموت؟