أعسر بالفطرة أيمن بالإكراه.. أنا والخوف وأمي
الكينتسوجي/kintsugi أو "الرتق الذهبي" أسلوب فني ابتدعه اليابانيون، يرمم به الحرفي قطع الخزف المكسور بطلاءٍ من الذهب، وهو فن مستمد من صميم الوجود البشري يبرز جماليات النقص في الأشياء المعطوبة، وأن الندوب التي صارت جزءًا من هويتها لا تستدعي مشاعر الخزي والعار. ليس هناك أنسب من كلمات مثل "ترميم، مكسور، نقص، معطوب، ندوب، خزي، عار" لتبدأ بها قصتك في الوجود.
تربطني علاقة غريبة بسيزار لويس منيوتي، ففي عام 1978 حقق مع الأرجنتين أول فوز ببطولة كأس العالم لكرة القدم مدرّبًا للفريق الأول. وقتها لم أكن وُلدت لأرى ماريو كيمبس، هدّاف الفريق، وهو يرفع الكأس الذهبية.
لكني تعرّفتُ عليه مطلع عام 2003 من خلال مداومتي على شراء مجلة الصقر الرياضية، التي تهتم بأخبار كرة القدم.
في ذلك الوقت كنت أبحث عن قميص أنحشر داخله حتى أستر عُريًا يظهر شامةً في جانبي الأيسر؛ ولأجل ذلك كتبت الرقم "7" بالرسم الإنجليزي وبخط عريض على ظهر فانلتي الداخلية البيضاء، وفوقه مباشرة اسم لويس فيجو، أحد أشهر لاعبي كرة القدم حينها، ليس إعجابًا به، لكن لسهولة كتابة اسمه بالإنجليزية (Figo).
كرة القدم لم تكن ترفًا بالنسبة لي حتى أمارسها وألاحق أخبار نجومها، كانت رغبة دفينة أعوّض بها نفسي عن الارتباك الذي أحسّه، والحياة تسفر عن وجهها الحقيقي كسلسلة من الإكراهات.
صاحب أردأ خط
وُلدتُ أعسرَ دون أن يستشيرني أحد في ذلك. أمي أرادت خلاف تلك المشيئة الإلهية؛ فأعسر آخر في الأسرة يعني خيبةً كبيرة، خصوصًا وأن والدي في بداية حياته كان ذا توجّهات يسارية، كمعظم أبناء جيله في نهاية ستينيات القرن المنصرم. سُجن لأجل تلك الانتماءات، وابتعد عنها لأكثر من سنة؛ لذلك لم تكن لتتحمّل وجود ابنٍ لها يكتب بيده اليسرى.
كانت تظن، أو هكذا صوّر لها وعيها، أن الكتابة باليد اليسرى هي أولى خطوات الولوج إلى عتمة السجون والتشرّد والضياع. انتصرت أمي عليّ، وأجبرتني على الكتابة بيدي اليمنى، والأكل بها، وأن أصفع بها وجهي بقية عمري.
نجحت أمي في جعلي صاحب أردأ خط، حتى إنّ كل المعلمين الذين مرّوا عليّ في دراستي كانوا يتساءلون عن سر هذا الخط القبيح والمتعرّج. لكنها فشلت في تبديد إحساسي بالتردد وأنا أجتاز أحد شوارع مرور السيارات كلما استرجعت تقريعها لي؛ فأصعب الطرق وأكثرها إرهاقًا تلك التي تسير في دواخلنا دون جهة معلومة.
يحتل النبي موسى مكانةً بارزةً وشاسعةً في القصص القرآني، وهو أحد أكثر الأنبياء الذين ذكرهم القرآن، وحفلت حياته بالكثير من الأحداث والمواقف، ولن تدرك زخم تجربته إلا بتلك اللحظة التأسيسية التي طبعت وجوده حينما أوحى الله إلى أمه أن تلقيه في البحر.
كل ما حدث له بعد ذلك حدده قرار أمه بمواجهة مخاوفها، وليكابد موسى بعد ذلك مصيره وصعوبات حياته بزادٍ راكمه من تلك اللحظة. موسى كان ابنًا لتجربته، وفيًا ومخلصًا ليمّه. أما أمي وهي تكتشف أن وحيدها الذي جاء بعد خمس بنات أعسر، فلم تكن بثبات أم موسى، كانت أقرب لجزع العذراء مريم حينما باغتها المخاض "قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا".
حسب تدين والدتي الشعبي فإنها كانت ترى في ذلك نوعًا من أنواع المسّ الشيطاني أو الطالع السيئ، ما يشبه الفكرة التي شاعتْ في القرون الوسطى وترى العُسْر أشرارًا ومتهمين بالسحر. لم ترضعني أمي حليبها فحسب، بل خوفها وهواجسها وشكوكها وانفعالاتها، ولم تلقني في اليمّ، بل حجّمت من قدراتي على الغوص.
ميراث الخوف
في مقاله الأم مؤسسة لغوية، يذهب اللساني توفيق قريرة إلى أن تعليم الطفل اللغة يمر عبر الأم "الأم تعلّم الطفل اللغة وهو يرضع وهو يحبو وهو يأكل من يدها، فهي تقرن بين النشاط والعبارات التي تلائم ذلك النشاط... هي لا تعلّمه عبارات، إنما تعلّمه أيضًا كيف يستعملها في سياقات مختلفة؛ هي إذن لا تعلّمه معجمًا، بل تبني له تصورًا للكون من خلال تلك الأشياء. وهي لا تعلّمه لسانًا، بل تعلّمه منظومة قيمية كاملة. ستعلّمه كلمات مرتبطة بالعاطفة، ومرتبطة بالوجدان، ومرتبطة بعقيدة القبيلة، أي كل ما تؤمن به من رباطات عصبية وسنن وعادات وتقاليد وغيرها".
هي لا تنقل له إذًا مفردات وعبارات وتراكيب، لكن تمرّر له تصورها للكون وما عاشته وكابدته من تجارب وأحداث. ليتسلل له منها خوفها من المرض، خوفها من الموت، خوفها من ركوب الطائرات، خوفها من الفقد. مخاوف لا نهائية فضحتها التجارب بعد ذلك.
كشخص يعاني من ويلات الوسواس القهري أو "التفكير الاستحواذي"، تداهمه أفكار اقتحامية وملحّة لا تكتسب قيمتها وقوتها من مضمونها، فهي في الغالب سخيفة وغير واقعية، بل بتفاعلها مع مخاوف الشخص، وهنا مكمن الداء. بعض التفسيرات ترجعه لأعطاب في التربية لتجد هذه الفرضية صداها في خوفي الأصيل والمتجذر داخل روحي، للدرجة التي جعلت دعائي الأثير "يا رب بدّل خوفي أمنًا". وليربط طبيبي النفسي بينه وبين سلوك أمي المذعورة من كوني أعسر.
في رحلة التعافي من سلوك إدماني أفسد حياتي وأسرني لسنوات، كنتُ ضمن زمالة للمدمنين، أخبرنا المشرف في جلسة أننا لن نتقدم في هذه الرحلة ما دمنا نسعى لحياة كاملة ومثالية. استوقفته، وسألته عن الدافع وراء تلك الرغبة، فأجاب: شعورك بالخزي من تجربة مررت بها فاقم داخلك مشاعر النقص لتحاول تعويضها بهذا السعي الأخرق. ولا يوجد نقصٌ في حياتي شعرتُ به واستدر كل مشاعر العار مثل استماتة أمي في جعلي أيمن.
أحيانًا نحتاج إلى قتل الأم، لا الأب، في تقديم سردية مضادّة لما ذهب إليه فرويد. الأب لا يستحق القتل، رمزيًا كان أم بيولوجيًا، بخلاف الأم التي تتمنى في بعض الأحيان انتهاء دورها بالولادة فقط. الحياة ستقوم بإرضاعك من ثدييها الضامرين، وأنت في الأصل لا تحتاج إلى حليبٍ ماسخٍ؛ تحتاج إلى جوع يؤكد لك المغزى الحقيقي للوجود، كمعاناة مستمرة لا تتوقف لدقيقة، كمعاناتي وأنا أتلعثم في الكلام نتيجة المضاعفات النفسية لتلك التجربة المريرة.
هنا تتماس تجربتي مع كامل رؤبة لاظ الشخصية المحورية في رواية السراب لنجيب محفوظ، التي فصد فيها حياته بمشرط، وكيف حكمت مخاوف أمه مساره، وشكّلت مصيره "لست في الواقع إلا ضحية، ولا أقول ذلك تخفيفًا من ذنبي، ولا تهربًا من تبعتي، ولكنه حق وصدق، فالحق أني ضحية، إلا أنني ضحية ذات ضحيتين". ليطل بعد ذلك باضطرابه وخجله، ونكتشف أنه قتل أمه.
ليس تعاطفًا مجانيًا مع جريمته، لكن المرافعة الجريئة والشفيفة وهو يشرح حياته جعلتني أستعير صوته لأعبّر بلسان تلك الأيام عن إرثنا الهائل من هزائمنا أمام أمهاتنا "كانت أمي وحياتي شيئًا واحدًا، وقد خُتمت حياة أمي في هذه الدنيا، ولكنها لا تزال كامنة في أعماق حياتي، مستمرةً باستمرارها. لا أكاد أذكر وجهًا من وجوه حياتي حتى يتراءى لي وجهها الجميل الحنون، فهي دائمًا وأبدًا وراء آمالي وآلامي، وراء حبي وكراهيتي، أسعدتني فوق ما أطمع، وأشقتني فوق ما أتصور، وكأني لم أحب أكثر منها، وكأني لم أكره أكثر منها، فهي حياتي جميعًا، وهل وراء الحب والكراهية من شيء في حياة الإنسان؟!".
الكرة طوق نجاة
هل لكل معاناة، أو تجربة صعبة نعيشها دلالة أو غاية؟ لم أحرّر جوابًا واضحًا، لكن تجربة فيكتور فرانكل في علاج ندوبه بالمعنى أثناء اعتقاله في معسكرات التعذيب النازية شكّلت لي عزاءً وتسليّة. فلكل منا هولوكوسته، ونجاتك قد تكون في شيء صغير لم ترعَ له بالًا، ككرة القدم في وضعي.
كنت أخرج من البيت بروح ثقيلة تتخفف بالتسكّع، أركل بقدمي اليسرى أي حجر أصادفه. وبتكرار ذلك الفعل اكتشفت أن قدمي اليسرى تعمل بشكل جيد، وأن عطب يدي اليسرى لم يتسلّل إليها. لأدخل مرحلة جديدة بدأتُ فيها بركل الكرة بقدم يسرى متهوّرة ونزِقة، وما زالت مستمرة في اقتراف المزيد من الحماقات، وهي تأخذني إلى طرق وعرة.
شجّعت ليفربول الإنجليزي في بداية حياتي ورددت مرارًا هتاف جماهيره الأثير لن تسير وحدك أبدًا، لأعرف حينما كبرت قليلًا وبدأت تتكشّف لي بعض الحقائق سرّ ذلك الهوس بتشجيع فريق فقد الكثير من بريقه في ذلك الوقت. كنا جميعًا نبحث عن مجد ضائع، عن عصر ذهبي لن يعود.
ليطلّ لويس سيزار منيوتي بشعره الطويل وجسده النحيل وملامحه الدقيقة وفكره المنشق من خلال مجلة رياضية، ويتحدث عن تأملاته في الدين والفلسفة والفن والأدب وبراعته في ربط ذلك بكرة القدم، وأعثر على من يعبر عن معاناتي ولو بشذرات ثاقبة ونافذة. فكرة كرة القدم أخطر من اختزالها في نتيجة مباراة بين فريقين. الكرة هي أن تتحدث عن رحلتك في الحياة بيدٍ يمنى ثرثارة تُبدي رأيها في كل شيء، فالصمت الذي دخلت فيه اليد اليسرى كافٍ لإبراز عجزك أمام سطوة الرحم المتوجّس.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
