رمضان في القاهرة القديمة
- فليكر برخصة المشاع الإبداعي

رمضان مُنتَجًا فَنيًا: مِن زفّة العريس إلى حرب الإعلانات

منشور الأحد 17 أبريل 2022

 

نادرًا ما تُفلتُ مُناسَبة دينية مِن تَحويلها إلى احتفالٍ دُنيوي؛ هكذا اعتادَت الشعوب والجماعات، أن تُضفي طابعًا حِسيًا وأرضيًا على الأعياد الروحية السماوية، كأنها بذلك تقيم جسرًا غير مرئي بين الروح والجَسد. رغم ذلك قد يُفلتُ الزِمامُ أحيانًا وتنقلبُ فُرصة لممارسة الاقتصاد والتقشف وترويض النَفس، مثل شهر رمضان، إلى موسم للنَهَم سواءً أكان في استهلاك الطعام والشراب أم استهلاك المنتَجات الفنية المعدَّة للتسلية والترفيه، غير أنَّ درجة هذا الاستهلاك وأشكاله اختلفت مع مرور العقود وتغيّر معها شكل التعبير الفني عن رمضان، ومحتواه ووسائطه كذلك، في رحلة ليست طويلة العُمر لكنه قد تكون شديدة الدلالة.

 مِن الواضح أنَّ فكرة بركات رمضان وخيراته هي فِكرة قديمة في مصر، سنجدها تتكرر في أقدَم الأغاني الرمضانية التي وصلتنا، على سبيل المثال، في أغنية لإسماعيل ياسين، اسمها خيرات رمضان، تحكي عن الشيخ رضوان الذي يمر بالدكاكين ويشتري التين والقمر الدين والقطايف والكنافة، ولا يفوته أن يدعو لرمضان. لدرجة أنه من كثرة الخير يُهيأ له أن يطلب حمالًا. تقول الأغنية "ونشوف رمضان وسط الزفّة وكأنه عريس".

 

أغنية الشيخ رضوان


.. وكأنه عريس

تعبير العريس نفسه مُستخدَم في أغنية أخرى لمحمد فوزي لوصف رمضان "هاتو الفوانيس يا ولاد هاتوا الفوانيس، هنزف عريس يا ولاد هنزف عريس"، وفي أغنية أخرى لهدى سلطان تقول "شوفوا رمضان شوفوا وخفّة دمه".

 

أغنية هاتوا الفوانيس


تلك كانت صورة مُبهجة لرمضان، صورة مواكب مضيئة وعريس هو أقرب للفتى المرح خفيف الدم، وموسم للخيرات التي تحتاج لحمَّال يحملها. هي صورة مصرية للغاية،؛ لأنها أبعد ما تكون عن التقشف والخشونة والشظف وأقرب لخفة الروح والأجواء الاحتفالية.

آنذاك كان رمضان ابنًا بارًا للإذاعة المصرية؛ وهي الصوتُ الأوحد تقريبًا، الصوت المهيمن على آذان المواطنين ووعيهم في تلك الحقبة؛ الخمسينيات والستينيات على الخصوص، الحقبة نفسها التي شهدت إنتاج المجموعة الأساسية التي تتكرر كل عام للأغنيات الرمضانية. أغلقَ باب الانضمام لتلك القائمة الراسخة والثابتة من الريبرتوار الرمضاني، فنادرًا ما تتسرّب إليه أغنية رمضانية حديثة. تلك الأغنيات والصور الغنائية مثل الراجل ده هيجنني لصباح وفؤاد المهندس إلى جانب منتجات رمضانية تالية، احتكرت حقوق النوستالجيا، وأصبح كثيرٌ منها علامات تُستخدَم لاستدعاء روح الشَهر مِن أقصى نقطة ممكنة في الذاكرة الجَمعية التي صنعها الفن وكرّسها الزمن ولعبة التكرار.

 

صباح وفؤاد المهندس يغنون الراجل ده هيجنني


ثُمَّ اقتحمَ التليفزيون حَلبة المُنافسة فأطاحَ بالراديو مِن فوق العَرش وسمحَ له بالمركز الثاني لفترة لا بأس بها. تراجعَ صوتُ زوزو نبيل في أداء شخصية شهرزاد في مسلسل ألف ليلة وليلة على الراديو لصالح نجوم ونجمات الشاشة الصغيرة، بمسلسلاتها واستعراضاتها.

 

ألف ليلة وليلة على الإذاعة


ذِراع في كل بيت

شيئًا فشيئًا تحوَّل التليفزيون إلى أخطبوط، له ذِراع في كل بيت، وصارَ مَقْدم شهر رمضان من كل سنة موسمًا لإقدام المزيد من الأُسَر على اقتناء الصندوق السِحري، سواء لأوّل مرة أو التخلّي عن جهازهم القديم واقتناء واحد بالألوان أو أكبر حجمًا. ارتبطَ رمضان بمحتوى الشاشة الصغيرة ارتباطًا لا يبدو أنه قد ينفصم قريبًا بالمرة، إلى حد أنَّ نمط المسلسل الثلاثين حلقة، أصبحَ العقيدة الثابتة في العمل الدرامي التليفزيوني، ربما منذ مسلسل صيام صيام سنة 1980، ولم يزل معمولًا به، رغم شَكاوى واعتراضات تظهر كل سنة تقريبًا، بخصوص المطّ والإطالة والإملال.

 

تتر بداية مسلسل صيام صيام


في الفترة الأخيرة، بدأت تظهر على استحياء أعمال درامية خارج القالب الرمضاني، سواء من ناحية أنها أقل من ثلاثين حلقة، أو مسلسل واحد مؤلّف من عدة قصص وممثلين مختلفين، لكن تحت ثيمة عامة واحدة. لكنَّ ظهور منصات العرض وانتشارها من شأنه أن يخلخل تلك القواعد القديمة ولو قليلًا، وأصبحَ من الشائع أن يُعرَض على تلك المنصات أعمالُ درامية عرضًا حصريًا، أعمالٌ أكثر جرأة واختلافًا عن الأنماط الرمضانية الشائعة والمطمئنة، مع مساحة حرية أكثر من حيث التناول أو الشكل الفني.

الإعلان ملكًا

كانت الثمانينيات والتسعينيات وربما أوّل عشر سنوات من الألفية الثالثة حقبة تليفزيونية بلا منازع، فآنذاك لم يكن الإنترنت متاحًا ومنتشرًا كما هو الحال الآن. واتسم الإنتاج الرمضاني آنذاك بجرعة تسلية لا تقل تخمتها عن تخمة موائد الإفطار العامرة المتنوعة. وظهرت الأيقونات التي لم تزل حتَّى الآن تمثل علامات وذكريات أكثر من جيل، بداية من فوازير سمير غانم وفؤاد المهندس ونيلي وشيريهان إلى بوجي وطمطم وبكَّار، والقائمة طويلة. تلك الأيقونات التي استغلّت تجاريًا مرة بعد أخرى على مدى السنوات الأخيرة، وهو ما يأخذنا لمربط الفرس، في الوقت الراهن على الأقل، وهو الدعاية التجارية المصوَّرة والمعروضة على شاشات التليفزيون والإنترنت.

 

بيبسي وشيبسي رمضان 2015 – هنكمل لمتنا


لعلَّ اختفاء الأعمال الفنية الاستعراضية، مثل الفوازير ومسلسلات ألف ليلة، وهو ما حدث تدريجيًا مثل احتضار بطيء، تزامنَ مع صعود لفَن وصناعة الإعلانات التجارية. لم أعد أتذكَّر اللحظة المحددة التي بدأت فيها الإعلان التليفزيوني في شهر رمضان يختلف عن إعلان المنتج نفسها في بقية أشهر السنة، لكنَّ هذا حدثَ تدريجيًا كذلك، ومع منتجات بعينها قبل أن يصبح هو الحالة العامة.

أصبحت فكرة الإعلان اللذيذة والذكية عنصر جذب واضح، ثم مع ضخ أموال أكثر اجتذب الإعلان نجومًا أكبر، ورأينا عمر الشريف مع يسرا في إعلان رمضاني.

 

عمر الشريف ويسرا - إعلان بورسلين الجوهرة


ثم انفتحت الأبواب على مصراعيها، بعدد هائل من النجوم وإنتاج مُبهر بصريًا وموتيفات موسيقية معظمها مستمد من أعمال الزَمن الجميل، سواء أغنيات رمضان في حقبته الإذاعية أو أيقوناته البصرية في حقبته التليفزيونية، لعبًا على وتر النوستالجيا والألفة عندما كان كل شيء أهدأ إيقاعًا وأكثر وضوحًا، وحين كان المسحراتي عملًا ضروريًا وليس مجرد فلكلور أو مُزحة.

أظن أنَّ الإعلانات احتلّت أرض الأعمال الاستعراضية التليفزيونية الكبيرة، ولكن مع درجة إبهار بصري وجودة أعلى، وهذا طبيعي مع الإمكانيات الكبيرة وصغر المساحة الزمنية للإعلان. لكنها في الوقت نفسه احتلّت زمنَ البث التليفزيوني كله، وبعد أن كان له وقت محدّد قبل عرض هذا المسلسل أو ذلك البرنامج، أخذت تتسلل تدريجيًا إلى أن اعترضت الفواصل الإعلانية كلّ شيء، وزادَ وقت عرضها على وقت عرض العمل المعروض، وبعض البرامج صارت تخصص وقتًا ثابتًا من فقراتها للحديث عن منتجات طبية للتخسيس أو للدعوة للتبرع لإحدى جميعات الأعمال الخيرية ولا يكاد يوجد برنامج طبخ لا يروّج لأكثر من منتَج في أثناء وقت البرنامج بصورة مباشرة وغير مباشرة.

الشاشة تطرد محبيها

أصبحت الشاشة الصغيرة طاردة للسكَّان، وصارَ من النادر أن تجد شخصًا يتابع مسلسله المفضَّل في موعد عرضه الأساسي على شاشة التليفزيون، إلَّا مضطرًا في حال وجوده مع الأسرة ساعة الإفطار مثلًا. وهنا أيضًا ظهر الانترنت ليحل مشكلة الإعلانات، ولو بقدر ما. وكما بدأت المنصات المختلفة تخلخل الصيغة التقليدية لمسلسلات رمضان الثلاثين حلقة، ولو بدرجة محدودة في الوقت الراهن، وتحت سقف حرية لم يزل منخفضًا، فإنَّ الأمل في مشاهدة رائقة وهادئة لم يعد متاحًا إلَّا لمَن يمكنه أن يدفع مقابل ذلك، ومَن له علاقة جيدة بالانترنت بالأساس.

لذلك فإنَّ ملايين من الأشخاص في العالم العربي، من غير المتعلّمين والمحرومين من خدمة الإنترنت أو الأشد فقرًا من دفع اشتراك المنصات، سوف يبقون أسرى شاشات التليفزيون، سواء برسائلها الموجَّهة في برامجها وأعمالها الفنية، أو بِشَلَّالاتها الهادرة من الإعلانات الصاخبة بألوانها الفاقعة وموسيقاها الراقصة ونجومها الراقصين الضاحكين.

صارَ الشخص العادي يشعر بأنه مُطالَب بالاستهلاك، ثمة مسؤولية تقع على عاتقه بأن يشتري ويزاحمَ كل هؤلاء الآخرين في اقتناص عروض السوبرماركت المختلفة. وتحت وابل الإعلانات المتواصلة، عبر الشاشات، والتي قد يقتنص بينها لمحات من مسلسلٍ ما أو برنامجٍ ما، تتقاسمه مشاعر متضاربة، مثل الاشتهاء والعجز والشفقة بما أنَّ نسبة كبيرة من الإعلانات تَعرضُ له مَن هُم أشد بؤسًا منه بسبب المرض أو الفقر، وتطالبه بأن يساعدهم ويتبرع لهم. وهكذا انتهى الموكب الرمضاني الذي كان أقرب إلى زفة عريس مضيئة وكلها خيرات وبركات إلى مهرجان عنيف مرصَّع بالمقالب والسخرية من الآخرين، فيه فُتاتٌ من النوستالجيا وصور قديمة وجمل موسيقية من أغنيات زمان، موظَّفة لترويج وتسويق المنتَج الجديد والرسالة الجديدة، وفتاتٌ من دراما طيّبة مُعلّبة ومحكومة بعشرات المحاذير الصارمة.

يبدو أنَّ وحش الاستهلاك التهمَ كلَّ شيء، فلماذا قد يكون رمضان استثناءً مِن هذا؟