- تصميم: المنصة

من سترة المسجون إلى البدلة الميري

قاتل مجدي مكين يعود إلى الشرطة بعد عفو رئاسي

منشور الاثنين 4 يوليو 2022 - آخر تحديث الاثنين 4 يوليو 2022

في 15 فبراير/ شباط الماضي، عقدت لجنة أمنية رفيعة من كبار ضباط وزارة الداخلية اجتماعًا، انتهى إلى الموافقة على أن يتمتع خمسة من رجال الشرطة، أدينوا بارتكاب جريمة تعذيب المواطن مجدي مكين حتى الموت في قسم شرطة الأميرية عام 2016، بقرار العفو الرئاسي الصادر بمناسبة ذكرى ثورة 25 يناير، رغم أنهم لم يقضوا محبوسين إلا نحو سنة واحدة من أصل ثلاث سنوات عاقبتهم بها المحكمة.

أحد هؤلاء الخمسة الذين نُفِّذ قرار الإفراج عنهم في أبريل/ نيسان الماضي، هو محمد أحمد حسن علي (44 سنةً)، ويعمل شرطيًا سريًا وفقًا لبطاقته الشخصية. 

بالإضافة إلى تعذيب وقتل مكين، كان علي متورطًا في التعاون مع تجار مخدرات في الأميرية، وفق تحقيقات موسعة أجرتها النيابة العامة عامي 2017 و2018، انتهت إلى قرار بعزله من الخدمة وإحالته إلى المعاش، وذلك أثناء محاكمته في قضية مكين التي خاضها مفرجًا عنه ويمارس عمله بشكل عادي. 

علاقة علي بجهاز الشرطة كان ينبغي أن تنتهي ليس فقط استنادًا إلى قرار النيابة الذي أيده القضاء الإداري لاحقًا، لكن بسبب إدانته بتعذيب وقتل مكين وتزوير محاضر رسمية لإخفاء جريمته. ووفقًا للمادة 71 من قانون الشرطة المصري رقم 109 لسنة 1971، فإن الشرطي إذا أدين بارتكاب جريمة، تنتهي خدمته.

لكنَّ المنصة ترصد في هذا التحقيق، استنادًا إلى وثائق من النيابة العامة ومجلس الدولة، ومراسلات صادرة من وزارة الداخلية، عودة الشرطي السري أحمد محمد حسن علي إلى عمله بعد الإفراج عنه، رغم إثبات النيابة العامة تورطه في تسهيل تجارة المخدرات، وإدانته في قضية مكين بارتكاب جرائم التعذيب والقتل والتزوير.

محاولات فاشلة للتستر

كان مجدي مكين يعمل بائعًا للسمك، وقتل بسبب مشادة في أحد شوارع حي الأميرية شمال شرق القاهرة مع ضابط شرطة، وقعت عندما اعترض مكين واثنان آخران على سباب الضابط لهم. قبض على الثلاثة واقتيدوا إلى قسم شرطة الأميرية حيث تعرضوا للتعذيب من ضابط شرطة وتسعة من الأمناء.

بعد ساعات، وفي يوم 16 نوفمبر/ تشرين الثاني، تسبب التعذيب في وفاة مجدي مكين، عن عمر 50 عامًا. 

محاولات وزارة الداخلية لحماية رجالها بدأت مبكرًا بإنكار وقوع الجريمة، وزعمت على لسان طارق عطية، مساعد وزير الداخلية لشؤون الإعلام آنذاك، أن مكين تُوُفِّي إثر أزمة قلبية أثناء التحقيق معه، بعد القبض عليه وبحوزته أقراص مخدرة.

وقالت الداخلية على لسان عطية إن ثلاثة أشخاص من بينهم مكين، كانوا يستقلون عربة كارو أعلى منطقة مسطرد قاصدين الزاوية الحمراء، غيروا مسارهم فجأة "وبسرعة جنونية" من أجل تخطي قوة أمنية تابعة لمباحث قسم شرطة الأميرية، فأصابوا من يعترض طريقهم.

وتابع عطية الذي عرّف مكين لا كمجنيٍّ عليه بل كشخصٍ "سبق اتهامه في ثلاث قضايا مخدرات"، أنه "بملاحقتهم تم ضبطهم وبتفتيشهم عثر بحوزتهم على 20 شريطًا من الأقراص المخدرة (..) وأثناء التحقيق ومناقشة المتهمين سقط المتهم الثالث مجدي مكين على الأرض وأثناء نقله للمستشفى، توفي إثر أزمة قلبية حادّة أدت لوفاته في الحال".

وتفجرت القضية عندما نشر نجل شقيق مكين صورًا للجثمان على مواقع التواصل الاجتماعي، تكشف آثار تعذيب في ظهره وساقيه. 

دخلت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على خط الأزمة عندما زار الأسقف العام في المنيا وأبو قرقاص الأنبا مكاريوس عائلة مكين، وقال إنه توفي نتيجة تعرضه لـ"تعذيب بشع"، في صدام نادر للكنيسة مع وزارة الداخلية، وعلى لسان أحد أبرز وجوهها.

ومع انتشار صور الجثمان على نطاق واسع وزيادة الضغوط الكنسية، كانت النيابة تبدأ تحقيقاتها، ليس فقط في مزاعم التعذيب التي حاولت وزارة الداخلية إنكارها، لكن كذلك في تزوير محررات رسمية لإخفاء وقائع التعذيب التي تعرض لها الثلاثة داخل القسم.

بعد انتهاء التحقيقات أحالت النيابة العامة المتهمين إلى المحاكمة الجنائية ووجهت إليهم ثلاث تهم؛ هي ضرب أفضى إلى الموت، وإحداث الإصابات الواردة بتقرير الطب الشرعي لمجدي مكين وزملائه والتي أكدت تعرضهم التعذيب، وتزوير محررات رسمية ومحضر الواقعة والإضرار العمدي بجهة عملهم.

 

القتل وحده لا يكفي

مَنع المتهمين في القضايا الجنائية من العبث بالأدلة، كما حدث في قضية تعذيب وقتل مكين، واحد من أسباب الحبس الاحتياطي التي حددها قانون الإجراءات الجنائية. 

وبينما تتوسع الجهات القضائية في إصدار قرارات الحبس الاحتياطي بحق المعارضين والنشطاء المدنيين، وتجديدها لسنوات دون إحالتها إلى القضاء المختص، كان رجال الشرطة المتهمون بتعذيب وقتل مجدي مكين، وتزوير محررات رسمية لإخفاء أدلة جريمتهم، يحاكمون وهم طلقاء، ويمارسون عملهم اليومي المعتاد في قسم الشرطة الذي ثبت لاحقًا أنه كان مسرحًا لجريمتهم.

فمع أولى جلسات المحاكمة التي بدأت في مايو/ أيار 2017، قررت المحكمة إخلاء سبيل المتهمين على ذمة القضية، ليعود محمد أحمد حسن علي إلى عمله، حتى 13 سبتمبر/ أيلول 2017. 

في هذا التاريخ، وردت إلى النيابة العامة تحريات من الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، أعدّها الرائد محمود عبد الرازق الطيب، تكشف تورط عدد من رجال الشرطة، من بينهم علي، في التعاون مع أقطاب تجار المخدرات بمنطقة الأميرية.

وإثر ذلك، أجرت النيابة العامة تحقيقاتها في القضية التي حملت رقم 1 لسنة 2018 جنايات الأميرية وقيدت برقم 51 لسنة 2018 حصر تحقيق نيابة استئناف القاهرة، وهي التحقيقات التي حصلت المنصة على نسخة منها.

انتهت تحقيقات النيابة في 24 فبراير 2018 إلى ثبوت إدانة الشرطيين، ومن بينهم قاتل مكين، في القضية، وأصدر المستشار أحمد مصطفى حمزة، المحامي الأول في نيابة استئناف القاهرة حينها، قرارًا بعزلهم من وظائفهم، كقرار تأديبي، دون الإحالة إلى المحاكمة الجنائية.

مذكرة النيابة العامة بعد تحقيقاتها في تورط عددٍ من رجال الشرطة بالتعاون مع تجار مخدرات

.. والقاتل لا يرضيه العزل

لم يرضَ الشرطي القاتل والمتورط في التعاون مع تجار المخدرات عن قرار عزله من وظيفته، فطعن عليه أمام المحكمة الإدارية لرئاسة الجمهورية، الجهة المختصة في القضاء الإداري بنظر نزاعات موظفي بعض الجهات الحكومية، ومن بينها وزارة الداخلية، مع جهات عملهم. 

تواصلت المنصة مع مصطفى علواني، محامي علي، الذي أوضح أن بداية معرفته بموكله كانت أثناء تورطه في قضية المخدرات "كان متورطًا مع نحو 17 شرطيًا آخر في القضية، وصدر قرار بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ضدهم جميعًا والاكتفاء بقرار العزل من العمل".

وأضاف علواني "طلب مني الشرطي الدفاع عنه ثم إقامة الطعون على قرار العزل من الوظيفة، وبناء على ذلك أقمت له، بصفته موكلي، دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري لإلغاء قرار العزل".

في 4 سبتمبر/ أيلول 2018 قررت المحكمة الإدارية لرئاسة الجمهورية قبول الدعوى شكلًا، أما موضوعًا، فقضت في الشق المستعجل بإلغاء قرار العزل من الوظيفة، وإحالة الدعوى إلى هيئة مفوضي الدولة لإعداد تقرير بالرأي القانوني.

ويعني هذا القرار وقف سريان قرار العزل بشكلٍ مؤقت، فيعود علي إلى عمله ويستمر في ممارسة وظيفته، ريثما تنتهي المحكمة من نظر طعنه على قرار عزله من وظيفته.

نفذت وزارة الداخلية حكم المحكمة في الشق المستعجل من القضية، فأعادت القاتل إلى عمله وفقًا لوثائق حصلت عليها المنصة، ووزعته على أقسام شرطة أخرى مغايرة لقسم شرطة الأميرية الذي شهد واقعة القتل والتعذيب والمخدرات المدان فيهما.

استمرت القضية أمام المحكمة الإدارية لرئاسة الجمهورية نحو ثلاث سنوات، حتى صدر الحكم في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، برئاسة المستشار أشرف محمد أنس جعفر نائب رئيس مجلس الدولة، مستندًا على تقرير هيئة مفوضي الدولة الذي ورد للمحكمة، وأيد قرار النيابة بعزل الشرطي من عمله.

وجاء في نص الحكم أن "الواقعة المنسوبة إلى الشرطي هي واقعة جسيمة تفقده الصلاحية للعمل في مرفق الشرطة المنوط به منع الجرائم وضبطها وكفالة الأمن والطمأنينة للمواطنين في كافة المجالات، ومن ثم فإن قرار إحالته إلى المعاش من الاحتياط قائمًا على سببه المشروع، حصينًا من الإلغاء".

حكم المحكمة الإدارية لرئاسة الجمهورية بعزل علي من الشرطة.
منطوق الحكم بعزل علي من الشرطة

أدانتك المحكمة فاذهب إلى السجن فورًا

استقبل الشرطي القاتل حكم القضاء الإداري بتأييد قرار عزله وهو في السجن، بعد أن أدانته الدائرة السابعة في محكمة جنايات شمال القاهرة التي انعقدت في 12 ديسمبر/ كانون الأول 2020 بمجمع محاكم العباسية برئاسة المستشار جمال المراغي، مع رجال شرطة آخرين، بتعذيب وقتل مجدي مكين، وقررت معاقبته بالحبس ثلاث سنوات مع الشغل.

وضمت قائمة المحكوم عليهم بالحبس كلًا من الضابط كريم مجدي عبد العزيز محمد لطفي، وأمناء الشرطة سامح السيد جابر قاسم، ومحمد سعيد صلاح محمد، وعبد الغني منير عبد الغني محمد، ومحمود صابر أحمد صابر، وسعد الرواش أبو العزم خليل، وأيمن محمد محروس الديب، ومحمد أحمد حسن علي، وياسر حسن محمود حسانين.

لاحقًا، طعن هؤلاء على حكم إدانتهم أمام محكمة النقض، لكن قبل تحديد موعد جلسة نظر الطعن، صدر عفو رئاسي متضمنًا أسماء خمسة منهم.

عفا عنك الرئيس فاخرج من السجن حالًا

في أكتوبر 2013 قال وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي إن الضابط الذي سيقتل أو يصيب متظاهرًا لن يحاكم "مش هيوصل بيه إنه يستعد إنه يضربك بغاز وقنابل وخرطوش، حد يموت أو حد يحصله حاجة في عينيه يتحاكم الظابط. لأ. مش هيحصل خلاص".

كان وزير الدفاع الأسبق الذي أصبح رئيسًا للجمهورية لاحقًا، يعد بحماية الضباط من الملاحقة القضائية في الجرائم التي ترتكب لتفريق المظاهرات بعد أشهر من أعمال العنف الدامية، ولا توجد أدلة على امتداد هذه الحماية لتشمل تلك الجرائم التي ترتكب أقسام الشرطة، بعد سنوات من انتهاء المظاهرات وأعمال العنف. 

ولكن ما حدث بالفعل، أن خمسة من رجال الشرطة أدينوا بالتعذيب والقتل والتزوير، تعاون أحدهم مع تجار المخدرات، تمتعوا بعفو رئاسي بعد أن قضوا نحو سنة واحدة فقط في السجن كجزاء على هذه الجرائم.

إدراج الأسماء في قرار العفو الممهور بتوقيع رئيس الجمهورية، حدث بعد موافقة اللجنة الأمنية العليا برئاسة قطاع الحماية المجتمعية في وزارة الداخلية "على الإفراج بالعفو عن المذكورين [...] بمناسبة الاحتفال بعيد الشرطة وثورة 25 يناير لعام 2022 بموجب القرار الجمهوري رقم 13 لسنة 2022، على أن يتم الإفراج عنهم بعد عرضهم على النيابة المختصة وذلك لاستكمال باقي إجراءات الإفراج بالعفو عنهم"، وفقًا لما ورد في خطاب حصلت عليه المنصة، موجه من العميد محمد فاروق أبو شريف مدير إدارة شؤون المسجونين التابعة لقطاع الحماية المجتمعية، إلى مأمور سجن ألماظة، الذي كان المذكورون يقضون عقوبتهم فيه.

وأمناء الشرطة الذين تمتعوا بالعفو الرئاسي مكين وهم سامح السيد جابر قاسم، وياسر حسن محمود الحسانين، وسعد رواش أبو العزم خليل، ومحمد أحمد حسن علي، وأيمن محمد محروس الديب، وجميعهم أمناء شرطة كانوا يعملون في قسم شرطة الأميرية وقت ارتكاب الجريمة

خطاب الموافقة على إدراج قتلة مجدي مكين الخمسة في قرار العفو الرئاسي.

التمسك بالشق المستعجل

بعد أن تمتع الشرطي القاتل محمد أحمد حسن علي بالعفو الرئاسي، عاد إلى عمله في وزارة الداخلية التي ما زالت تنفذ الشق المستعجل من حكم محكمة القضاء الإداري لرئاسة الجمهورية.

وزعت الداخلية علي على أقسام شرطة أخرى مغايرة لمسرح الجريمة. في البداية ذهب إلى قسم شرطة المناخ في بورسعيد، وبعد أن استلم عمله هناك جرى توزيعه للعمل بقسم شرطة ثان بورفؤاد، في المحافظة نفسها.

لكن علي أراد العودة إلى الأميرية، فوضع هذا الطلب في الطعن الذي رفعه بعد الإفراج عنه، على حكم القضاء الإداري لرئاسة الجمهورية بعزله من وظيفته، الذي تجاهلت وزارة الداخلية تنفيذه، وطالب بالعودة لعمله السابق بقسم شرطة الأميرية بذات ترتيب أقدميته بين زملائه وبذات جهة عمله قبل صدور القرار والمزايا المالية كافة والترقي طيلة نفاذ القرار المطعون عليه، وإلغاء قرار عزله السابق وما ترتب عليه من آثار.

وحصلت المنصة على إفادة رسمية ممهورة ومختومة من مأمور قسم شرطة ثان بورفؤاد المقدم محمد يحيى شطا، مقدمة إلى القضاء الإداري، بتاريخ 30 أبريل، تفيد بأن الشرطي القاتل موجود في الخدمة بقسم ثاني بورفؤاد.

خطاب من وزارة الداخلية يؤكد عودة علي إلى عمله بعد الإفراج عنه.

يعتقد المحامي مصطفى علواني أن عودة موكله إلى العمل في الشرطة غير قانونية وفقًا لما أخبر به المنصة "عودة المتهمين في قضية المخدرات ومن بينهم الشرطي موكلي تم تنفيذه واستمر في التنفيذ ليس فقط رغم صدور حكم نهائي بالعزل، بل رغم وجود موكلي في السجن لمدة قاربت من العام على خلفية تنفيذه عقوبة الحبس لمدة 3 سنوات" في قضية مكين.

وأضاف أن "قرار العفو الرئاسي يشمل إسقاط العقوبة فقط ولا يمتد ولا يشمل آثارها" الأخرى التي تتضمن العزل من الوظيفة، متابعًا أن "الجهة الإدارية ممثلة في وزارة الداخلية قررت أن تعيد موكلي إلى العمل رغم حكم العزل النهائي الصادر ضده، وهو أمر غير قانوني بالطبع".

وأشار المحامي الذي ما زال يباشر طعون موكله على حكم القضاء الإداري بعزله، إلى أن "الشق الإجرائي للدفاع عن موكلي أمام ساحات القضاء المصري التي كفلها القانون والدستور شيء، والرأي القانوني الشخصي في القضية شيء آخر".

ومضى يشرح موضحًا "الشق الإجرائي كفل لموكلي اتخاذ إجراءات التقاضي حتى نهايتها التي تتضمن الدفع بالثغرات أو أي أمور في صالحه، لكن في الرأي القانوني فإن عودته غير قانونية وتحديدًا بسبب حكم الإدانة الصادر ضده بقضية مقتل مجدي مكين، وفي النهاية القول الأول والأخير لهيئة المحكمة".