- Tamara Gak- unsplash.com

العفو بالتنقيط: لعبة الشد والجذب بين السلطة ومعارضيها

منشور الاثنين 11 يوليو 2022

بمقدار استجابة السلطة لمطالب الإفراج عن سجناء الرأي نستطيع الحكم على إمكانية نجاح دعوة الحوار السياسي المنتظر. هذه قضية مؤكدة ولا فرار منها. 

منذ عدة أيام أفرجت السلطة في مصر عن 60 سجينًا سياسيًا بعفو صادر عن رئاسة الجمهورية، شملت القائمة عددًا من العمال الذين قُبض عليهم بلا اتهامات جادة. لكن تزامنا مع الترحيب السياسي والمجتمعي بالإفراج عن هؤلاء وصلت رسائل صادمة إلى جميع الأطراف السياسية. 

رهان القوى التي وافقت على المشاركة في الحوار السياسي كان أكبر من رقم الستين بكثير، فضلًا عن خلو القائمة من أسماء رموز سياسية وحزبية شهيرة تعهدت السلطة بالإفراج عنهم خلال المشاورات التي جرت مع المسؤولين في الدولة. 

والمؤكد حتى اللحظة أن هناك إصرار من السلطة على ربط العفو عن سجناء الرأي بمناسبات وطنية ودينية (30 يونيو - عيد الأضحى - 23 يوليو.. إلخ)، باستثناء حالتين فقط صدر فيهما قرار بالعفو عنهم بعيدًا عن الأعياد. 

وفق رؤية القوى السياسية، هناك رغبة لدى أهل الحكم في التأكيد على أن قرارات العفو تصدر كإجراء طبيعي دوري ضمن عمل الدولة، ولا ترتبط بمطالب المعارضة او اشتراطاتها بالدخول في الحوار من عدمه قبل الإفراج عن عدد كاف من السجناء.

لدى السلطة رغبة مؤكدة في عدم الظهور كمن انهزم أو تنازل أمام شروط المعارضة أو حتى استجاب لها. لكن أرقام سجناء الرأي كبيرة لا يجدي معها أسلوب الإفراج "بالتنقيط"، ولا التجاهل الحكومي غير المفهوم وغير المبرر. صحيح أنه ليس هناك تقديرات رسمية معلنة بعدد سجناء الرأي، إلا أن بعض المنظمات الحقوقية تقدرهم بأربعين ألف على الأقل. 

بحسابات السياسة، بات الإفراج عن أكبر عدد ممكن من سجناء الرأي هو "الصراع" الرئيسي الآن بين سلطة تبدي تشددًا ظاهرًا في هذا الملف، وبين معارضة تريد أن تحقق مكاسب سياسية قبل الدخول في الحوار. تهدف المعارضة إلى طمئنة جمهورها المتشكك في دوافع الدعوة للحوار وفي إمكانية أن يصدر عنه نتائج جادة ومرضية. 

لكن تعامل السلطة مع ملف السجناء لا يختلف كثيرًا عن باق الملفات على مدار السنوات السبع الماضية؛ استبداد تام وانفراد كامل بالقرار وإقصاء لكل الآراء وتسلط غير مبرر على الآليات مهما تكلف الأمر. 

ما لا تدركه السلطة ولا تود الاعتراف به أن سجناء الرأي في مصر ليسوا مجرد أرقام في سجلات وزارة الداخلية، بل بشر لديهم حياة وأسر ومستقبل، وقضى بعضهم سنوات في السجون بلا اتهامات جادة. 

لو كانت هناك نية في البدء في صفحة جديدة تطوي صفحة الماضي وتحدث قطيعة تامة مع السنوات السبع الفائتة، لجاء الحديث جادًا والخطوات قاطعة.

خطوات السلطة الأخيرة وإصرارها على الإفراج بالتنقيط وفي المناسبات فتح الباب واسعًا أمام المشككين في دعوة الحوار، مؤكدين على قوة حجتهم وعدم جدية السلطة في الخروج بحد أدنى من النتائج المرضية.

مع مرور الوقت، تراجعت الآمال في إمكانية أن يصدر عن الحوار توصيات تفتح الباب لتحول ديمقراطي جاد، وتنهي حصار السياسة، وتحرر المجتمع من قيود عنيفة مفروضة عليه منذ أكثر من سبع سنوات. وترسخ شعور لدى الأطراف السياسية أن السلطة تمارس "تعالٍ" غير مبرر، وتسلط شديد في ملف دقيق وحساس لا يجدي التعامل معه بهذه الطريقة.

لو كانت هناك نية في البدء في صفحة جديدة تطوي صفحة الماضي وتحدث قطيعة تامة مع السنوات السبع الفائتة، لجاء الحديث جادًا والخطوات قاطعة. لكن فوقية وعدم جدية التعامل الحكومي يخصم من أي فرص للنجاح أو الإنطلاق نحو مستقبل مختلف. 

تعامل أهل الحكم بطريقة "التنقيط" ورفضهم الاستجابة لمطالب القوى السياسية التي وافقت "مبدئيًا" على المشاركة في الحوار، وضع جميع الأطراف في ورطة. فالسلطة تصر على عدم الظهور كمن يخضع لمطالب المعارضة، بينما على الجانب تظهر المعارضة أمام جمهورها كمن لم يستطع تحقيق ولا حتى جزءًا بسيطًا وعادلًا من مطالبها.

ربما تكون للمعارضة مطالب أخرى لا تقل أهمية وصعوبة عن مطلب الإفراج عن سجناء الرأي بعد بدء الجلسات، وهو ما يضعها في أزمة سياسية كبرى قد تخسر فيها رهانها ليس فقط على إمكانية "إحياء الحياة السياسية" وبث الروح فيها، بل على إقناع الجمهور الذي صدّق مطالبتها له بالانتظار ووعدته بالوصول لنتائج مرضية. 

بدون مواربة فإن كلًا من السلطة والمعارضة أمام تحد واضح الآن: على السلطة الحاكمة أن تتراجع عن إصرارها غير المفهوم على عدم الاستجابة الجادة لمطلب الإفراج عن سجناء الرأي، وأن تتعامل بشكل أكثر مرونة وبعيدًا عن التسلط بهذا الملف وإقصاء الجميع، صحيح أن فكرة الحوار ليست من أدبيات السلطة الحالية طوال السنوات الماضية ولكنها هي صاحبة الدعوة منذ شهور، وعلى المعارضة أن تلتزم ببيانها الذي أصدرته في 8 مايو/ أيار الماضي وأكدت فيه أن الإفراج عن السجناء هو أحد المطالب الرئيسية قبل البدء في أي حوار.

هذا هو الصراع السياسي الدائر الآن والذي يخضع، مثله مثل العمل السياسي والتفاوضي بشكل عام، للشد والجذب والضغط، مع التمسك الدائم بحد أدنى لا يمكن التفريط فيه من قيم مبدئية.

لا تهاون في حق السجناء في الحرية والحياة.