ميمي الشربيني - صفحة تاريخ الكرة في مصر- فيسبوك

ميمي الشربيني: ربع قرن من الأشغال الكروية الشيقة

منشور الخميس 28 يوليو 2022 - آخر تحديث الخميس 28 يوليو 2022

لم تكن لوازم التعليق الاحترافي كالمعرفة والتدريب الممنهج والغزارة المعلوماتية والثقافة الرياضية من أسباب تفوق ميمي الشربيني وتعلق الجمهور بصوته لسنوات طويلة، لكنه عرف كيف يقنع المشاهدين بأسلوب تصويري ويجتذبهم إليه باجتهادات فردية ومصطلحات وإفيهات ذكية لم تكن في قاموس الكرة.

فرض الشربيني شخصيته، واحدًا من الأسماء المهمة في سجلّ ما يمكن أن نسميها "المدرسة العاطفية" في التعليق الكروي، بعد الثالوث؛ محمد لطيف، وعلي زيوار، وحسين مدكور، الذين اتخذهم قدوة في بداياته، ثم تفوق عليهم.

ليست كرة القدم مجرد لعبة، لكنها فنٌّ جماعيٌّ يمتلئ بالشحن الانفعالي والإثارة والتناقضات والمواقف العصيبة المتأرجحة بين مرارة الهزيمة وبهجة الانتصار، والندم على ضياع الفرص والتوق إلى تعويضها وبلوغ الهدف حتى الثواني الأخيرة من عمر المباراة التي تحتبس خلالها الأنفاس.

في هذه الفرجة الممتعة، هناك بالضرورة مساحة واسعة للخيال، تتمدد مع أقدام اللاعبين وأفكار المدرّبين وتقاليع الجمهور وأغنيات التشجيع وهتافات المدرجات. ولا تكتمل منظومة التخييل بغير صوت المعلّق المصاحب للصورة، الذي يجب أن يكون ملاحقًا لسرعتها، مجسّمًا لتفاصيلها، متناغمًا في نبراته مع إيقاعها النفسي، مفسّرًا لما خبّأته الكواليس.

وهنا تبرز أهمية "عِلم التعليق" بالمفهوم الحديث، بما يبلوره من مقوّمات كشروط لأهلية المعلق، ليكون إضافة معلوماتية وجمالية إلى المباراة؛ لا عبئًا عليها، وليكسب الآذان والقلوب ناجيًا من التكرار والملل.

غَزَل مزدوج

لم يدرك المعلِّق الرياضي ميمي الشربيني، لاعب الأهلي السابق، المرحلة الاحترافية لكرة القدم بشكلها الناضج المتطور في مفرداتها وعناصرها مثلما هو الحال في اللحظة الراهنة، إذ عرفه المتابعون كلاعب محلي ودولي ملقّب بـ"النفّاثة" لسرعته في الفترة ما بين 1953 و1970، وأعادوا اكتشافه كمعلقٍ رياضيٍّ إذاعيٍّ وتليفزيونيٍّ في الربع الأخير من القرن الماضي وبدايات الألفية الثالثة، قبل أن يميل إلى العزلة والاحتجاب في السنوات الأخيرة، مستمتعًا بحياته كما أراد في فيللته على شاطئ البحر المتوسط في جمصة.

على مستوى اللعب، شارك الشربيني زملاءه في النادي الأهلي والمنتخب المصري في تحقيق بعض الإنجازات المحدودة في ظلّ عدم وجود بطولات قارية للأندية في ذلك الوقت، وبطولة كأس إفريقيا للأمم مرة واحدة مع المنتخب 1959، إذ لم يشارك في بطولة 1957، ووجد مكانًا يناسب إمكاناته إلى جانب من هم أكثر منه شهرة وجماهيرية، وعلى رأسهم المايسترو صالح سليم، وشكّل "النفاثة" ميمي مع "الدينامو" محمود الجوهري ثنائيًّا متفاهمًا في الجبهة اليسرى.

ولكن على مستوى التعليق، بدا الأمر مختلفًا كثيرًا، فالشربيني الطموح الذي يغازل الكرة والمباريات واللاعبين والمدربين بتعبيراته و"لازماته" الشعرية الرشيقة وضع عينيه منذ البداية على موقع متقدم بين المذيعين، وكان يرى ذاته قادرًا على المنافسة.

ابن نكتة

مهنة التعليق بمنظور الشربيني "نحت فى الصخر"، ولأنّ الهواية والحضور الشخصي والاجتهادات الفردية والكاريزما كانت العوامل الأبرز لنجاح المعلقين حينها، وصف الرجل لنفسه روشتة بسيطة، قوامها: فلترة الموهبة الخام بالاشتغال على الذات، وعمل أرشيف صحفي ضخم للاستفادة منه، والعناية بجودة الصوت والتحكم في تدرجاته وتماوجاته، وممارسة المهنة بحب واستمتاع وأريحية، وعدم الاتكاء على عبارات المعلقين السابقين، ومحاولة خلق "لون مختلف" في التعليق.

انتقل الشربيني بالتعليق الوجداني من خانة الوصف التفصيلي الاعتيادي إلى خطف المشاهد بتعبيرات جديدة، مستقاة من حقول كثيرة غير رياضية، إلى جانب القفشات والإفيهات التي تنبع من موروث الشعب، معتبرًا أن "خفة الدم" والقدرة على "الارتجال الفني" من أهم مفاتيح الولوج إلى قلوب المشاهدين، إلى جانب الدراية بقوانين اللعبة لإنارة عقولهم بالشرح والتحليل، كلما اقتضى الأمر إشارات تخصصية، دون استغراق ثقيل.

تمكّنت هذه "التوليفة" من حجز مكانها على خريطة التعليق، وراح الشربيني يركّز توابله في خلطتها لتكريس ما بدأ يتردد عن نكهته وخصوصيته، وتدريجيًّا اتسع عالمه المجازي وزادت مصطلحاته الشهية، لتصير لعبة كرة القدم في المباريات التي ينقلها فلسفة جمالية وميدانًا للإبداع اللغوي والتراكيب التخييلية التي التصقت باسمه، وحققت "ترندات" تتردد على الألسن، وعن ذلك يقول في أحد تصريحاته "حينما ألتقي الجماهير في الشارع وأجد إفيهاتي تعيش مع الناس، أشعر بالنجاح، وهذا يكفيني، كالممثل المسرحي الذي يسعده رد فعل الجمهور لحظيًّا".

هكذا، اعترف الشربيني صراحة بقيمة "الإفّيه" معتبرًا أنه العنوان الأول للنجاح، إلى جانب العناصر والمقوّمات الأخرى، واهتم إلى أبعد الحدود بفكرة أن المعلق عليه ترك بصمة عالقة في الأذهان، معوّلًا على ابتداع الألفاظ الجاذبة من جهة، وعلى التغني بالنجوم وإعطائهم حقهم من جهة أخرى، وعلى استدعاء الطرافة والقفشات من جهة ثالثة "أنا ابن نكتة".

قماشة تانية

أراد الشربيني أن يكون "قماشة تانية" ليست كأقمشة السوق، وفق تعبيره الطريف لوصف اللاعبين المتميزين، وأن تكون عشرات العبارات المنحوتة ملكًا له وحده، فهي من مصنفاته وارتجالاته. لكنه بعد فترة كاد يتوقف عن ابتكار هذه الصيغ الجديدة من قبيل: صاحب الرئات الثلاث، الجنرال حظ، المارشال توفيق، مربّع العمليات، ضربات المعاناة الترجيحية، أشغال كروية شاقة، إكسترا مهارات، من مواليد منطقة الجزاء، نصف وزنه إرادة، يتقمص شخصية بابا نويل الكرة، يرتدي قفاز الإجادة، يحمل أختام الجبهة اليسرى، يفرض نفوذه وسيطرته على مملكة الهدافين، العارضة تتزحزح سنتيمترات، زاوية مغلقة بالشمع الأحمر، وأحد المطبات الكروية الصعبة، الخ.

كان هذا التكرار، والركون إلى الرصيد السابق، إلى جانب الاكتفاء باللباقة اللفظية واللياقة الروحية والقبول والحضور الشخصي، وراء خفوت المدرسة العاطفية في التعليق برمتها. تلك المدرسة التي أغلقت أبوابها لاحقًا بانعزال الشربيني ورحيل حمادة إمام ومحمود بكر، وفرضت مدرسة المعلوماتية والتحليل المتعمق والقياسات الصوتية المحسوبة سطوتها على المشهد، بما يلائم دقة العصر وتخصصيته، واحترافية الكرة؛ لعبًا وفنًّا وتدريبًا وتسويقًا ونقلًا فضائيًّا بأعلى التقنيات، وأبرز رموزها طارق الأدور وعلي محمد علي وحفيظ دراج وعصام الشوالي ورؤوف خليف.

مزالق التعليق العاطفي

من مزالق التعليق العاطفي وفخاخه الخطيرة، إبراز الهوى الشخصي والخروج عن الحيادية والمعايير المهنية وإعطاء الأفضلية لنادٍ معين أو لاعب أو مجموعة لاعبين، وهذا ما لم ينجرف إليه ميمي الشربيني، فهو معروف كلاعب بانتمائه إلى اللون الأحمر، لكن لم يحدث أن اعترض جمهور الزمالك والأندية المنافسة على اختياره للتعليق على مبارياتهم أمام الأهلي. حصّنته النزاهة التي يتمتع بها من شبهة الانحياز، وأخرجته من هذه الدائرة التنافسية الضيّقة ليكون معلّق المصريين جميعًا، مثله مثل رائد التعليق الرياضي محمد لطيف (1909-1990)، الذي ارتدى قميص الزمالك كلاعب، ولم يؤثر ذلك على علاقته الطيبة مع جمهور الأهلي.

مزلق آخر قد تقود إليه العاطفية والمزاجية، هو الثرثرة اللاواعية والانسياق التعسفي وراء خاطرة أو فكرة بغير طائل أو في غير الوقت الذي يقتضيه الإسهاب، وقد أنقذ الذكاء الفطري الشربيني من هذا الخلل على نحو ملحوظ.

كان يحتشد للمباراة مسبقًا بمئات التعبيرات والملاحظات والتدوينات الشعرية والطريفة والمعلومات الأساسية في "كراسة" يحملها معه كدليل إرشادي، لكنه لم يكن يستدعي منها أثناء اللقاء إلا ما يحتاجه فقط، في اللحظة المناسبة، بحسب التصاعد الفني والدرامي للأحداث، ما جعله ضيفًا خفيفًا لا يلفظه المشاهدون.

هدف مارادونا بيده في مرمي انجلترا في كأس العالم ٨٦ بتعليق ميمي الشربيني مين الحكم ؟ شكرا للاستاذ ايمن عصام علي الفيديو المميز

Posted by ‎تاريخ الكرة في مصر‎ on Saturday, May 19, 2018

العاشق المغامر

أفرط ميمي في تغزّله في الكرة حتى بلغ مداه الأعظم، فَعِشْقُه لها لم يسكنْ على هذا النحو صَدْرَ أي لاعب أو معلق آخر، ولم يقتصر الأمر لديه على ابتداع غزلياته البيانية التي صار يصف بها معشوقته في مباراة تلو الأخرى. وليست له زيجة معروفة رغم أنه منذ دراسته الجامعية في كلية التجارة، أحبّ أكثر من مرة، إلى درجة وصفه بالدنجوان و"الحبّيب".

كرة القدم هي البيت الكبير، وهي وزارة مكتملة الأركان في تصور الشربيني الذي لم يهتم طوال عمره بالسياسة ولم يشارك في مظاهرات ولا ثورات. لم يعرف الوحدة أبدًا وهو بجانب الكرة وبرفقة أصدقائه، وتغلب على روتين الحياة بالأسفار الكثيرة والمغامرات والتلقائية في عيش الحياة بغير ترتيبات ولا تعقيدات.

وشاءت الأقدار أن تكون هذه البراءة والفوضوية من أسباب نجوميته، فحين اعتذر المعلق علي زيوار في آخر لحظة عن عدم الذهاب إلى المكسيك للتعليق على كأس العالم عام 1986، عُرض الأمر على الشربيني كبديل له، فوافق من غير تفكير قائلًا "الشنطة على السلم!"، وفي هذه البطولة علّق الرحالة المغامر على الهدف الأشهر في التاريخ، هدف مارادونا الثاني في مرمى إنجلترا، لتنقله عبارة "مارادونا يا جماعة" إلى مدار آخر في فضاء التعليق المصري والعربي.

انسجمت عبارات الشربيني مع حياته اللانسقية تحت مظلة العزوبية، وأطواره وهيئته وملابسه وطريقة تصفيفه شعره التي لا تخلو من غرابة وتمرد على السائد، وقادته الشطحات العفوية إلى تصرفات وأفعال كثيرة غير مدروسة، لم تكن بالمستوى الملائم لوزنه كنجم رياضي.

من أبرز هذه الهفوات مشاركاته السينمائية القليلة على غرار اللاعبين والمعلقين الذين سبقوه في هذا الأمر، ومنهم عادل هيكل، وصالح سليم، وعصام بهيج، وإكرامي، ومحمد لطيف. ولم يستطع الشربيني مجاراة المُضحكين أو أن يكون أحد الظرفاء المساندين في فيلم "السيد أبو العربي وصل" لهاني رمزي ومنة شلبي رغم تعليقه على المباراة الكوميدية بين الأهلي والمصري البورسعيدي، وسخريته اللاذعة من طاقم الحكّام.

الشربيني حالة استثنائية، ليس في الوسط الرياضي وحده كلاعب متميز ومعلق فذ، وإنما في المجتمع كله، كشخصية يمكن أن تصنّف باعتبارها "من ظرفاء العصر"، وعنوانًا للنوستالجيا، التي تعيدهم على أجنحة الاشتياق إلى مباريات أسطورية وذكريات حميمية وأيام لا تُنسى.