- تصميم: أحمد بلال- المنصة

مُعضلة التريليون ونصف جنيه: مصر بين شروط الصندوق ومخاطر المديونية

منشور الثلاثاء 2 أغسطس 2022 - آخر تحديث الثلاثاء 2 أغسطس 2022

"مبنقولش إن فيه خلاف، لكن بيبقى فيه اختلاف في وجهات النظر"، هكذا عبَّرت جيهان صالح، مستشارة رئيس الوزراء، عن المفاوضات الدائرة بين مصر وصندوق النقد الدولي حول السياسات الإصلاحية المرتبطة باتفاق قرض جديد.

تكمن أهمية الاتفاق الذي يجري التفاوض بشأنه منذ مارس/ آذار الماضي أنه يعزز الثقة في الوضع المالي بمصر، الأمر الذي ييسر من القدرة على الوصول لقروض جديدة تخفف من حدة الأزمة التي أنتجتها الحرب الروسية الأوكرانية وسياسة الفائدة في الولايات المتحدة.

لكن ما يدور حول طبيعة السياسات التقشفية التي يطلبها الصندوق من أجل منحنا "شهادة الثقة"، وما أنتجته من "اختلاف في وجهات النظر" مع الدولة المصرية، تجعل الوصول لهذا الاتفاق، أمر محفوف بالمخاطر.

في هذا التقرير نستعرض كيف يبدو الوضع المالي لمصر في العام المالي الجديد، الذي بدأ في يوليو/ تموز، وطبيعة المصاعب التي تعوق قدرة البلاد على الوصول للتمويل الخارجي، وإلى أي مدى يمثل اتفاق الصندوق ضرورة لمواجهة الضغوط المالية الراهنة رغم شروطه التقشفية التي تقلق الدولة من آثارها الاجتماعية على المواطنين.

الوضع المالي الراهن

بحسب بيانات الموازنة الجديدة، عن العام المالي الذي بدأ في يوليو، فإن مصر مطالبة بسداد نحو تريليون جنيه (965.4 مليار جنيه)، تتعلق بأقساط قروض محلية وأجنبية يستحق موعد سدادها هذا العام، بالإضافة إلى نصف تريليون آخر (558 مليار)، يمثل المبلغ الذي نحتاج أن ننفقه على التعليم والصحة والدعم وغيرها من نفقات الموازنة العامة ولا نجد موارد كافية لتغطيته، وهو ما يعرف بعجز الموازنة.

ولتدبير هذا التريليون ونصف سنلجأ للبحث عن قروض محلية ودولية بهذه القيمة، وهي مهمة أصعب من مهمة العام المالي السابق الذي لم نحتج فيه لاقتراض أكثر من تريليون واحد فقط (1068 مليار جنيه).

مهمة تدبير الموارد لسداد ديوننا السابقة، يقف أمامها تحديات الأجواء العالمية الراهنة، فمن جهة تساهم سياسات الولايات المتحدة في الرفع التدريجي لسعر الفائدة في تقليل شهية مستثمري الديون تجاه عروض بلاد نامية مثل مصر ببيع سندات أو أذون خزانة، إذ أن الفائدة الأمريكية تسحب الأنظار تجاهها بشكل قوي.

من جهة أخرى، استمرار الحرب الروسية الأوكرانية لفترة طويلة يزيد من التضخم العالمي في أسعار السلع، ما يساهم في رفع تكاليف الاستيراد في مصر، ومن ثم تزيد مخاطر تخفيض سعر الجنيه، الأمر الذي يدفع الكثير من المستثمرين الأجانب للتردد قبل الاتجاه لشراء أذون خزانة مقوّمة بعملتنا المحلية.

ساهمت هذه الأسباب مجتمعة في خروج رؤوس أموال بنحو 20 مليار دولار من مصر، كما قال رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، في تصريح منتصف مايو/ أيار الماضي.

"رياح الظروف العالمية الحالية تأتي بما لا تشتهي سفن الأسواق الناشئة عمومًا ومنها مصر فيما يخص تأثير الأحداث على الضغط على المالية العامة وميزان المدفوعات بشكل عام"، كما تقول إسراء أحمد، محللة الاقتصاد الكلي بشركة الأهلي فاروس لتداول الأوراق المالية.

ما تنتجه البيئة الدولية من مصاعب

في تقرير مطلع يوليو الجاري، تحدث بنك بي إن بي باريبا عن طبيعة المصاعب التي تواجهها مصر في الوقت الراهن بسبب الظروف الدولية، إذ اعتبر أن قدراتنا على التوسع في سوق السندات الدولية، يورو بوندز، "مقيدة" كما نعاني من مشكلة ارتفاع العائد الذي يطلبه المستثمرون على أذون الخزانة المقومة بالعملة المحلية، ما يدفع وزارة المالية لإلغاء عطاءات للأذون بشكل متكرر.

وشهدت أسعار العائد  على أذون الخزانة قفزة كبيرة خلال يوليو الماضي، مدفوعة بزيادة البنك المركزي لأسعار الفائدة في شهر مايو الماضي بنسبة 2% قبل أن يبقى عليها في يونيو/ حزيران لتصبح 11.25 للإيداع و12.25% للإقراض.

المصدر: بيانات البنك المركزي


ويأتي ارتفاع العائد على الأذون مع تراجع استثمارات الأجانب بشكل قوي في هذا النوع من الديون.

تتراجع استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية نتيجة ارتفاع المخاطر المرتبطة بالأسواق الناشئة وقت الأزمات والمخاوف من تراجع العملة المحلية، ولا يتوقع وائل زيادة، الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار زيلا كابيتال، عودة هذا النوع من الاستثمار الأجنبي خلال الفترة المقبلة لمصر.

"الأجانب لن يعودوا لسببين" يقول زيادة، "أولا لأن سندات اليوروبوند المصرية بالدولار -التي لا تعاني مخاطر كبيرة مقارنة بالأذون بالعملة المحلية - وصل سعر العائد عليها إلى مستوى مرتفع وهو 16%، أما  السبب الآخر هو أنه عادة ما تزيد استثمارات الأجانب في أذون الخزانة في أوقات (استقرار) العملة بعد انخفاضها"، ورغم تخفيض الجنيه في مارس الماضي يبدو أن صندوق النقد سيطلب خفضًا أكبر.

المصدر: بيانات البنك المركزي


كان آخر طرح مصري للسندات الدولية في مارس الماضي، وبينما تخطط وزارة المالية للاعتماد على هذه السندات لتدبير نحو 91.5 مليار جنيه خلال العام المالي الجاري، فإن المستويات المرتفعة لأسعار الفائدة العالمية تبدو تحديًا قويًا أمام قدرة الدولة على تنفيذ هذه المخططات.

"ربما بعد اتفاق الصندوق، إذا تراجعت أسعار الفائدة على السندات المصرية بفضل تطمينات الاتفاق، نرى مزيدًا من الطروحات المصرية"، يقول زيادة.

تكلفة الديون الصعبة

أمام هذه التحديات، وضعت جهات دولية تصنيفات تشير إلى ارتفاع مستويات المخاطر المالية في مصر في الوقت الراهن، وهو ما يزيد من صعوبة الوصول للتمويلات الدولية.

واحدة من أبرز هذه التصنيفات قدمته وكالة بلومبرج عن البلدان ذات أعلى معدل لاحتمالات التعثر في 2022، واعتمدت الوكالة على عدد من المؤشرات الفرعية لمخاطر الديون، كان السيئ فيها بالنسبة لمصر ما يتعلق بنسبة نفقات الفائدة للناتج المحلي الإجمالي، وهو 8.2%، الأعلى على مستوى البلدان التي رصدتها الوكالة.

جانب من تكلفة الفوائد يرجع إلى توقعات ارتفاع الفائدة على السندات الدولارية المصرية، بدفع من زيادة الفائدة في أمريكا، حيث توقع تقرير لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان المصري أن تزيد تكاليف هذه الفوائد خلال العام الجاري بـ 78% عن العام المالي السابق.

مقارنة بين 2022-2023 و 2020-2021 - المصدر: بيانات لجنة الخطة والموازنة


مصر مضطرة لبيع السندات الدولارية بالكمية المتوقعة حتى في ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، لأننا كما أوضحنا علينا التزامات أقساط ديون ماضية. بتعبير آخر نحن مضطرون للاستدانة من جديد لسداد الديون القديمة، لكن لسوء الحظ ستكون الديون الجديدة بسعر أعلى بسبب البيئة الدولية، كما يوضح مدحت حسانين، رئيس ميريس للتصنيف الائتماني " في ظل ارتفاع أسعار الفائدة هذا العام  مصر مضطرة للاستجابة للأسعار العالمية حتى أنها في وقت ما تضطر لـ إحلال الدين بدين جديد (..) عندما تحدث أزمة كتلك الحاصلة عالميا الآن أنا مضطر قبول الواقع".

لكن تظل السندات الدولارية وسيلة أفضل للتمويل من أذون الخزانة المحلية، لأن السندات دين طويل الأجل، أي يحتاج المستثمر الأجنبي لعدة سنوات حتى يستطيع التخارج منها، بينما الأذون ديون أجلها بضعة أشهر يستطيع المستثمر الخروج منها في وقت قصير والعودة للمطالبة بسعر فائدة أعلى.

لذا ورغم ارتفاع أسعار الفائدة على السندات الدولية، أكد وزير المالية قبل أسابيع أن الدولة ستستهدف الديون طويلة الأجل، وأنها تعلَّمت درسًا قاسيًا بعدم العودة للاعتماد على الأموال الساخنة، وترجمت وزارة المالية ذلك في خطتها لإطالة  متوسط عمر الدين المصري إلى 3.6 سنة في 2023 مقابل 3.5 سنة بنهاية في 2022.

إجراءات تقشفية

في هذا السياق المضطرب، يرى خبراء أن قرض الصندوق لن تكون قيمته في حجم الأموال المتوقع الاتفاق عليها في هذا القرض، والمرجح أن تكون 10 مليارات دولار، ولكن فيما يمثله من شهادة ثقة تقلل من نظرة العالم لمخاطر الوضع المالي بمصر، ومن ثم من سعر الفائدة على ديوننا أو احتمالات الغاء مزايدات بيع هذه الديون بسبب عدم إقبال المستثمرين.

لكن المشكلة تكمن في طلب الصندوق إجراءات تقشفية قد يكون لها آثار اجتماعية غير محتملة، كما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي في تصريحات أخيرة دون أن يشير لطبيعة هذه المطالب.

ويرجح حسانين أن ما كان يقصده الرئيس في تصريحاته بالشروط القاسية للصندوق تلك التي تتعلق ببند الدعم في الموزانة العامة للدولة،  مضيفًا  "يبدو أن الرئيس ليس راضيًا عن هذه الشروط".

لكن علي متولي، وهو محلل اقتصادي لاقتصاديات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشركة استشارات مقرها لندن، يرى ان الوضع ليس قاتمًا طالما لم تواجه مصر حتى الآن أزمة تخلف عن السداد في موعد استحقاق لالتزام عليها.

"يمكن القول إن الوضع خطر في حال عدم توافر احتياطي كافي لسداد التزاماتها الدولارية خلال العام، وهذا غير واقع حاليا، كما أن الخليج يدعم الاقتصاد المصري بشكل كبير".

ويؤيد مدحت حسانين الرأي الأخير، حيث يرى أن ديون الخليج تعد "أشباه ديون" لأن الدول تراعي الظروف الاقتصادية لمصر وسبق أن ساهمت في عبور أزمات اقتصادية خاصة في ظل الشراكات العربية التي يعلن عنها مؤخرًا.

وعادة ما تقوم البلدان الخليجية بتجديد أجل ودائعها لدى المركزي المصري كنوع من الدعم لمصر، وتم الإعلان أيضا عن عدد من الصفقات الخليجية للاستحواذ على أصول مصرية، كوسيلة لضمان تدفقات دولارية جديدة للبلاد.

كذلك تقول إسراء إن السندات الدولية يمكننا تقليل الاعتماد عليها والاتجاه لبدائل تمويلية أقل تكلفة "لو كان ارتفاع مخاطر السندات المصرية سيزيد من تكلفة الإصدارات الجديدة بشكل باهظ التكلفة على الموازنة المصرية، أعتقد الأفضل أن يتجهوا لتمويلات يمكن معها التفاوض نسبيًا على تكلفة وآجال الديون، وهي الديون الثنائية أو متعددة الأطراف".

والديون متعددة الأطراف هي تلك التي تقدمها مؤسسات تمويل دولية ذات طابع تنموي مثل البنك الدولي أو بنك التنمية الأفريقي وغيرهم.

لكن في ظل أجواء عالمية ملبدة بالغيوم، يظل "صندوق النقد هو البديل الوحيد إلى جانب مساعدات دول الخليج التي لا يمكن أن تكون كافية وحدها" من وجهة نظر زيادة.

وأشار زيادة إلى أن منفعة الصندوق لا تقف فقط عند كونه مقرض، لكن "الصندوق له ميزة بانخفاض الفائدة والمعونات الفنية" مضيفًا أن الطلبات التي يركز عليها في التفاوض مع الحكومة لا تتعلق فقط ببند الدعم لكنه يركز على ميزان المدفوعات والإصلاحات المالية، وبشكل خاص مرونة أكثر في سعر العملة وإعادة هيكلة الإنفاق لتوجّه إلى أصول منتجة.