تصميم: أحمد بلال - المنصة

رجاء حسين: فتنة المرأة البلدية

منشور الخميس 11 أغسطس 2022 - آخر تحديث الخميس 11 أغسطس 2022

في عودة الابن الضال ليوسف شاهين (1976) هناك مشهد مشاجرة رائع الكتابة والتنفيذ، بين أسرة العامل حسونة الذي يصاب تحت إحدى ماكينات المصنع المتهالكة، وصاحب المصنع طلبة المدبولي، وفيه تُظهِر لواحظ، التي أدتها الراحلة رجاء حسين، شراسةً يعرفها من عاش في الأحياء الشعبية، لكن ما يصيب طلبة بالذهول المؤقت، ليس قوتها، وإنما أنوثتها المتفجرة. وكرجل متيم بمشاهدة الأفلام الأمريكية التي تلعب فيها النساء أدوار الأكشن، يقارن المدبولي بين لواحظ وفتاة الكاوبوي، التي لا يمل من مشاهدة فيلمها في دار العرض الصغيرة الموجودة بالقرية.

بعد موت شفاعات (تحية كاريوكا) بنت البلد المغرية تحت أقدام البغل في نهاية فيلم شباب امرأة لصلاح أبو سيف (1956)، واصلت السينما المصرية تنميط وتحقير ذلك النموذج، لصالح الشابة المتعلمة النحيفة ذات الملامح والقوام الغربيين، أما ابنة البلد فهُمِّشت في أدوار ثانوية باهتة، وصار دورها مرتبطًا بالنساء البدينات القبيحات، أو الغاويات الشريرات للبطل المتعلم.

ومع انفجار الفن "الشعبي" الذي حدث في منتصف السبعينات ضد ذوق وأنماط الطبقة الوسطى الناصرية، عادت النساء الشعبيات لاحتلال شاشات السينما، خاصة من خلال أفلام نادية الجندي، ولكن بطريقة مضخمة مغرقة في التخييلات السادو- ماسوشية، تعكس في معظمها تلك النظرة المذهولة في عيون طلبة المدبولي التي تجمع بين الخوف والرغبة.

بعد تحية كاريوكا، في عدد من أفلامها الأولى، أتصور أن رجاء حسين هي أفضل من قدمت أدوار المرأة المصرية البلدية، التي تجمع بين الرقة وقوة الشخصية، الدلال والشراسة، والأخطر: جرأتها في إعلان أنوثتها ورغبتها والتعامل بندية ودون أقنعة مع الرجل.

ما رآه يوسف شاهين

مشهد من فيلم العصفور

 كان ليوسف شاهين فضل اكتشاف تلك الشخصية المتميزة داخل رجاء حسين، قدمها لأول مرة في العصفور (1972) من خلال شخصية زبيدة، الصعيدية، ثم في عودة الابن الضال، وقبل أن تأخذ مساحة أكبر في حدوتة مصرية (1982)، الذي يظهر فيه مرة أخرى افتتان شاهين بالنساء البلديات متوسطات العمر، حيث تلعب دور امرأة شعبية، عاملة بوفيه باستديو تصوير تتبادل الحب مع أحد صناع الأفلام المثقفين (محمد منير).

لم تسند لرجاء حسين، رغم موهبتها الكبيرة، أدوار البطولة ولا أدوار العاشقة، التي كانت حكرًا على نموذج نسائي نمطي، ولكن أداءها لشخصية نعيمة، حبيبة إبراهيم الطاير (عادل إمام)، في مسلسل أحلام الفتى الطائر (محمد فاضل، 1978)، هو أحد الأدوار المميزة في مسيرتها، ومسيرة شخصية المرأة البلدية عمومًا. مقارنة بشادية في اللص والكلاب أو نورا في العار أو هالة صدقي في الهروب، فإن نعيمة، حبيبة اللص الهارب، أكثر واقعية وحميمية بما لا يقارن.

على الشاشة، مثلما كانت في حياتها الشخصية، تملك رجاء حسين شخصية صلبة الإرادة، متحدية، يصعب كسرها، مهما كانت طبيعة الدور الذي تؤديه. في أريد حلًا (سعيد مرزوق، 1975) تلعب رجاء حسين شخصية سنية، المرأة الشعبية الفقيرة التي تتعرض لظلم طليقها والقانون الذي يحميه، ولكن بدلًا من الاستسلام، تقاوم بطريقتها وتتحول إلى عاهرة لتستطيع إعالة أطفالها والثبات في مواجهة مجتمع قاهر للنساء.

مقاومة غير مجدية

فاتن حمامة، التي لعبت شخصية ابنة الطبقة الوسطى المتعلمة التي تنهار تحت وطأة الظلم، رأت في رجاء حسين الممثلة صلابة واقعية لا تملكها الشخصيات الرئيسية التي تؤديها فاتن عادة. ومن الحكايات المتداولة أنها أصرت على أن تؤدي رجاء حسين شخصية جمالات في فيلمها التالي أفواه وأرانب (هنري بركات، 1977).

وبينما تؤدي فاتن دور نعمة، السندريلا التي تنتظر الأمير، مخدومها محمود ياسين، ليأتي لإنقاذها والزواج بها، تؤدي رجاء حسين شخصية الأخت المكافحة، زوجة السكير الذي بلاها بعدد لا يحصى من الأطفال، ولكنها أيضا غير ضعيفة أو مستسلمة.

مرة ثانية يمكن مقارنة رجاء حسين بتحية كاريوكا التي تظهر قوة شخصيتها الطبيعية وأنوثتها البلدية، في أي دور تؤديه. تحية كاريوكا أيضًا ظلمت على الشاشة بسبب تلك القوة، فلم يعهد لها بأدوار بطولة إلا نادرًا، رغم جمالها الذي يفوق جمال نجمات عصرها.

مشهد من فيلم عودة الابن الضال

عانت رجاء حسين طويلًا من تنميطها داخل الأدوار الثانوية الباهتة، وكما تروي سيرتها حاولت المقاومة والتمرد كثيرًا على ذلك الوضع، أحيانًا بالامتناع عن العمل لسنوات طويلة، ولكن في كل مرة كانت تعود من أجل "أكل العيش" أو حتى لا ينزوي اسمها تمامًا.

ومما يؤسف له أنها اختلفت حتى مع يوسف شاهين، أفضل من قدمها على الشاشة، وانقطعت عن الظهور في أفلامه بعد اسكندرية كمان وكمان، لعدم رضاها عن الأدوار التي تسند لها.

ولكن سواء قاوم الممثل محاولات تنميطه وتقزيمه أم لم يقاوم، فصناعة السينما قاسية ولا ترحم، والممثل، رغم ما يبدي من قوته الظاهرية، هو في الأول والآخر، رهن رغبات الصناعة والجمهور.

الجمال البلدي

لم تملك رجاء حسين، رغم موهبتها الطاغية، جمالًا من النوع الذي تفضله السينما المصرية. في واحدة من الصور الفوتوغرافية من فيلم التلميذة تجمعها بشادية، تبدو رجاء حسين جميلة جدًا، تملك وجهًا محدد الملامح مليئًا بالتعبير.

وفي صورة شخصية أخرى تعود إلى الستينيات، ترتدي فيها فستانًا قصيرًا ونظارة شمسية وتقص شعرها ألا جارسون، تبدو كما لو كانت نجمة فرنسية من نجمات أفلام الموجة الجديدة، أو فتاة مصرية مثقفة من جيل الستينيات الذي لم يقدم على الشاشة بشكل واقعي إلا فيما ندر.

ربما لو ظهرت رجاء في بلد آخر أو زمن آخر، لأصبح لها شأن مختلف كممثلة. ولنا أن نتخيل ما الذي كان يمكن أن تحققه السينما المصرية لو قدّم صنّاعها النساء المصريات بشكل أكثر واقعية، بجمالهن الهادئ، ولغتهن الشعبية، وجرأتهن، ومشاكلهن الحقيقية.

ربما ليس من قبيل الصدفة أن مخرجات شابات يحاولن تغيير الصور النمطية للنساء، حرصن في أعمالهن الأخيرة أن يستعن برجاء حسين في أدوار المرأة العجوز القوية، كما في فيلم نوارة لهالة خليل (2015)، ويوم للستات (2016) ومسلسل واحة الغروب (2017) لكاملة أبو ذكري.

تكريم رجاء حسين في المهرجان القومي للسينما


على الأقل، بأدوارها القليلة التي جسدت فيها المرأة البلدية، وضعت رجاء حسين شخصيتها وبصمتها المميزة، وتركت أثرًا لا يمحى على أجيال من مشاهدي تلك الأدوار. ولعل التكريمات التي حظيت بها خلال السنوات الأخيرة من حياتها، ومنها تكريم المهرجان القومي للمسرح، 2016، و تكريم المهرجان القومي للسينما في دورته الأخيرة، 2022، وتكريمها رسميًا في احتفالية المرأة المصرية أيقونة النجاح، من قبل قرينة رئيس الجمهورية، إنما يبين بعض مظاهر التأثير الذي صنعته رجاء حسين.