يوسف شاهين في بيت مسلم سلفي
أعتقد أنه يوجد طريقان لتصنيف أعمال يوسف شاهين، أولهما طريق سهل وبسيط يتجسد في فيلم الناصر صلاح الدين (1963): بطل يحبه الشعب، يحقق انتصارات تسعده. ملحمة تمتد لثلاث ساعات تجمع عشرات النجوم. والطريق الثاني، وباستثناء أفلامه التي تناول فيها قصة حياته، هو فيلم عودة الابن الضال، هذا الطريق الصعب الحزين المأساوي الباعث على التفكير والتأمل والشعور والانحياز والبكاء.
في طفولتي، أشار لي أبي إلى كلا الطريقين، فكان، وما زال، يحفظ حوار "الناصر صلاح الدين" عن ظهر قلب ويسبق الممثلين في إلقائه، وكان وما زال يتحمس ويطرب كلما شاهد أو سمع تفيدة/ماجدة الرومي في "عودة الابن الضال" تغني "آدي اللي كان وآدي القدر وآدي المصير"، و"أرجع وأقول: لسه الطيور بتفن، والنحلايات بتطن، والطفل ضحكه يرن، مع إن مش كل البشر فرحانين".
العصفور وكنوز الشيخ إمام
أسرني الطريق الثاني أكثر، سألت أبي وأنا طفلة "يعني إيه السحاب الغميق؟"، وحدثني هو عن "انفتاح" و"صراع عربي إسرائيلي" ولم أفهم وقتها، ولكني أحببت طريقته في الشرح والحكي. من خلال فيلم العصفور (1974) تعرفت على كنوز الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، وشاهدت خطاب تنحي عبد الناصر لأول مرة، وبكيت.
لمعت عيناي وكأني اكتشفت كنزًا عظيمًا، تخيلت أني وحدي مكتشفته، وكنت تقريبًا في المرحلة الثانوية، أشاهد أغنية جميلة على التليفزيون تقول كلماتها "مصر يامَّه يا بهية يا أم طرحة وجلابية، الزمن شاب وإنتي شابة هو رايح وأنتِ جاية".
تناول "العصفور" عصر عبد الناصر بنقدٍ واضح، وعرفت أن أبي لا يحبه، بدا لي أن ذلك "لأسباب دينية"، ولكن عرفت أيضًا أن جدي الذي توفي قبل أن يتخرج أبي من المدرسة، كان يحبه ويرفض تنحيه، وشارك الجموع في جنازته.
دخل التليفزيون بيتنا متأخرًا، لأنه في التسعينيات ونتيجة السيطرة الإسلامية على المجال العام وقتها كان أبي يعتبره "حرامًا"، لكنه كان متاحًا في بيوت الجدات، والأفلام مسجلة على شرائط فيديو في نفس البيوت، التي تمسَّكت طويلًا بطابعها القديم، تدين المصريين غير المعقد، غير المتعارض مع الفنون، فمثلًا تحجبت أمي قبل جدتي بسنوات، وحتى حين ارتدت الجدات الحجاب، لم تتغير أفكارهن ومواقفهن.
يبدو أن جيل والدي جاء بين جيلي ثورة، ما بين يوليو 1952 ويناير 2011، جيل تسلل إلى وجدانه من كفّروا الأولى وحاولوا السطو على الثانية، واستطاعوا تغييره من حب الفن لتحريمه، من حب "شاهين" لتكفيره، من الانجذاب لسحر السينما إلى الانجذاب لزهو فكرة سيادة العالم، وتبديل الخلفية الصوتية لحياته من رقة صوت ماجدة الرومي إلى غلاظة أصوات شيوخ شرائط الكاسيت.
ظل الفن خيطًا رفيعًا وساحرًا يجمعني بأبي رغم كل الاختلافات، نستمع لماجدة الرومي وأم كلثوم، وظللت ممتنة لأبي الذي أشار لي على طريق يوسف شاهين وإن سار بأفكاره على طريق بن لادن.
الشارع لمين؟
كنا نشارك في وقفة احتجاجية، أنا وزملاء غالبيتهم من سني، على مشارف التخرج من الجامعة أو متخرجين "طازة"، على سلالم نقابة الصحفيين في شهر يونيو/حزيران أو يوليو/تموز من العام 2008، لا أتذكر تحديدًا السبب، ولم تتذكر صديقتان لي التفاصيل، ولكن بالبحث كنا إما متضامنين مع عمال المحلة، أو الشباب المعتقل في أعقاب إضراب 6 أبريل، أو اعتراضًا على تصدير الحكومة المصرية الغاز لإسرائيل.
كنا نتبادل الحديث عن يوسف شاهين، على بُعد خطوات من مكتبه بشارع شامبليون، لكنه لم يكن موجودًا فيه، بل في مستشفى؛ إما في بباريس لو كنا في يونيو/حزيران، أو في المعادي لو كنا في يوليو/تموز. تحدثنا عنه، وعن حبنا له، وحزننا بسبب مرضه، ودعونا له كثيرًا بالشفاء.
كان حاضرًا في احتجاجنا وهو في مرض موته، ولم يغب عن ثورتنا بعد سنوات قليلة، كنت أبحث في ميدان التحرير عنه، أتخيله سعيدًا متفائلًا غير مصدق أن أحلامه بالثورة تتحقق.
أبحث عن كاميرته توثق أهم أحداث جيلنا، كما كان حريصًا على توثيق أحداث كثيرة منها اعتصام الفنانين عام 1987 ضد تعديلات قانون النقابات الفنية، واستخدامه في فيلم إسكندرية كمان وكمان (1989). كنا سنحتفل معه بعيد ميلاده، الموافق 25 يناير، ويحتفل معنا بكسر الصمت والانفلات من القيد، وانتصار الحرية، قيمته الكبيرة، التي انتصر لها في أفلامه، وفي حياته.
"أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه، أنا حر في اللي يقول ضميري عليه، وإن كنت تحكم جوة ملكوتك، الشارع الواسع فاتح لي إيديه"، كما جاء في خطبة علي المدبولي/أحمد محرز أمام أخيه الأكبر طُلبة/شكري سرحان من "الشارع لنا". أيام الثورة، كان "الشارع لنا". أيام الثورة كان "الشارع لنا"، وهذا الشعار استخدمناه عنوانًا لفعاليات ثورية في السنوات التالية لـ 2011، بالمعنى الذي كتبه صلاح جاهين. وبمعنى "كل المطارح ملكنا، نرقص مكان ما نحب، ونرقص الأحلام في حضن القلب" الذي كتبه سامح القدوسي في فيلم المصير (1997)، انطلق هتافنا "دي بلدنا.. دي بلدنا" يلف شارع رمسيس في مساء يوم 28 يناير/جمعة الغضب ويسكن صداه في القلوب.
أحلام وردية وثورة مسروقة
"مندرة كفاية" هي منتدى على الإنترنت، تابع للحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" التي تأسست عام 2004، جمعت عددًا من المهتمين بالشأن العام المعارضين لنظام مبارك، ومخطط التوريث.
فيها كوَّنت دائرة الأصدقاء الثوريين الأولى، وفيها أستاذنا من الجيل الأكبر سيد جابر الذي أطلق عليّ اسم "تفيدة" من عودة الابن الضال. الفتاة المقبلة على الحياة التي تترك خلف ظهرها هي وإبراهيم المدبولي/هشام سليم، جحيم الماضي والهزيمة واليأس، متطلعة لشروق شمس يوم وأمل وحلم جديد.
هكذا بدأنا الحلم وألقينا بقلوبنا وأجسادنا في التجربة، مفعمين بروح "تفيدة" و"إبراهيم" لا نلتفت للوراء، نواجه بقوة، لا نتردد، نهتف، ونغني، ونتمسك بالأمل، وبذلك كله خضنا ثورة 25 يناير، ورحلة اكتشاف الذات والمعنى والمستقبل.
لكن الأحداث والحوادث المتعاقبة، المضغوطة كمًا وكيفًا، والضاغطة على صمودنا، في سنوات ما بعد الثورة، ومطاردة أفكارها وشبابها، والملاحقة وتصفية الحسابات والسجن والدماء، جعلتنا نلهث ركضًا نحو الحلم، وهرباً من وحوش نهشت الثورة نفسها، بالإدانة أو بالسرقة، لنتحول دون أن ندري إلى شبح علي المدبولي الذي أنهكته الرحلة دون أن يصل، وعاد مهزومًا إلى نفس المكان والشخوص الذين تمرد عليهم.
نحمل جزءًا مكسورًا بداخلنا لا نعرف على وجه التحديد ما هو، ولكننا نشعر به ونعيش ألمه، فأردد جملة "كل واحد مننا أعرج بطريقته"، من فيلم حدوتة مصرية.
في مواجهة النظام والظلام
تعرض شاهين لـ اتهامات من نوعية تشويه صورة مصر، والإساءة لسمعة البلد، والاعتداء على المقدسات الدينية. كان مُعارضًا، ناقدًا لجميع الأنظمة، باختلاف حدة النقد، بما فيها عصر عبد الناصر الذي يعد شاهين ابن حلمه وحالته وتجربته، لكنه لم يَسلَم من الهجوم كما في فيلم العصفور. لم يَستثن من نقده حتى أقرب التجارب إلى قلبه، وهو ما يحاول المشاركون في ثورة 25 يناير فعله بعد السنوات، ومع مرور الوقت سيزداد، وإن كانت ثورتهم لم تكتمل وتصنع تجربتها.
في إسكندرية كمان وكمان عرض شاهين اعتصام الفنانين وإضرابهم عن الطعام، الذي شارك فيه، وفي أوبريت "اهتفوا باسم الإله" نرى مجاميع بملابس وأدوات الأمن المركزي، مشيرًا إلى القبضة الأمنية في ذلك الوقت.
كان متنبئًا بثورة، مُحرضًا على ثورة، ففي فيلم المهاجر (1994) قامت الثورة بالفعل في مصر القديمة، ودار حوار جرى استدعاؤه في الوقت الحالي ونشره على السوشيال ميديا عن "بناء مدينة آتون الجديدة والناس مش لاقية تاكل".
واستخدم الثوار عنوان فيلمه الأخير هي فوضى (2007) في جرافيتي الشوارع، وفي الاحتجاج على عدم محاسبة ضباط متهمين بتعذيب المواطن طلعت شبيب (2015) طبعوا على صندوق كهرباء في الأقصر "هي فوضى.. مفيش حاتم بيتحاكم" مع صورة شرطي يشهر سلاحه.
روح أفلام شاهين حضرت بعفوية وصدق في مشهد حقيقي، وكأنه في التفاصيل الساحرة سينما، لمحتجين محاصرين من ضباط وعساكر أمن مركزي يغني الشاب "علي صوتك بالغنا" و"يا ناس يا مكبوتة هي دي الحدوتة.. حدوتة مصرية". يتفاعل معه العساكر بابتسامات ووجوه طيبة.
قوى الظلام التي طاردت ثورتنا، وحاولت السطو عليها، سبق أن طاردت شاهين في عام 1994 حين رفع محامي إسلامي أول دعوى قضائية لمنع عرض فيلم "المهاجر" بحجة أنه يتناول قصة النبي يوسف بتجاوز وبالمخالفة لموقف الأزهر بمنع تجسيد الأنبياء، وانتصر الفن في استئناف القضية أوائل 1995.
بعد خواء الوجدان المصري من الحلم الاشتراكي الناصري، ومن هدف تحرير الأرض، ومع إفساح نظام السادات المجال العام للتيارات الإسلامية ومن بعده مبارك، ومع جلب الثقافة الخليجية مع شنط سفر الكادحين العائدين من الغربة، ملأ الإسلاميون هذا الفراغ متسللين إلى العقول والكيانات السياسية، ونشطت الجماعات المسلحة.
واجههم شاهين في المصير، وفي الآخر، وواجهناهم، كشباب لثورة يناير، في الميدان، لأعيد قراءة فيلم الأرض (1970) وأجد الإخوان متمثلين في شخصية الشيخ حسونة/يحيى شاهين، الذي خان الفلاحين محاولًا النجاة بمفرده.
لم نخرج من المعركة سالمين، فالإسلاميون أخذوا منا أشخاصًا ومعانيَ، وثورةً في رواية البعض، كما أخذوا من شاهين من قبل محسن محي الدين وحنان ترك.
لا يخشى الموت
"عايزة أعيش بينكم بذاتي، ليّ شخصية وهوية، ليّ حرية حياتي، مش حكاية ألوهية" تغنيها الجميلة نادية/يسرا في نهاية فيلم إسكندرية كمان وكمان، وتعيش فتاة مراهقة حالمة تحب السينما ويوسف شاهين ويسرا والحرية في أحلام اليقظة متقمصة هذه الحالة، تسير ببطء وسط الجموع بعيون لامعة تردد الجملة وتتخيل كاميرا تراقبها من بعيد، هذه المخبولة هي أنا.
وهي نفسها من تُنادى بعد ذلك وقبل الثورة بـ"تفيدة"، وهي من تخرج من تجربتها بجرح يشبه جراح فاطمة وعلي المدبولي بطلي عودة الابن الضال.
وهي أيضًا الصحفية حنان/حنان ترك في فيلم الآخر تناكف و"تتلامض" وتجري في الشارع لتلحق بالأتوبيس، والغريب أن قدرها جمعها في مشوارها بالأستاذ حمدين صباحي الذي ظهر بشخصية رئيس التحرير في الفيلم. ثلاثية "تفيدة/ حنان/ فاطمة" قابلة للنسخ والتدوير في شخصها وشخوص أخرى قادمة من المستقبل تشق "السحاب الغميق".
يستخدم جو لفظة وَلَه الفصيحة في الإشارة إلى الحب الجنوني والافتتان الشديد بشيء ما، هذا الوله أصاب متابعيه وجمهوره وأنا واحدة منهم لدرجة أنني رغبت بشدة في أن أُخرج أفلامًا "زي أفلام يوسف شاهين"، لكني لم أمتلك الشجاعة الكافية لخوض معركة الدراسة في معهد السينما، مع أسرة سلفية، ولازمتني أمنية أن أقابله وأحاوره أو أمر فقط من أمام كاميرته، وهو ما لم يحدث أبدًا.
في حوار له، يجيب شاهين عن سؤال "ما هي القيم الأساسية بالنسبة لك؟" بقوله "هناك قيمة واحدة، لا أقول إني حققتها، ولكني أقولها، هي الصدق"، وفيه يؤكد أنه لا يهتم بالموت، وأن ما يخشاه فقط عدم القيام بما يجب وعدم امتلاك الشجاعة الكافية.
الحقيقة أن شاهين كان شجاعًا بما يكفي لمواجهة وكشف نفسه وأسرته ومجتمعه وحكامه، وصادقًا بما يكفي ليصل إلينا وتعيش شخصياته معنا وفينا وتظل حية تُكتشف من جديد مع تغير الأزمنة والظروف، وتوافقت آراؤه ومواقفه مع ما يعرضه على الشاشة منذ بداية مشواره وحتى وفاته. أما نحن فنحاول قياس مدى صدقنا وشجاعتنا مع كل ذكرى لثورة 25 يناير.