- تصميم: أحمد بلال - المنصة

"باب الخروج" من صندوق مبارك

منشور الاثنين 29 أغسطس 2022

رغم تحميل السلطة الحالية مسؤولية تدهور مؤسسات الدولة لنظام الرئيس الراحل حسني مبارك، فإنها تصر ليس فقط على استدعاء سياساته وتوجهاته وطريقة إدارته للبلاد فحسب، بل استخدام أركان حزبه الوطني "المنحل" والدفع بهم إلى مواقع تنفيذ السياسات المالية والاقتصادية للدولة.

لم يكن حسن السيد عبد الله، الذي عُيين قائمًا بأعمال محافظ البنك المركزي أول عضو ينتمي إلى أمانة سياسات الحزب الوطني ويتولى موقعًا قياديًا في مؤسسات السلطة الحالية، فسبقه إلى المناصب التنفيذية والتشريعية خلال السنوات الماضية، العشرات من القيادات والكوادر التي تصدرت المشهد في سنوات عمر نظام مبارك اﻷخيرة، وحاولت تسويق نفسها باعتبارها قادرةً على إنقاذ البلاد من عثراتها الاقتصادية، وتصدير أرقام ونسب مزيفة عن معدلات النمو.

والواقع أن تلك المجموعة التي كانت تمهد لمشروع "توريث" الحكم من مبارك الأب إلى ابنه جمال، قادت النظام إلى حتفه، وكما لم تفلح سياساتها في تحسين معيشة المواطنين وحل أزمات الوطن التي تراكمت على مدار 30 سنة، فشلت أيضًا في تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار السياسي نتيجة إصرارها على "التكويش" واحتكار المناصب والمؤسسات لصالح الدوائر التي تلفُّ في فلكها وتهميش مَن دونهم، ونبذ الجميع خارج معادلة الحكم، فاندلعت ثورة 25 يناير كنتيجة منطقية لذلك النهج الذي استعدى الكل وتكتلت مكونات العمل السياسي ضدهم وخرج الشارع خلف نخبته يدعو إلى "إسقاط النظام".

"الشعب المصري يتمتع بوعي غير مسبوق ولن يسمح بالعودة للخلف وأنا معهم"، هكذا أجاب الرئيس عبد الفتاح السيسي عن سؤال حول عودة رجال نظام مبارك من الأبواب الخلفية لإدارة الدولة المصرية.

وأضاف في حوار مع صحيفة الشرق الأوسط مطلع عام 2015 أن "الشعب المصري دفع فواتير التغيير في نظام مبارك ولن يسمح بعودته مرة أخرى ولا أنا".

وفي مايو/ أيار من العام نفسه أكد السيسي المعنى نفسه عندما أشار في كلمةٍ له خلال ندوة تثقيفية نظمتها القوات المسلحة إلى حجم الفساد والفقر الذي تسبب فيه نظام الرئيس الراحل "المشكلات التي حدثت خلال الـ 40 عامًا الماضية لا يمكن أن يتصور أحد التغلب عليها في سنة واحدة، ولن يتم القضاء عليها في 4 أعوام أو حتى 10، وسنحتاج إلى فترة طويلة".

وقبل تلك التصريحات بشهور أجرى السيسي لقاءات عدّة مع عدد من المثقفين والإعلاميين قال في واحد منها "كان لا بد أن يترك مبارك الحكم منذ 15 سنة.. هو كان عاوز يورث ابنه ليه.. البلد واقعة مافيهاش حاجة تتورث، لست محسوبًا على أحد، ولا أحد محسوب عليّ"، وأضاف في لقاء آخر مع المثقفين والكتاب "منه لله مبارك هو اللي خرب البلد" بحسب ما نقل عنه الروائي يوسف القعيد.

وأخيرًا وقبل شهور قليلة اتهم السيسي مباركَ ونظامه بأنهما السبب في تحول مرافق البلد إلى "كُهنة"، وقال في ذروة انفعاله وهو يفتتح مصنع كيما أسوان في ديسمبر/ كانون الأول الماضي محدثًا وزير النقل "من خوفهم على الكراسي خافوا يصارحوا الناس بكارثة تسعيرة خدمات الطرق والنقل.. لحد ما خلوا البلد كُهن.. طرق متهالكة وسكة حديد وقطارات متهالكة".

ورغم تلك التصريحات والتلميحات التي تُحمِّل نظام مبارك المسؤولية عن مضاعفة أزمات البلاد وتدهور أحوالها، تمضي السلطة الحالية في طريق لا يختلف كثيرًا عن الطريق الذي انتهجته سلطة الرئيس الراحل في السنوات الأخيرة من حكمه، فتعيد إنتاج سياسات وتوجهات، وشخوص المجلس الأعلى للسياسات الذي صنعه جمال مبارك داخل الحزب الوطني ليعينه على تمرير مشروع التوريث.

منذ عقود طويلة ونحن نعيد إنتاج السياسات نفسها وننتظر أن نصل إلى نتائج مغايرة. أما آن الأوان لنمضي في طريق آخر؟

لو دققت النظر في نخبة الحكم الحالية، لا أقصد بالطبع من يديرون المشهد من خلف الستار فهؤلاء علمهم عند الله، لكن أقصد هنا من يتصدرون المواقع التنفيذية والنيابية، ستجد أن أغلبهم، بدءًا من رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مرورًا بعدد من وزرائه والعشرات من رؤساء الهيئات والمؤسسات وصولًا إلى مئات النواب والقيادات الفاعلة في حزب السلطة الجديد "مستقبل وطن"، كانوا أعضاءً بالحزب الوطني "المنحل"، ومن منهم في مواقع مؤثرة فهؤلاء كانوا أعضاء بالمجلس الأعلى للسياسات.

ولو راجعت التوجهات الاقتصادية والسياسة أو حتى الأمنية فستكتشف أنها تقترب من السياسات التي انتهجتها دائرة جمال مبارك الضيقة خلال السنوات الأخيرة من حكم والده، التي دفعت الناس إلى الضجر ثم الغضب الشديد إلى أن وصلنا إلى نقطة الانفجار في مطلع 2011 فاندلعت الثورة وسقط النظام ودائرته الضيقة وبقي الجسد جاثمًا على الدولة، فلم تحقق الثورة أيًا من أهدافها.

منذ عقود طويلة ونحن نعيد إنتاج السياسات نفسها وننتظر أن نصل إلى نتائج مغايرة. أما آن الأوان لنمضي في طريق آخر؟

"الفساد السياسي، والغياب شبه الكامل للحريات العامة والأساسية، وصنع ديمقراطية ديكورية فقط لم يتفاعل معها الشعب المصري، فضلًا عن غياب العدالة الاجتماعية وبروز الفوارق الشاسعة بين الطبقات حتى صارت تقريبًا طبقتين فقط، وتخلي النظام السابق نهائيًا عن مسؤولياته السياسية والاجتماعية تجاه المواطنين، وانتشار الرشوة والمحسوبية حتى أصبحت لغة وثقافة متعارف عليها يوميًا فى حياة المصريين"، كانت تلك أبرز العوامل التي ضاعفت الغضب في نفوس المصريين وكانت بمثابة الوقود الذي أشعل الثورة على نظام مبارك، بحسب ما رصده تقرير لجنة تقصي الحقائق حول أحداث ثورة 25 يناير.

اللجنة التي تشكلت بعد الثورة بأسابيع في ظل حكم المجلس العسكري وترأسها المستشار عادل قورة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض، وشارك في عضويتها قضاة وأساتذة قانون، أكدت أن 25 يناير ثورة اجتماعية كاملة بمعنى الكلمة، "إذ شكلت حدثًا فاصلًا بين عهدين ونقلةً كبيرةً بين نظامين".

ولفت تقرير اللجنة إلى أن "القمع الأمني الذي استخدمه النظام في تمرير مشاريعه وإسكات الأفواه المعارضة له، والتضليل الإعلامي الذي مارسته أذرعه الإعلامية، وتفريغ الحقائق من مضمونها، دفعت الشباب للدعوة إلى التجمع والخروج للتعبير عن أمانيهم في التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية بشكل سلمي متحضر".

وأشارت إلى أن القراءة الخاطئة للرأي العام وعدم الاستجابة له في الوقت الملائم كانت من أهم أسباب الثورة، "من هنا تبرز أهمية الرأي العام في إرشاد القيادة السياسية إلى مطالب الجماهير المشروعة"، مشيرة إلى أن إهمال الحكومات المصرية المتعاقبة للرأي العام وقراءة وقياس منحنياته واتخاذه هاديًا ومرشدًا لها في وضع سياساتها العامة، فضلًا عن إصرارها على عدم إتاحة المعلومات للجمهور، أدى إلى "عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية، وتعرض الدولة لحركات سياسية مفاجئة كالتي حدثت في 25 يناير".

وذهب تقرير اللجنة إلى أن سوء الأحوال المعيشية للمصريين وتنامي الفجوة بين الأغنياء والفقراء وعدم وجود عدالة في توزيع الناتج القومي، وتوسع دور القطاع الخاص كبديل عن القطاع العام، وانتشار الفساد والبطالة، دفعت إلى تصاعد الوقفات الاجتماعية في الشهور التي سبقت الثورة، "كانت تلك الوقفات مؤشرا صادقا على سخط الجماهير التي سارعت إلى المشاركة في ثورة بدأت لأسباب سياسية".

لم يعد أمام الشعب إلا اللجوء إلى العمل السري أو مناشدة الجيش للتدخل أو النزول إلى الشارع

وقال التقرير إن "الانتهاكات المتصاعدة لحقوق الإنسان والتوسع في صلاحيات أجهزة الأمن وفي حملات الاعتقال للسياسيين والمعارضين وفرض العديد من القيود على تحركاتهم، أدى إلى ضعف الأحزاب السياسية الحقيقية -لا الورقية-، ومنظمات المجتمع المدني، وتراجع دور النقابات المهنية والاتحادات العمالية التي تم السيطرة عليها من الحزب الوطني الحاكم، مما أحدث حالة من الفراغ، فتحولت مصر بفعل ذلك إلى نظام الحزب الواحد والرجل الواحد والصوت الواحد".

وتحدث التقرير عن بلوغ الاحتقان ذروته، إثر محاولات الرئيس الراحل الذي جمع كل صلاحيات وسلطات الدولة في شخصه على مدار ثلاثة عقود، إتمام مشروع توريث الحكم لنجله من خلال انتخابات شكلية كتلك التي دأبت عليها مصر في الحقب الفائتة.

وأكدت اللجنة أن الطريقة التي أديرت بها انتخابات البرلمان في نهاية عام 2010 أدت إلى أن يتولى المؤسسة التشريعية أشخاص مطعون في عضويتهم دون أن يكون هناك أمل في تصحيح هذه الأوضاع، "ومن ثم كانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير، بعد أن سيطر الحزب الوطني على السلطة التشريعية في غياب شبه كامل لأي معارضة، وعليه لم يعد أمام الشعب إلا اللجوء إلى العمل السري أو مناشدة الجيش للتدخل أو النزول إلى الشارع وهو ما حدث بالفعل و أصبح ميدان التحرير بديلا عن البرلمان".

وحتى لا تعاد الكرَّة دعت اللجنة في نهاية التقرير إلى معالجة الخطايا السابقة التي مهدت لثورة يناير، والشروع في بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة قائمة على العدل والمساواة والحرية، مطالبة برفع يد الأمن عن مؤسسات الدولة المختلفة، وإعادة النظر في القوانين المكبلة للحريات، واحترام إرادة الجماهير في اختياراتها السياسية، وأن تجرى الانتخابات العامة في أجواء من النزاهة والتنافسية والشفافية، بما يضمن تداول حقيقي للسلطة وبناء مؤسسات حكم قوية.

كما أوصت اللجنة بأن تدعم الدولة الحق في حرية الرأي والتعبير، واستقلال الصحافة والإعلام، والسلطة القضائية وباقي مؤسسات الدولة التشريعية والرقابية، واتخاذ إجراءات تضمن تطبيق العدالة الاجتماعية وتحد من الفساد والرشوة والمحسوبية، والنهوض بالنظام الصحي وبالتعليم والبحث العلمي.. إلخ.

يمكن التعامل مع ما جاء في هذا التقرير القيم على أنه "مانفستو" أو "باب للخروج" من الدائرة الجهنمية التي دارت في فلكها أنظمة الحكم المتعاقبة قبل ثورة 25 يناير وبعدها وللأسف وصلت كلها إلى ذات الطريق المسدود.