- تصميم: أحمد بلال - المنصة

يوسف القرضاوي vs يوسف القرضاوي

منشور الجمعة 30 سبتمبر 2022

(1) جامعة القاهرة، 1997

هل ترى هذا الشاب المبتسم؟ إنه زميلي السلفي في كلية آداب القاهرة، هو شخص خلوق بالغ اللطف، يوزع شرائط كاسيت لمحمد حسان ومحمد حسين يعقوب والحويني، ويخلق عالمًا جديدًا.

أفكاره تحلق فوق قبة جامعة القاهرة، وتصبغ الكلية، التي كان عميدَها يومًا طه حسين، برايات شيخ السلفية محمد عبد الوهاب.

النقاب فرض، الموسيقى حرام، ارفع بنطالك أسفل كعبيك أخي الكريم.

هل التزم طلبة الكلية بهذا الكلام؟ لا طبعًا، لكنَّ القطاع الغالب اشترى فكرة أنَّ عيشتنا كلها حرام في حرام. لن نغيرها؛ لكننا سنعيش بالذنب.

نحن الآن في التسعينيات؛ فرج فودة مقتول ونصر أبو زيد مطرود من البلد، الخطاب كله ديني ـ ديني، وماذا رأيت من الله حتى تكره شريعته؟ آه نسينا أن نقول لك؛ كلامنا هو شريعته.

آراء يوسف القرضاوي لحظتها كانت مهمة.

السينما حلال، الرسم حلال، الاختلاط حلال فلا يوجد نص يحرم الكلام بين الولد والبنت أصلًا.

فقيه للصحوة الإسلامية يهدم مظاهرها، وكتابه الأشهر "الحلال والحرام في الإسلام"، الذي كتبه سنة 1960 من على ضفاف النيل قبل أن يغادر إلى الخليج، ينتشر ويقوم بتصدٍّ أسطوري لتصويبات القادمين من الخلف. يسخر صاحبنا السلفي من الكتاب ويسميه "الحلال والحلال في الإسلام" فيأتيه رد القرضاوي "تركنا لكم الحرام والحرام في الإسلام".

يبدو القرضاوي رائعًا، هذا الرجل مهم حقًا.

لكن تظل هناك مشكلة ما.

(2) المحلة الكبرى، نوفمبر 1954

"ذهب بي الأخ مطاوع إلى منزل أخٍ يعمل في شركة المحلة، اسمه عبد الحميد الرفاعي، وقال إنه يرقب نشاطي من بعيد، ويحضر خطبة الجمعة، وغيرها من الأنشطة البعيدة عن شعبة الإخوان. وعلمت منه أنه المكلف برئاسة التنظيم الخاص في المحلة، ويطلبون عوني في مهمتهم.

قلت: وما المطلوب؟ قال: العناية الثقافية والروحية بأعضاء التنظيم.

قلت: هذا ما أقوم به بالنسبة لجميع الإخوان.

لم يطلب أن أبايعه، كما يفعل مع غيري، لعله استكثر أن يبايع مثلي مثله.

وانتهت المقابلة الأولى والأخيرة وظللت أضرب أخماسًا في أسداس، وأفكر: هل أصلح في تنظيم سري، وعملي كله علني؟ ثم إنه يفترض الطاعة العمياء من أفراده، وأنا لا ألتزم إلا بطاعة مبصرة، ولا أفعل شيئًا لا أعرف فحواه ولا مشروعيته؟ كان هذا ما يجول بفكري، ولكن لم أتخذ موقفًا حاسمًا، إذ لم يكن مطلوبًا مني شيء غير عادي".

هكذا يحكي لنا القرضاوي في كتابه "ملامح سيرة ومسيرة".

وبعد أشهر قبض على عبد الحميد الرفاعي، واعترف على أعضاء تنظيمه الخاص، ووفقًا للقرضاوي "يظهر أن الرفاعي اعتبر سكوتي عند مقابلته كسكوت البكر حينما يعرض عليها الزواج؛ يعبر عن رضاها".

بعدها قبض على القرضاوي، ولسبب غيبي غير مفهوم يسمى القرضاوي ما حدث معه "اعتقالًا".

أنت الآن أمام عرضٍ صريح للانضمام إلى تنظيم سبق اتهامه بقتل رئيس وزراء النقراشي "ومحاولة اغتيال رئيس جمهورية" منذ أشهر.

فماذا كان رد القرضاوي؟ سمع العرض وعاد إلى بيتهم دون رد.

مهم هنا أن أخبرك بما يعرفه القرضاوي عن النظام الخاص. يقول في الكتاب نفسه:

"قتل أحد الإخوة المخلصين الناقمين على قادة النظام الخاص، وهو المهندس السيد فائز، وكان قتله بطريقة بشعة؛ إذ أُرسلت له علبة حلوى بمناسبة المولد النبوي، فلما عاد وفتح العلبة انفجرت فيه فأودت بحياته، وحياة شقيقه الصغير، وكانت أصابع الاتهام كلها تشير إلى النظام الخاص".

ما فهمته سليم؛ القرضاوي سكت عندما عرض عليه الانضمام إلى مجموعة قتلة، لا تكتفي باغتيال قضاة وسياسين بل تصفي خصومها وإخوانهم داخل التنظيم بطرق يصفها القرضاوي بأنها بشعة.

لماذا سكت؟ إجابة هذا السؤال هي مفتاح فهم كل شيء.

(3)

"لن يبقى بجماعة الإخوان المسلمين إلا المتردية والنطيحة وما أكل السبع".

هذه ليست جملة لعمرو أديب على أون تى في، لكنها للقرضاوي مخاطبًا مكتب إرشاد الإخوان في رسالة نشرها موقعه الرسمي في أكتوبر/ تشرين الأول 2009.

من وَصَفَهم وصلوا إلى السلطة، فماذا فعل القرضاوي؟

إجابة سليمة؛ أنت الآن بدأت تفهم الرجل. دَعَمَ المتردية والنطيحة وما أكل السبع بكل قوته.

القرضاوي ضد علماء السلطة، لكن الصدفة دومًا تجعله على طول الخط متوافقًا مع سلطة البلد الذي يعيش فيه

 (4)

"حضور باهت، نبرة مملة".

بهذه المواصفات قاد محمد سيد طنطاوي الأزهرَ منذ أواخر التسعينيات حتى 2010، ليتمدد في مقابله القرضاوي واتحاد علماء المسلمين.

قائمة طويلة من المواقف للقرضاوي ترنو للمستقبل؛ رفض حد الرجم وختان الاناث، التأكيد أن تحديد سن زواج البنات ضروري لضمان حقوقهن، استيعاب المنتج الحضاري السياسي الغربي والتأكيد على الديمقراطية وحقوق المواطنة.

أيضًا كتاب مهم عن تعايش الأقليات المسلمة؛ فأفتى بعدم وجوب انفصال الزوجة التي تدخل الإسلام عن زوجها المسيحي، وأن الشاب المسلم الغربي يمكنه الانضمام لجيش بلده ويدافع عن وطنه، كما أن كتابه "فقه الأولويات" طرح أفكارًا مهمة عن الأولويات والموازنات وأهمية تقديم مصلحة الناس أولًا.

أفكار مهمة؛ وعلى رأسها  نصيحته: لا تستمعوا إلى أصحاب العمائم المزيفة لأنهم علماء السلطة.

 نصيحة رائعة، تعال نتكلم عنها.

(5)

"لم يكونوا سلميين كما كنت أظن، واستعملوا الأسلحة كما يفعل البلطجية".

هل تتصور أن القائل أحد علماء السلطة منتقدًا ثورات الربيع العربي؟ إذًا فقد خدعتك. القائل هو  القرضاوي على ثورة البحرين.

 القرضاوي أيدّ كلَّ ثورات الربيع العربي عدا الثورة الوحيدة التي تعارضها السلطة التي يعيش في رعايتها.

ملاحظة جديرة بالانتباه حول رجل صُبح وليل يشتم علماء السلطة.

القرضاوي له رأي حول "عدم جواز الثورة في البلاد التي نعيش فيها هنا لأنّها بلاد عدل".

والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة القرضاوي أصدر بيانًا لدعم توجه أردوغان لتحويل البلد لرئاسية لأن "النظام الذي يدعو إليه أردوغان هو النظام الذي يتفق مع التعاليم الإسلامية، التي تجعل أمير المؤمنين أو الرئيس الأعلى هو رقم (1) في السلطة".

أردوغان يحكم لآخر يوم في عمره عادي، وفجأة أصبح للإسلام نظام حكم محدد علينا أن نتبعه.

أردوغان حليف لمن؟ لست بحاجة لأن أخبرك، والأمور تقود لبعضها.

اسمع هذه من القرضاوي "ثورة الإنقاذ تبنت الإسلام وشريعته من أول يوم، ولم تتخل عنه إلى الآن".

نعم ما قرأته هو نفسه المقصود؛ عمر البشير عند القرضاوي تبنى الإسلام وشريعته من أول يوم.

هل أنا بحاجه لأخبرك عن التيار الذي ينتمي إليه قتال القتلى عمر البشير، أم ستجتهد أنت بنفسك لتتعرف على حلفائه السياسيين؟

القرضاوي ضد علماء السلطة، لكن الصدفة دومًا تجعله على طول الخط متوافقًا مع سلطة البلد الذي يعيش فيه.

(6)

يوسف عبد الله القرضاوي، مواليد 1926، وحصل على الدكتوراة من جامعة الأزهر عام 1973، سافر إلى قطر عام 1961 ليعمل حينها مديرًا للمعهد الديني الثانوي، ثم حصل على جنسيتها.

اشتهر  بالهجوم على علماء السلطان ممن أيدوا هجوم التحالف الدولي على العراق، وانتهى به الأمر بتوصيفه هو نفسه بأنه مفتي حلف الناتو حين دعم هجوم التحالف الدولي على ليبيا، والحياة مؤسفة بوجه عام.

بعد ثورة يناير عام 2011 عاد ليخطب في ميدان التحرير تحت حماية التنظيم، نفس أنصار التنظيم الذين ألقوا بفتاواه في سلة المهملات لأنها أكثر تيسيرًا من فتاوى الأزهر ودار الإفتاء التي يريدون المزايدة عليها ليتهموا الدولة بمعاداة الإسلام.

من بدأ حياته بالانحياز لتنظيم أنهى حياته بالانحياز لتحالف إقليمي. كلنا نعرف أنّنا في نهاية قعدتنا لا مفر من أن نحاسب على المشاريب. دخل السجن مع التنظيم، صعد مع التنظيم، وتراجع بتراجع التنظيم. ومن بدأ بالخطابة في مسجد الزمالك انتهى رحمة الله عليه بجثمان يشيع من مسجد الإمام محمد بن عبد الوهاب بالدوحة.

كتب القرضاوي بالغة الأهمية، والقرضاوي ذكي، ولكن ماذا ينفعك الذكاء إن كانت كل اختياراتك في الحياة مع النطيحة والمتردية وما أكل السبع؟