سينما فاتن حمامة قبل هدمها - صفحة روائع السينما- فيسبوك

حصار الإبداع الذي قتل القوى الناعمة

منشور الاثنين 3 أكتوبر 2022 - آخر تحديث الاثنين 3 أكتوبر 2022

"بعد مشاهدة أعضاء اللجنة للأفلام التي تنطبق عليها شروط الترشيح للجائزة من قبل أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة (أوسكار)، انتهت اللجنة بأغلبية الأصوات إلى قرار بعدم ترشيح فيلم مصري لهذا العام"، بيان نقابة المهن السينمائية.

فشل مصر في اختيار فيلم يصلح للترشح للأوسكار هو مؤشر واضح على ما فعله بنا الحصار الغاشم المفروض على الإبداع طوال سبع سنوات مضت. في مناخ الاستبداد والقيود الصارمة يفشل كل من الفن والصحافة، وتموت "القوى الناعمة". 

هذه قاعدة تؤكدها المواقف يومًا تلو آخر. 

لم تنتج مصر فيلمًا واحدًا يصلح للمشاركة في المسابقة العالمية، في بلد صنع تاريخًا للفن وأنتج آلاف الأفلام على مدار مئة عام ويزيد، بلد تباهى أبناؤه بقدرتهم التي لا تنضب على الإبداع و توليد الأفكار واكتشاف المواهب. 

الأصعب من عدم قدرة مصر على ترشيح فيلم في الأوسكار، هي التبريرات التي رُددت لسبب الغياب، ولا علاقة لها بالسبب الحقيقي، ولم تدخل إلى صلب الموضوع، بل جاءت سطحية، كاشفة لما نعيشه الآن. 

بفهم دقيق لطبيعة المناخ المعادي للحريات، الذي يحاسب الجميع على مجرد "الكلام"، التفّت التصريحات جميعها على السبب الحقيقي في تدمير صناعة السينما، وهروب المنتجين منها، وخوف الفنانين والمخرجين على السواء من تقديم أفلام جادة تصلح للمشاركة في المهرجانات والجوائز. فشلت التصريحات جميعها في اختصار الأزمة في سبب جوهري: الاستبداد، ونقطة على السطر. 

لا سينما ولا يحزنون

بحسابات السيطرة على المجال العام، والعداء غير المفهوم للأفكار والكتابة والإبداع بشكل عام طوال السنوات الفائتة، يمكن فهم أسباب تراجع الإنتاج الفني. طال الحصار كل الذين يبحثون عن الجديد، وكل الذين ما زال يعتريهم الشغف للإبداع؛ هؤلاء الذين يطرحون الأسئلة ويتحركون وسط الأسلاك الشائكة ليضيؤوا ليل المجتمع المعتم والممتلئ بالتناقض والفساد والرجعية.

غاب هؤلاء عن المشهد تمامًا عندما قررت السلطة الحالية أن الأفكار لن تمر إلا من بين يديها، وليس مسموحًا لكاتب أو مخرج أو فنان أن يطلق العنان لإبداعه وأسئلته وخياله ليقدم أعمالًا تساعد المجتمع على أن يخطو للأمام.

فهم المنتجون الرسالة، وهم العنصر الأهم والأول في الصناعة التي تحتاج بطبيعتها للملايين. ولأنّ رأس المال بطبيعته لا يغامر ولا يقترب من حقول الألغام؛ اختار المنتجون أن يبتعدوا عن "وجع الدماغ"، وأن يتحركوا في المساحات الآمنة من الأفلام التجارية، تلك التي يحصدون أرباحها بالملايين من شبابيك التذاكر.

بلا سينما ولا مهرجانات ولا يحزنون. فليس مهمًا الدفاع عن الصناعة، ولا يمكن الوقوف أمام قطار يدهس أموالهم، وهي الأهم من كل الصناعات. 

بالغياب المصري عن الأوسكار بات حصاد سياسة الحصار واضحًا. وعلى النقيض، ظهرت الرسالة الأهم بجلاء: لا فن ولا إبداع في غياب الحرية

النهاية The End

في اللحظة نفسها التي اختار فيها المنتجون الابتعاد عن ما يغضب السلطة، والاتجاه إلى السينما التجارية كوسيلة لتحقيق الربح والأمن معًا، فهم الكتّاب أيضًا الرسالة، وساروا على الدرب نفسه، فأنتجوا نصوصًا لا تصلح إلا لأفلام صيفية خفيفة، أو لأفلام يقبل عليها المراهقون والراغبون في الضحك والكوميديا، فلا رسالة ولا أسئلة.

فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم حافظوا على الصناعة بطريقتهم الخاصة، رغم أنهم، للأسف الشديد، قدموا أفلامًا ينساها المشاهد بعد ساعات من خروجه من دار العرض. وساهموا باختيارهم بر الأمان في انطفاء الأضواء على سينما كانت تتألق وهي تنتج عشرات اﻷفلام سنويًا في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يساهم الاستبداد في وضع كلمة "النهاية" على شريط السينما الذي يجمع بداخله نحو مئة عام من الإبداع والفكر والفن والأسئلة.

بغياب ترشيح اﻷفلام المصرية مصري للأوسكار، يبدو التاريخ شاهدًا على ما حدث للإبداع خلال السنوات الفائتة. ذلك الترشيح، وإن ظلّ مجرد ترشيح للمشاركة، بدأ تاريخيًا في العام 1958 بعد سنتين من إطلاق الأكاديمية لجائزة "أفضل فيلم أجنبي"، بفيلم باب الحديد للمبدع يوسف شاهين، ثم تواصلت عبر نخبة من أهم الأفلام لأكبر مخرجي وفناني السينما في مصر.

أفلام دعاء الكروان لهنري بركات، والمراهقات لأحمد ضياء الدين، واللص والكلاب لكمال الشيخ، وأم العروسة لعاطف سالم، والقاهرة 30 لصلاح أبو سيف، والمومياء لشادي عبد السلام، وإسكندرية ليه ليوسف شاهين، وأرض الأحلام لداود عبد السيد، وفي شقة مصر الجديدة لمحمد خان، ويوم الدين لأبو بكر شوقي، وشيخ چاكسون لعمرو سلامة، وورد مسموم لفوزي صالح، واشتباك لمحمد دياب، والجزيرة لشريف عرفة، وغيرها، جميعها كانت مرشحة لتمثل مصر في الأوسكار. 

صحيح أن أي فيلم من هذه الأفلام لم يُرشح ضمن الاختيارات النهائية، إلا أنها كانت أفلامًا جادة ضمن أفلام كثيرة مشابهة مكنت مصر من مواصلة المشاركة في المهرجانات العالمية، وحصدت الجوائز في أخرى، وهي تؤكد رسالة "القوى الناعمة" التي حملت الثقافة والإبداع المصري للعالم، قبل أن يزهق روحها عقول ضيقة ومتزمتة تكره الإبداع وتعادي الثقافة. 

السؤال الصادم

بالغياب المصري عن الأوسكار بات حصاد سياسة الحصار واضحًا. وعلى النقيض، ظهرت الرسالة الأهم بجلاء: لا فن ولا إبداع في غياب الحرية. طال التراجع والتردي كل مجال يعيش في الأساس على مساحة معقولة من الحرية تتيح للمبدع أو الكاتب أن يسأل وينتقد ويشير إلى مواطن الخلل دون خوف.

خسرت صناعة السينما، وخسر معها البلد فرصة المشاركة في مسابقة مهمة. وخسر المجتمع بغياب السينما الجادة صوتًا يكشف أزماته وتناقضاته بهدف التغيير. ولعل السؤال الأصعب هو ما يتردد في الصحافة العربية الآن: هل انتهت الريادة المصرية في السينما والفن؟

يعرف الجميع أن الإجابة عن السؤال الصادم ليست عند الفنانين ولا المبدعين، ومصر تمتلئ بهم، لكنَّ الإجابة سنجدها عند هؤلاء الذين رسخوا طوال سنوات للصوت الواحد والفكر الواحد، والذين صدروا رسائل الخوف والرهبة للجميع، فضربوا واحدةً من مصادر قوة البلد، وقزّموا قدرتها على إنتاج الأفكار والمعرفة، لدرجة أن تعجز بلد السينما في المنطقة في اختيار فيلم يصلح للمشاركة في جائزة الأوسكار.