هشام في موقع تصوير مسلسل المكتب - بإذن خاص للمنصة

مع هشام فتحي| عن السوق والنجاح وتعريب الدراما

منشور الخميس 22 ديسمبر 2022 - آخر تحديث الخميس 22 ديسمبر 2022

​رغم حبي الشديد للمسلسلات الأجنبية، الكوميدي منها على نحو خاص، فإنني أشعر بالانزعاج، ككاتبة قبل أن أكون مشاهدة، عندما أرى نسخة عربية من مسلسل أجنبي كوميدي، وذلك لقناعتي أن الكوميديا عادة ما تعتمد على ثقافة البلد التي أنتجت العمل الأصلي، الذي مهما بدت جودة نقله إلى لغة أخرى فلن تكون بمثل صيغته الأولى.

مؤخرًا صارت شركات الإنتاج وكذا منصات المشاهدة الرقمية مهتمة بإعادة إنتاج الأعمال الأجنبية الناجحة، مثل مسلسل سوتس والآنسة فرح وهبة رجل الغراب، ومؤخرًا عرضت منصة شاهد السعودية نسخة معربة من The office بعنوان المكتب، من إخراج المصري هشام فتحي.

لذا يلح سؤال عليَّ: لماذا نلجأ إلى مسلسلات أجنبية لتعريبها؟ ألم يعد في العالم العربي كُتّاب ومؤلفين قادرين على إنتاج عمل ناجح؟

أزمة السوق

هل السوق الفني فقير؟ هناك الكثير من كتاب السيناريو المتمرسين والموهبين الذين لا تظهر لهم أعمالًا جديدة في مقابل اهتمام المنصات الرقمية في الاستثمار "الناجح" في أعمال أثبتت تحققها، لكن فتحي، الذي حاورته المنصة، لا يرى أن "انتشار هذا النوع من الدراما له تأثير سلبي على سوق الكتابة المصرية، بالعكس قد يكون فرصة جيدة للتعلم أمام كتاب السيناريو الجدد"، وذلك لأنّ "معظم" وليس جميع الأعمال الدرامية الأصلية مؤخرًا لا تمنح انطباعًا بالجودة، حسب رأيه.

تبدو الدراما العربية الحالية وفق هشام، وكأنّها أصيبت "بقنبلة زمنية وتعليمية وثقافية تسببت بفجوة بين الأجيال"، خاصة في ظل وفاة الكثير من الرواد والكتاب المؤثرين.

كلام هشام لا يبدو دقيقًا في تلك النقطة خاصة وأن السوق الفني لم يخل من الكتاب الواعدين والمحترفين على السواء الذين أنتجوا أعمالًا ناجحة خلال السنوات الأخيرة، بيد أن هذا العدد يراه المخرج الشاب "قُليِّل" مقارنة بحجم ما يتسع له السوق من إنتاج سنوي لأعمال درامية وسينمائية، الذين نحتاج "أضعاف أعدادهم للارتقاء بصناعة الدراما والسينما في مصر".

ربما هذا الكم الكبير من الفرص التي يتيحها السوق أو يحتاجها هو ما ربط هشام نفسه بعدد من الأعمال الفنية المتباينة في نوعها، فالمخرج الذي بدأ في مجال إنتاج البرامج والإعلانات، مثل مسلسل الفرنجة، والحملة الدعائية لبنك مصر، قبل أن ينتقل للدراما مع الكبير وخلصانة بشياكة، أخرج كذلك حفلات افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دوراته 40 و41، و42 و43، وعُرض له مؤخرًا في السينما فيلم "حامل اللقب" من بطولة هشام ماجد ودينا الشربيني.  


وإن كان ثمة استسهال في مسألة استثمار شركات الإنتاج في النجاح "المضمون" لإعادة إنتاج الأعمال المشهورة، فإن عدم التركيز على مشروع محدد والمشاركة في كل ما هو متاح يعده البعض "نحتًا" بالمعنى الدارج للكمة، ورغم أن فتحي يرى أن الأفضل للمخرج أن يركز على نوع فني واحد ويبدع فيه مثل عاطف الطيب، فإنه لا يعد اختياراته الفنية عيبًا لرغبته الملحة في العمل وخشيته من أن يقضي أوقاتًا طويلة "دون المشاركة في أعمال فنية حتى لو كانت متباينة".

استفاد فتحي حسب تأكيده مما أتاحه له ذلك التنوع من ميزات أصقلت أدواته، خاصة تجربة إخراج مهرجاني القاهرة السينمائي ومهرجان الأقصر السينمائي، ففي تلك التجربة يكون المخرج مطالبًا أن يقدم عرضًا كاملًا "على الهوا لمجموعة كبيرة من الفنانين وليس جمهورًا عاديًا".

هذا الشكل من الجمهور "المتخصص" يضع المخرج في موضع تقييم مستمر، مما يمنحه مزيدًا من الخبرة، ولعل ذلك ما أخر تجربته السينمائية الأولى، التي احتاجت نحو 17 سنة من التجارب بين العمل مساعدًا للمخرج في أفلام عندليب الدقي ووش إجرام، ثم الإعلانات والمسلسلات الكوميدية الخفيفة بالإضافة للمهرجانات، حتى خرج فيلمه الأول "حامل اللقب".

 التيك توك منافسًا للكوميديا

حامل اللقب الذي شارك محمد سلام ومحمد ثروت في بطولته، تجاوزت إيراداته تسعة ملايين جنيه مصري بعد خمسة أسابيع من طرحه بدور العرض السينمائي، ووقع الاختيار عليه ليكون فيلم الختام في مهرجان مالمو للسينما العربية في دورته الـ12 تحت تصنيف "فيلم كوميدي"؛ الأمر الذي وجده الكثير نجاحًا للفيلم، لكنه تعرض في الوقت نفسه لبعض الانتقادات.


عاب البعض على غياب نمط واضح لأسلوبه السردي الذي شهد تباينًا وإطالة أحيانًا، منحت العرض وقتًا أطول كمقاطع منفصلة يتم استثمارها لاحقًا عبر السوشيال ميديا. لكن فتحي يتحفظ على ذلك دون "أن أحجر عليها بالطبع، إن شعر البعض بأن الفيلم به تطويل أو بطء"، مشيرًا إلى أن فريق العمل كان يستهدف تقديم "نظرة أعمق لتبادل الأدوار بين الرجل والمرأة، ولذلك لم نتعمد أن يكون حمل البطل حتى مفاجأة، بل أظهرنا تلك النقطة في الإعلان وأدرجناها في اسم الفيلم"؛ لأن الهدف من وراء الفيلم ليس الإدهاش، وإنما "تقديم نظرة أعمق للدور الذي تقدمه المرأة في حياة الأسرة عندما تكون مطالبة بالعمل والحمل ورعاية الطفل وما تتعرض له نفسيًا إثر ذلك".

اللافت أن فتحي يعد الأسلوب السريع الذي دأبت بعض الأعمال مؤخرًا على تقديمه هدفه الاستثمار في السوشيال ميديا، ومنافسة ما يقدمه صناع المحتوى الكوميدي على منصات مثل تيك توك، ولذلك "يجب أن يعتمد الفيلم الكوميدي على القصة وما تعكسه الدراما من جوانب اجتماعية ونفسية، وهو ما لا يستطيع التيك توك والمقاطع القصيرة منافسة السينما والدراما فيه".

ويضيف "لصناعة فيلم كوميدي في وقتنا هذا؛ يجب أن تكون هناك قصة يتخللها كوميديا وليس العكس"، مؤكدًا أن ذلك هو ما حاول وفريق عمله تقديمه في "حامل اللقب".

مقادير وخلطة

ما يعنيه فتحي، أن الإخلاص للنص وما يتضمنه من عناصر، بعيدًا عن الحسابات الاستثمارية، هو ما يصنع نجاحه وليس العكس، رغم ذلك يشير إلى أن تجربته لصناعة مسلسل المكتب، المأخوذ عن عمل عالمي، جعلته يدرك أن العمل الدرامي يمكن أن يكون مثل "طبخة لها مقادير ويجب اتباعها"، ومن أهم مقادير تلك الطبخة برأيه هي كيفية اختيار الممثلين وقصة الحب المنسوجة في أحداث المسلسل.


ويرى أن تلك القصة يجب أن تُكتب على 100 حلقة لا عشرة، مثلًا، ومن دون أن تحسم العلاقة العاطفية فيها في حلقاتها الأولى، لأنها ستكون عامل جذب للمشاهد خاصة في مسلسل مثل المكتب، الذي يدور في موقع تصوير واحد من دون أحداث جوهرية.

ولأن ذلك العمل (المكتب) "طبخة"، فيجب تقديمه "بنفس الطعم في أي نسخة منها"، لذلك لجأ فتحي مشاهدة النسخ التي قدمت من قبل للعمل الأصلي مثل الهندية والبولندية والأمريكية التي تعتبر الأقرب إلى النسخة الأصلية الإنجليزية و"بعدها عقدتُ مقابلات مع صناع ومنتجين النسخة الأصلية من المسلسل".

 تلقى فريق عمل النسخة السعودية محاضرات تشرح لهم طبيعة العمل، فرغم أن جهة الإنتاج الأصلية لا تشارك إم بي سي في الإنتاج المالي للنسخة السعودية من المسلسل، فإن الإشراف الفني يظل من حقها حتى لا تفسد "الطبخة"، التي تعتبرها "كنزًا" ولن تقبل إخراجه في صورة غير التي تتمناها.

هذا الاحتكاك هو ما يجعل المخرج المصري في نهاية حواره مع المنصة يؤكد أنه كان محظوظًا بالمشاركة في العمل، مضيفًا إلى ذلك عنصرًا آخر من أسباب حظه، يتمثل في ما أنجزه رئيس ورشة الكتابة عبد الله ظهران الذي "كان على دراية كاملة بمسلسل المكتب بنسخه الأخرى، ما منحه الوعي الكافي لنقله إلى العربية"، كذلك يشعر فتحي بالسعادة لامتلاكه طاقم ممثلين "متحمسين للعمل والتعلم.. ولا يعانون من أمراض التتر"، مشيرًا إلى النزاعات التي عادة ما تحدث بين الممثلين في ترتيب كتابة أسمائهم على العمل.