المبرمج والناشط السياسي علاء عبد الفتاح -

علاء عبد الفتاح ومن معه

منشور الجمعة 25 نوفمبر 2022

(1)

سأحكي لك عن "دون كيشوت".

دون كيشوت هو الشخصية الرئيسية في العمل الروائي الذي يحمل الاسم نفسه، ويعد انطلاقة فن الرواية بشكلها الذي نعرفه. وقد نُشرت على جزأين عامي 1605 و1615، عن رجل طويل القامة هزيل الجسد يعيش في قرية إسبانية خلال بدايات عصر النهضة، استخرج سيفًا قديمًا من مخلفات معارك أجداده التي لم يعد لها وجود، ولبس درعًا وخوذة، وحمل سيفًا ورمحًا، وامتطى جواده. ولكي يشبه فرسانًا انقرضوا بعدما انتهى خصومهم، اتخذ مرافقًا له هو سانشو الفلاح البسيط، ثم قرر أن يخوض معركته.

معركته؟

من "معركته" هذه، تبدأ قصتنا.

(2)

والآن سأحكي عنك.

أنت لديك موقف واضح، أيًا كان، من قضية علاء عبد الفتاح؟ عظيم، أجب الآن عن الأسئلة التالية:

ما تهمة علاء؟ متى سجن؟ لماذا سمحت السلطات المصرية لأخته سناء بعقد ندوة خلال مؤتمر المناخ؟ ما علاقته هو أو عائلته ببريطانيا أصلًا؟

قبل أن تكمل القراءة أجب عن الأسئلة أولًا.

المفاجأة؛ أنك غالبًا لا تملك معلومات. وليس لعيبٍ فيك، ولكن لأن لا أحد يعرف. فدعنا نتفق على ما حدث، ثم فليشوهه كل منا في تفسيره كما يشاء.

(3)

علاء عبد الفتاح مدون وناشط تخصص في برمجة المعلومات، قبض عليه للمرة الأولى في عهد حسني مبارك عام 2006 خلال احتجاجات "استقلال القضاء"، وأطلق سراحه بعد 45 يومًا.

في عام 2011 وأثناء حكم المجلس العسكري حبس بعد أحداث ماسبيرو، ثم أطلق سراحه بعد شهرين.

وفي عهد عدلي منصور قبض عليه في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2013 لمشاركته في مظاهرة أمام البرلمان ضد قانون التظاهر ووجهت له تهمة "التظاهر بدون تصريح"، وحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات، وبالمراقبة مثلهم.

أفرج عنه في مارس/ آذار عام 2019 بعد انقضاء مدة عقوبة سجنه، ليبدأ تنفيذ سنوات المراقبة حيث يقضي نصف يومه في قسم الشرطة وفقًا للإجراءات الاحترازية.

لكنه اعتقل في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه واتهم بأنه، وخلال النصف الآخر من يومه، كان ينشر "أخبارًا كاذبة"، وأودع في السجن على سبيل الاحتياط.

انقضى الحد القانوني الأقصى للحبس الاحتياطي بعد عامين، ولم يخرج علاء.

وبعد سنتين وثلاثة أشهر من الحبس الاحتياطي، أصدرت محكمة أمن الدولة طوارئ، وهي محكمة لا يجوز الطعن على أحكامها أمام أي جهة قضائية، حكمًا بسجنه لخمسة أعوام بعدما أعاد نشر (عمل شير يعني حضرتك) بوست على فيسبوك.

"جريمة قتل ثانية في زنازين التأديب"، هذه هي الكلمات الست التي كتبها تعقيبًا على البوست الذي أعاد نشره. علاء لم يُتهم في أي قضية عنف أو تحريض، لكنه محبوس بتهمة "إذاعة أنباء من شأنها تكدير السلم العام"، بسبب بوست أعاد نشره، فهو مؤكد سجين رأي.

يبقى هنا سؤال؛ ماذا عن فترة الحبس الاحتياطي التي تخطت العامين وثلاثة أشهر؟

 لا، لن تحتسب من عقوبته، سنبدأ من أول وجديد.

هذا هو علاء عبد الفتاح، رجل في العقد الخامس، سُجن بسبب شير ولم يرَ ابنه الذي تخطى العاشرة سوى لأشهر.

هل هذا معركتك؟

آه، نسيت أقول لك، سنوات الحبس الاحتياطي لا تُحتسب

(4)

ليلى سويف أم علاء ولدت في لندن عام 1956 خلال رحلة أكاديمية لوالدتها. بناتها منى وسناء حصلن على الجنسية البريطانية عن طريقها، ثم حصل عليها علاء في أبريل/ نيسان 2022 

وزير خارجيتنا قال إن السلطات المصرية لم تعترف بحصول علاء على الجنسية لأنه لم يستكمل الإجراءات التي يتطلبها القانون المصري.

بدأ علاء الإضراب عن الطعام في أبريل، احتجاجًا على رفض السلطات المصرية السماح للقنصلية البريطانية بزيارته، ثم صعَّد إضرابه بالتزامن مع قمة المناخ التي تستضيفها مصر.

أسرة علاء ومحاميه خالد علي طلبوا عفوًا رئاسيًا مثلما حدث من قبل مع البرلماني السابق زياد العليمي والزميل الصحفي حسام مؤنس.

والآن، فلنعد إلى صديقنا "دون كيشوت".

(5)

ماذا كان يحارب دون كيشوت؟

خاض الرجل العديد من المعارك ليعيد أمجاد الغابرين، أشهرها صراعه مع طواحين الهواء التي اعتقد أنها "شياطين ذات أذرع ضخمة تنشر الشر في العالم".

 لا ترثى له، فربما كنت مثله، صدقني الدرع والسيف لن يفيدا إن لم يكن هناك خصم أساسًا.

(6)

خلال الندوة الذي عقدت في قمة المناخ برعاية الأمم المتحدة قال البرلماني المصري عمرو درويش "التوجيه المباشر الذي شهده المؤتمر الصحفي، يقول إن البلد مستهدفة".

البرلماني يعتقد فعلًا أن البلد مستهدفة من مؤتمر نحن من دعونا له على أرضنا لنحقق مصالحنا.

فيما بعد نُظمت وقفه أمام السفارة المصرية في باريس وصفها موقع صدى البلد بأنها "ضد علاء عبد الفتاح" وتضامنية مع عمرو درويش.

وقفة ضد سجين؟ لأنه توقف عن تناول عن الطعام؟ ما هذه المعركة يا شباب؟

(7)

من يريد العفو عن علاء عبد الفتاح يطالب بالعفو عن زميليه في القضية نفسها، فمحمد الباقر توجه إلى نيابة أمن الدولة العليا لحضور التحقيقات مع موكله علاء في سبتمبر 2019، فاحتجز وأبلغ بصدور أمر ضبط وإحضار له.

خلال حبس الباقر، رشحته الجمعية القانونية في بريطانيا، وهي كيان قانوني يجمع بين نقابة المحامين والقضاة الإنجليز، لجائزتها السنوية لحقوق الإنسان.

أما محمد أوكسجين فقد قبض عليه في أبريل 2018، وظل رهن الحبس الاحتياطي حتى يوليو/ تموز 2019، ثم حكم عليه هو وباقر في نفس قضية علاء، بالسجن أربعة أعوام.

آه، نسيت أقول لك، سنوات الحبس الاحتياطي لا تُحتسب. 

فكر معي، فكر لدقيقة واحدة، ماذا سيستفيد أي شخص في الكون عندما تقضي زوجة باقر عمرها تنتظر زوجًا غائبًا؟

(8)

لا يمكنك توجيه ضربه لخصمك إن لم يكن هناك خصم أساسًا. لا معركة سياسية في بلد لا أحد فيها يتكلم في السياسة، وطواحين الهواء قد تبدو مزعجة لكنها ليست عدوًا.

عالم 2013 انتهى منذ عقد، لكن هناك من يصر على مطاردة خصوم لا وجود لهم، قادمين من عالم لا وجود له.

دعوات التظاهر تخطت مرحلة أنها بلا متظاهرين لتصبح بلا دعاة، لكنها بشكل غرائبي تسفر عن زيادة قائمة المحتجزين احتياطيًا ممن تضيع أعمارهم وأعمار أسرهم، لا لشيء سوى لإثبات أن الفرس جاهز والرمح جاهز والخوذة موجودة والحمد لله.

تفتيش هواتف خلق الله في الشوارع وانتهاك خصوصيات الناس والحبس الاحتياطي الذي تحول الى عقوبة هو قضيتنا كمصريين، ليس لأن فلانًا بريطاني ولكن لأن هناك مصريين تتعفن أجسادهم في سجون مظلمة بينما أسرهم بلا عائل.

البلدان تتقدم بالحرية لأنها تتقدم بالبشر، لا يوجد طرف منتصر لأنه لا يوجد طرفين من الأساس.

يمكن أن نُسقط طاحونة الهواء ثم نسحقها ثم نغرز رماحنا في خشبها الملقى أرضًا، ولكن هذا لن يغير من حقيقة أنها مجرد طاحونة هواء.