مشهد من فيلم السباحتان - IMDB- برخصة المشاع الإبداعي

لأجلهم نسبح

منشور الخميس 1 ديسمبر 2022

تتقافز سارة مارديني بخفة في بلكون الملهى، بينما تتراقص خصلات شعرها الثائر على أنغام أغنية Titanium، في مشهد سريالي خلفيته سماء سوريا الحمراء بلون الدم تتفجر فيها القذائف، فيصير لحنًا مأسويًا تتداخل فيه الموسيقى مع إيقاع دوي الحرب.

هكذا يبدأ فيلم السباحتان The Swimmers، الذي أطلقته نتفليكس منذ أيام، وملأتني مشاهدته بمشاعر وتأملات شتى عن عالمنا العربي في الوطن والمهجر.

يحكي العمل قصة السوريتين يسرى وسارة مارديني، اللتين احترفتا رياضة السباحة منذ الطفولة، بعد أن صقل موهبتهما تدريب أبيهما الذي كان يسبح ضمن لاعبي المنتخب السوري، قبل أن تنتهي مسيرته بسبب التجنيد الإجباري.

زرع الأب في الفتاتين منذ نعومة أظافرهما حلم المشاركة في الأولمبياد، حتى بات وشيك التحقق تحت علم سوريا في أولمبياد ريو دي جانيرو 2016، لكن الحرب تفاقمت، فأنهت حلمهما.

تبدأ الأختان مع ابن عمهما نزار رحلة الهجرة القاسية للفرار بالحياة في عام 2015: سفر لتركيا وعبور المحيط في واحد من قوارب الموت، يوشك على الغرق محملًا بأضعاف طاقته، ثم إكمال الرحلة سباحة في عرض البحر لثلاث ساعات حتى الارتماء على شاطئ اليونان، لتبدأ مسيرتهما مع اللقب الجديد الذي ستصحبانه من وقتها وصاعدًا: لاجئ.

تستمر الرحلة عبر الحدود والانتهاكات والفراق حتى تصلا لوجهتيهما في ألمانيا وتستقران في أحد مخيمات اللاجئين.

تدور يسرى وتبحث، حتى تجد مدربًا ألمانيًا يوافق بعد إلحاح على إعطائهما فرصة كي تثبتا أنهما سباحتين محترفتين، لينبهر بمستواهما ويوافق على تدريبهما بالفعل.

بعد شهور من التدريب القاسي، تحقق يسرى حلمها أخيرًا بالوصول إلى أولمبياد ريو 2016، في فرحة نغَّصها اللعب تحت علم فريق اللاجئين، لا بلدها سوريا.

 يتخاطف العملُ المُشاهِدَ بين الحزن والإلهام ودموع الأسى والفرح، ولكن تملكني إلى جوار ذلك كله شعور حزن عميق ممتد، ليس على أبطال الفيلم تحديدًا وإنما على حال عالمنا العربي وما فعلته أوطاننا بنا. لم أبرح أفكر في تجربتنا الجماعية المروعة بين قمع وظلم وحروب في بلادنا، ثم غربة وتعالٍ وتمييز في بلاد المهجر التي نهرب إليها لنحيا.

نخوض أهوالًا للهروب إلى بلاد تضمن شيئًا من أمان، ولكن أشباح بلادنا لا تغادرنا ولو لحظة، فنحيا نصاحب قذائف الحرب والشظايا في سوريا، أغلال السجون وظلمات المعتقلات في مصر، مطحنة الفساد وانهيار الاقتصاد المروع في لبنان، وغيرها من الأهوال في العراق واليمن وليبيا والسودان إلى نهاية قائمة بلاد العرب. وعندما نهدأ لنلتقط الأنفاس وننطلق لنتعافى، نكتشف أن ملامح وجوهنا وألوان بشرتنا وأزياءنا لافتات نيون تشع فوق رؤوسنا فتعلن للمحيطين أنا غرباء. بعد أن كنا "سوري"، و"مصري"، و"لبناني" و"سوداني"، أصبحنا بين ليلة وضحاها نحمل مُعرِّفاتٍ جديدةً مثل "مُلوّن"، "شرق أوسطي"، "لاجئ".

رغم اختلاف التجربتين، وجدتني طوال مشاهدتي الفيلم أتذكر تجربة سجني السياسي في مصر الذي دام لأكثر من ست سنوات، ثم حياتي في المهجر وسط عالم جديد أشعر فيه دومًا أننا فضائي. ينغزني قلبي عندما ترتمي مجموعة الهاربين من قاربهم المثقوب على شاطئ اليونان لاهثين، قبل أن يتدافعوا في سعادة غامرة بالنجاة نحو المدينة، باحثين عن شربة ماء ليرطبوا حلوقهم المحترقة من ملح المحيط الذي تجرعوه لأيام، فيقابلهم أصحاب المطاعم والأعمال بالرفض والصراخ في الوجوه وإيصاد الأبواب. يصرخ المهاجرون: ولكنا نملك مالًا لندفع. فلا يسمعون إلا: لاجئ، لا.


أجترُّ ذكرى ذلك اليوم الموجع الذي نقلتني فيه عربة الترحيلات وحيدًا من سجن ليمان طرة إلى قسم شرطة الوايلي لأداء أول امتحاناتي بكلية الهندسة جامعة عين شمس. كان هبوطي من المركبة هو أول مرة تلمس فيها قدماي أسفلت الشارع المدني منذ سنتين. لم أكد أصدق نفسي وأنا أمشي وسط الناس، أرى مدرسة يركض من بوابتها الأطفال، أمر أمام قهوة يعتلي مقاعدها سكان حي العباسية وهم يحتسون الشاي ويرمون أحجار الطاولة؛ ولكن البهجة لم تدم.

مرت جواري أم تمسك بيد طفلتها، وعندما نظرت باتجاهي، اتسعت عيناها مرتعبتين وسحبت ابنتها للجانب الآخر بعيدًا عني. لم أنسَ ذلك اليوم حتى الآن. أسترجع ملوحة الدمع الذي ابتلعتُ مع شعوري بالقهر والرغبة في الركض نحوها والتوسل: أعدك؛ لست خطرًا. أعلم أني أرتدي زي السجون القاتم وتحيط بمَعصَمَيَّ الأغلال، ولكن، ألا تتركيني أحكي لكِ عن نفسي أكثر؟

غير أني رأيت هيئتي في عينيها: زي المسجون المحكوم بكُحْلِيِّه الكئيب، الأصفاد تجلجل في يدي وتلتمع، وقوات الأمن تحاوطني كمجرم عتيد. رأيتني، فسَكَتُّ. كما رأى الأوروبيون يسرى وسارة ورفقتهما فلم تجاوز أعينهم سترات النجاة والملابس المهترئة لتلامس قصص البشر المدفونة أسفلها.

يرينا الفيلم الجانب الآخر للقصة الملهمة، جانب ملايين البشر المختفين تحت حبر الإحصائيات: نجحت يسرى وسارة في الحصول على امتيازات عدة وتحقيق الحلم بسبب اجتهادهما، لكن عاملًا لا يستهان به يرتبط دومًا بالمهارة والهيئة والوضع الاجتماعي السابق.

إن ضمت أوروبا يسرى وسارة وقبلتهما لموهبتهما في السباحة وهيئتهما الخارجية التي قد تبدو أوروبية، فماذا عن أولئك الذين لا يسبحون؟ يلبسون أزياء مختلفة، يعلقون ثقافة أخرى على صدورهم، لا يتحدثون الإنجليزية بلكنة متقنة، وتضيء ألوان بشرتهم معلنة غربتهم عن هذا المجتمع، من ينقذهم؟ من يحتضنهم عندما يتملكهم الغضب وتفيض بهم الغربة فيرغبون في الصراخ: نحن أيضًا بشر. لنا أهل وأصحاب، نعمل ونمرح ونغني ونهيم حبًا، كنا نضحك الليالي ونتجاذب أطراف الحلم حتى بزوغ الفجر إلى أن لفظتنا بلادنا.

تجلس الأختان قرب نهاية الفيلم خارج المسبح الأولمبي بريو دي جانيرو، لتفصح يسرى عن مخاوفها ونميمة المشاركات من شتى البلاد عن كون وجودها هنا عملًا خيريًا لا تستحقه. تنظر سارة في عينيها وتخبرها أن ما مرتا به يفوق أضعاف ما خاضه هؤلاء، وإن كان ما يميز لاعبي الأولمبياد هو البطولات الخارقة، فقد وفّت يسرى نصيبها بالفعل خالصًا.

"اسبحي من أجلنا جميعًا. اسبحي من أجل بابا، لأنه لم يقدر. اسبحي من أجلي لأني لم أستطع. اسبحي من أجل شذا. اسبحي من أجل رزان حداد [شهيدة سورية]. ومن أجل كل أولئك الذين فقدوا حياتهم باحثين عن حياة أخرى جديدة. لأجلهم، اسبحي". تقول سارة مارديني.

لنسبح جميعًا إذًا، كُلٌّ في حارته. كل من نجى منا ومن ما زال يحاول، كل من يمسك بتلابيب الأمل ليشق طريقه خلال اليوم، لنسبح من أجل من يتوقون لغد أجمل، ويناضلون لكي يمسهم الحلم من جديد: في بلادنا، وفي منافينا.