- تصميم: يوسف أيمن - المنصة

ما تعلمناه من محمد أبو الغيط عن الحياة والموت

منشور الأربعاء 7 ديسمبر 2022

رحل عنّا نجمٌ لامعٌ، ولكنَّ ضوءه باقٍ.

في مطلع هذا الأسبوع ذهب الكاتب الصحفي المصري محمد أبو الغيط إلى الضوء كما وصف نهايته (نهايتنا) الحتمية في عنوان كتابه المقبل "أنا قادم أيها الضوء"، الذي كان يأمل أن يوقعه بنفسه في معرض القاهرة للكتاب العام المقبل.

مات أبو الغيط بعد صراع شجاع مع السرطان طوال عام ونصف كان يبلغنا خلالهما بتطورات حالته الصحية، والنفسية، ومشاعره، وفيض محسوب ونافع من المعلومات حول أدق المسائل الطبية والتدخلات الكيميائية وتحديات التعامل مع الأطباء والمستشفيات والتأمين الصحي، وأخيرًا كيف كان يتهاوى قطعة قطعة حتى صرخ في آخر أيامه أنه بات يكره ذلك الجسد.

قدم لنا كل ذلك دون ذرة واحدة من استدرار الشفقة أو محاولة الصدمة أو الرثاء للذات.

كعادته في كتاباته منذ مقالته الأشهر في مدونته جدارية عام 2011 "الفقراء أولا يا ولاد الكلب" مزج أبو الغيط في فصول كتابه التي نشر قسمًا كبيرًا منها على صفحته في فيسبوك بين وصف دقيق وبارع للواقع مدعمًا بالأرقام والبيانات، وسياق هذا الواقع شعوريًا وعاطفيًا وثقافيًا. كتب عادة بأسلوب سلس متدفق ولغة رائقة غاص بها في قلب مسائل عميقة ومربكة دون أن يقع في فخ التبسيط المخل. وفعل ذلك كله وهو يتحدث عن موته، وعن الحياة التي عاشها.

ليس الصحفي العظيم ذلك القادر على التعامل البليغ والماهر مع اللغة والكلمات فقط، وليس هو صاحب الإصرار على معرفة وقائع ما جرى وإقناع المصادر بالحديث عنه وتوثيقه فحسب، لا يكفي أن يفهم تعقيدات سلوك البشر وأن يمتلك قدرات ذهنية فذة، بل أهم من هذا كله ومعه، يجب أن يكون صاحب بوصلة أخلاقية واضحة. وقد كان محمدًا هكذا وأكثر.   

وهذه الأخلاق دون تزمت، والتواضع دون اتضاع، والقدرة الفائقة على التواصل الإنساني والتعاطف الحق، هي كلها أسباب للحزن المنتشر في دوائر واسعة في منطقتنا على منصات السوشيال ميديا منذ صباح يوم الاثنين عندما ذاع خبر وفاته بعد غيبوبة استمرت أقل من ثلاثة أيام.

***

علاقتنا كلنا بالموت صعبة وثقيلة ومعقدة، من يؤمن منا بالحياة بعده ومن لا يؤمن. مفجع أن يتعامل الواحد مع الأبدية، مع ألا تكون هناك فرصة للاستئناف، للمراجعة، للقاء أخير، أن تنتهي الحياة كلها وندخل في عالم الشهادة أو المجهول.

واجهتُ الموت، مثل غيري، مرات عديدة في مناطق عملي في قلب صراعات مسلحة ووسط جماعات عنف وإرهاب وجيوش تنظر للبشر كخسائر عرضية، وبت لا أخاف موتي، ليس بشدة على الأقل، ولكن احتمال وواقع موت من أحب ما زال يهزني بشدة. ربما لأنه يتركني أواجه حياة منقوصة دونهم. وربما كان ذلك أحدث (وليس آخر) دروس محمد، وزوجته إسراء؛ عن كيفية التعامل مع رحيل من نحب.

كانت الكاتب الأمريكية جوديث ڤيورست Judith Viorst في كتابها "خسائر ضرورية" أو Necessary Losses، أول من علمتني التعامل مع الموت بشجاعة وإنسانية، وبطريقة تحول الرعب الفادح إلى خوف إنساني، والهروب المرضي إلى مواجهة حزينة وصحية، والموت إلى استمرار وليس قطيعة.

في كتابها تخلص ڤيورست إلى أن مواجهة الموت أفضل للحياة، عوضًا عن التهرب من حقيقته اليقينية، أو العيش مثلما يفعل الكثيرون وخاصة الطغاة والقساة والأنانيون، وكأن أجسادهم لن تشيخ ثم تموت. هناك فارق كبير بين التمسك الكريم بالحياة لأن الواحد يحبها ويعيشها بعمق، والتشبث المذل بها (للواحد وللآخرين) لأنه يرتعب لذكر الموت.

لكن محمدًا ذهب، ولم يعد لي، ولكم، سوى أن نقرأ ما كتب، وأن نبكي رحيله وخسارتنا الفادحة، ثم نواصل العمل والكتابة والتفكير والتعاطف

ليس هناك أبدًا وقت مناسب للموت، ولكن هناك طرق أفضل للعيش. وفي الواقع يموت معظم الناس مبكرين للغاية عما يريدون ويرغب فيه أحباؤهم، أو متأخرين بعد معاناة مع المرض أو الوحدة أو في وجه رغبة عارمة من آخرين في رحيلهم (الطغاة مثلًا).

ولكن كل تلك الأفكار أحيانًا لا تساعدنا كثيرًا في تقبل موت أصدقائنا ومن هم في منتصف العمر وذروة الإبداع والنشاط.

وكان ذلك من أهم دروس محمد لي. لا أعتقد أنه قرأ كتاب ڤيورست ولكنه قدم لي مثالًا عمليًا على تطبيقه ثم تعميق دروسه. هكذا فكرت وهو يريني حديقة منزله الصغيرة في الربيع الماضي، التي غرس فيها خضروات وأعشاب لم يكن أيٌّ منا نحن الاثنين متأكدًا أنه سيراها وقد أينعت أو صلب عودها ونمت في الربيع المقبل.

رأيتُ وأنا أسمعه يتحدث بشغف عن السماد والبذور كيف يمكن للواحد أن يؤمن بأهمية العمل والغرس لما يستحيل له أن يحضر حصاده. راقبت محمدًا وهو يساعدني في العمل على بناء أرشيف رقمي للتحولات السياسية في مصر والمنطقة، أرشيف لن يظهر بحق سوى بعد سنوات. كان يعمل بجد وحرفية ويخطط لمستقبل مشروع ممتد سيقوم به آخرون وهو عارف بموته الوشيك.

وأخيرًا تعلمت أكثر وأكثر من سلسلة مقالاته الرائعة عن الحب والألم والأمل والمرض منذ تشخيصه بسرطان المعدة في منتصف 2021.

كان محمد يعرف أن حياته ستستمر بشكل ما فينا وفيما يكتب وفيما يزرع وفيما سيترك لنا جميعًا من ذكريات ومبادئ ودروس.  

***

كان أول لقاء لي مع محمد على الهاتف في 2014 في القاهرة من أجل حوار تلفزيوني لبرنامج كان يعده. اعتذرتُ عن الحوار بسبب الظروف السياسية الملتبسة ورشحت له آخرين، ولكنه أصر بلطف أن نتحدث على الهاتف من أجل أن يتعرف أكثر على جوانب المسألة الحقوقية التي سيتناولها البرنامج، حتى لو لم أكن لأشارك فيه.

بعدها التقينا عدة مرات في مدن وبلدان أخرى، خاصة بعد 2015 عندما ذهب محمد إلى منفاه في لندن، وهو منفىً شبه إجباري اضطر إليه عدد من أبرع كتاب وصحفيي مصر في السنوات القليلة الماضية. وتعلمت مهنيًا من محمد عندما عملنا على أكثر من مشروع معًا منذ 2019، وكان لقاؤنا الأخير الطويل منذ أشهر قليلة.

وفي السنوات السبع الماضية تابعت كل إنجازات ونجاحات أبو الغيط المهنية، وقرأتُ كل ما كتب من تحقيقات استقصائية عن عوالم المنطقة السفلية ودناءاتها في دهاليز تجارة السلاح وتبييض الأموال. كان يعمل بجدية وتفانٍ رغم علمه أن تحقيقاته ربما لا تغير الكثير في واقعنا العربي شديد الاهتراء، ولكنه كان يؤمن أن على كل منا أن يقوم بما يجب عليه القيام به.

أنجز أبو الغيط كل ذلك في أقل من 35 سنة من العمر، وعلمنا الكثير الذي سيبقى معنا ومع آخرين سيأتون من بعدنا، خاصة في حديثه الأخير عن الموت، ذلك الحديث الذي نشره على صفحته قبل وفاته بأربعة أيام. خاطب محمد ابنه يحيي وخاطبنا:

***

لو كان محمد هنا لكتب مقالًا بديعًا عن الموت يتحدث فيه عما يجري للراحل في لحظاته الأخيرة عاطفيًا وجسديًا، عن الفزع، عن المقاومة، عن الاستسلام الجميل، عن ماهية الحياة وعن معنى الموت، جسديًا وروحيًا، عن لوعة الخسارة التي تجفف حلوق وتثقل قلوب الأصدقاء والأحباء والباقين، عن الحقائق العلمية لتلك المشاعر والتغيرات الكيميائية التي تسببها وتنتج عنها.

لو كان محمد معنا لوصف لنا بثبات وتفصيل وقائع وحقائق ما يجري، وآلمنا وأثار مشاعرنا بوصفه لأحاسيسنا عما يجري.

لو كان محمد قادر على أن يحادثنا لألهمنا بعض الفهم والصبر، بل وقوّانا، كما فعل معي من سرير مرضه، بصوته الذي أوهنه السرطان ووضوح بصيرته وقوة عزيمته وفهمه الثاقب والمركب للحياة، كما كان في حديث ألقاه بالفيديو لمنتدى في القاهرة قبل رحيله ببضعة أيام.

ولكن محمدًا ذهب، ولم يعد لي، ولكم، سوى أن نقرأ ما كتب، وأن نبكي رحيله وخسارتنا الفادحة، ثم نواصل العمل والكتابة والتفكير والتعاطف الحق الفاعل مع كل من وما حولنا لنجعل عالمنا مكانًا أفضل وألطف وأكثر رحمة.

هكذا كان محمد، وهكذا ينبغي أن نكون.