في عصر الانتاج الذهبي.. رحلات التحول من الغناء للتلحين

كانت صناعة النجم في تلك الفترة تعتمد على أسماء بعينها في التلحين والتأليف والتوزيع، استنادًا إلى نجاحاتهم السابقة. بل إن بعض شركات الإنتاج كانت تفرضهم على المطربين الجدد كضمانة لتسويقهم.

في فترة الثمانينات والتسعينات كانت الحياة الفنية تعج بالعديد من المواهب، غناءً وتلحينًا، ظهرت وقتها أسماء عدة انطلقت من بوابة الغناء ولكن لم يكتب لها النجاح، فحوّل أصحابها اتجاههم من الغناء إلى التلحين. وما لم يتحقق لهم من نجاح بالغناء؛ تحقق بما وضعوه من موسيقى.

يُستثنى من تلك الفئة اثنان فقط تحقق لهما النجاح في الغناء والتلحين، أولهما الراحل"رياض الهمشري"، ففي رصيده الفني أربعة ألبومات غنائية ناجحة ومئات الأغنيات الشهيرة، أما الثاني فهو "طارق فؤاد" الذي نجح كمطرب وكملحن أيضًا. وهما الوحيدان اللذان جمعا بين الصوت الجميل والقدرات التلحينية الفذة.

اقرأ أيضًا: رياض الهمشري.. عود من ذهب

أما القائمة الأخرى من المُغنين المتحولين كليًا للتلحين، فتضم عددًا أكبر من الأسماء نستعرضها في هذا التقرير.

حمدي صديق

بدأ "حمدي صديق" حياته الفنية كمطرب داخل أروقة جامعة الأسكندرية، وكون ثنائيً فنيًا مع زميل الدراسة "إيمان البحر درويش"، وقاما معًا بإحياء العديد من الحفلات. التقط المنتج "عاطف منتصر" إيمان البحر درويش من إحداها وبحث "صدِّيق" عمن يأخذ بيده لعالم الكاسيت، فالتقى بالموزِّع"يحيى خليل" الذي كان يبحث عن أصوات جديدة ليضمها إلى شركته التي أسسها بعد انفصاله الفني عن "محمد منير"، فأنتج لصدِّيق أول ألبوماته "عجبتيني" 1987.


كانت تلك الفترة تشهد تغييرًا كبيرًا في ذوق المستمع المصري، بعد اكتساح حميد الشاعري ومجموعته السوق الغنائي بشكل جديد للأغنية اعتمد على الكلمات السلسلة البسيطة والألحان الخفيفة والتوزيع الإيقاعي الراقص. لذا لم يلق ألبوم صديق نجاحًا يذكر، رغم أنه استعان بملحنين ذوي أسماء مهمة في الساحة الفنية وقتها مثل فاروق الشرنوبي وجمال لطفي والشعراء فؤاد حداد وشوقي حجاب بالإضافة إلى قيام فرقة يحيى خليل بالعزف وتولِّي يحيى نفسه مهمة التوزيع الموسيقي لأغاني الألبوم.


لم تُثن مبيعات الألبوم المحدودة حمدي صديق عن الاستمرار في طريق الغناء، فعاد للتعاون مع صديقه القديم إيمان البحر درويش، ليكون الصديق القديم مُنتجًا للألبوم الثاني لحمدي صديق.

أصدر صديق ألبوم "هانت" 1990 من إنتاج إيمان البحر درويش وفيه تعاون صديق مع أسماء بارزة من أبناء المرحلة الموسيقية الجديدة وعلى رأسهم حميد الشاعري، والشاعر عادل عمر والموزع فتحي سلامة.


في هذا الألبوم لحن صديق لنفسه أربع أغان دفعة واحدة، وكانت ألحانه تحمل تلك الروح الجديدة، ما أهله للانضمام لمجموعة المطربين والملحنين الذين اقتربوا من الشاعري فانتقل معه إلى شركة "هاي كواليتي" التي أنتجت له لاحقًا أشهر ألبوماته "عوَّام" 1993 بالمشاركة مع "فناني موسيقى الجيل".


يمكن القول إن صدِّيق لم ينجح كمطرب، ربما لافتقاره للوسامة أو الجاذبية الشكلية للمطربين، بالإضافة لكون صوته غير ُممَيَّز، ويظهر هذا في أغنيات ألبومه الأنجح. ترافق هذا مع ظهوره في وقت كانت فيه المنافسة على أشدها بوجود نجوم للصف الأول مثل عمرو دياب ومحمد فؤاد، ومعهم آخرون صنعوا شهرة في فترة زمنية قصيرة مثل مصطفى قمر وإيهاب توفيق"فقرر أن يتفرغ للتلحين.

لصديق ألحان شهيرة منها على سبيل المثال "تترجى فيا" لإيهاب توفيق ، "السود عيونه" لمصطفى قمر، "عمري ما اسيبك" لسميرة سعيد.

تكمن ميزة "صديق " كملحن في أنه يعرف كيف يصنع جملة لحنية بسيطة تعلق في الأذن بسهولة. ويمكن تسميته بملحن الإفِّيه، فهو دائم الإعتماد على جملة لحنية بسيطة تتكرر لتعلق في الأذن بسهولة، وهو أحد الملحنين المعروف عنهم التلحين "سماعي" دون الإستعانة بأى آلة.

اقرأ أيضًا: موسيقى الثمانينات مع ملوك الحصريات

مدحت الخولي

يمتلك الخولي العديد من المواهب الفنية، فهو شاعر وملحن ومطرب. بدأ احتراف الفن من بوابه الشعر بعد أن قدم لنبيل البقلي كلمات أغنية "خدعة" التي غنتها فرقة الحب والسلام في بداية الثمانينات. ثم استكمل مشواره الفني كمطرب من خلال ألبوم غنائي أطلقه بعنوان"راجع" 1987 من كلماته وألحانه وتوزيع مهندس الاكتشافات الجديدة في الثمانينات "هاني شنودة".

اقرأ أيضًا: نبيل البقلي.. رحلة "الحب والسلام"


فى أواخر الثمانينات كان الخولي بصدد الإعداد لألبومه الثاني، وقام بتسجيل العديد من الأغنيات منها "المريلة كحلي" ولحنها لنفسه من أشعار صلاح جاهين، ولكن عندما سمعها "محمد منير" تمسَّك بغنائها فتركها له الخولي. نجحت الأغنية نجاحًا مبهرًا ومهدت له الطريق لاحتراف التلحين لآخرين بعدما كان مكتفيًا بالتلحين لنفسه فقط. فأجل مشروع ألبومه الثاني وبدأ يغزو السوق الغنائي بأشعاره وألحانه، ونجحت له العديد من اﻷغنيات فقدم العديد من الأغنيات الناجحه مثل "بلاد طيبة" لأنوشكا، "ولا يهمك" لمحمد فؤاد، "طيارة ورق" لعلاء عبد الخالق .

في 1996 صدر ألبومه الثاني"مش لوحدك" من كلماته وألحانه وتوزيعه، الألبوم كان حالة خاصة جدًا من "الخولي" الذي كان يصنع أغنيات تفكك العلاقات الإنسانية بشكل جديد وعميق وبألحان بسيطة تتماهى معها.


كان في مخيلة الخولي العديد من المشاريع الفنية، منها إطلاق ألبوم غنائي لا يستخدم فيه أى آلة موسيقية كهربائية Unplugged فظهرت تلك التجربة مع المطرب علاء عبد الخالق في ألبوم "الحلم" ثم كون ثنائي فني مع المطربة "أمل وهبي" وقدما معًا حوالي ثلاثة ألبومات.

مؤخرًا عاد "الخولي" إلى مضمار الغناء مرة أخرى بعدة حفلات في الأوبرا وساقية الصاوي، وإن كان لا يزال يستمد شهرته الأصلية من التلحين.


عمرو طنطاوي

يستمد عمرو طنطاوي شهرته الفنية من كونه عازف الجيتار الرئيسي لفرقة عمرو دياب. بدأ حياته الفنية كمطرب وملحن على سبيل الهواية حتى التقى عمرو دياب وقدم له أول ألحانه على مستوى الإحتراف في أغنية "ويلوموني" لعمرو دياب، وقدم له في نفس الألبوم أغنية "العيون" المستوحاة من أغنية ماريا لفرقة جيبسي كينجز.

انطلق بعدها طنطاوي كملحن "ملّاكي" للهضبة، مع بعض الإلحان القليلة لآخرين مثل "دوبت دوب" لإيهاب توفيق ، "تيجى تيجي" لهشام عباس.

أصدر طنطاوي ألبوم وحيد في مسيرته عام 1999 بعنوان "أحلى حكاية" لكن لم يلق نجاحًا يذكر، ووضعه في مقارنة ظالمة مع الهضبة.


فابتعد عن الغناء فترة طويلةوحاول العودة مرة أخرى بعدة محاولات مع أحد المنتجين لكن لم تظهر تلك المحاولات إلى النور حتى الأن .


شريف تاج الدين

بدأ شريف تاج حياته الفنية كمطرب يمتلك موهبة التلحين، كانت صناعة النجم في تلك الفترة تعتمد على أسماء بعينها في التلحين والتأليف والتوزيع، استنادًا إلى نجاحاتهم السابقة مثل حميد الشاعري، الشاعر عادل عمر، والموزع طارق مدكور. بل إن بعض شركات الإنتاج كانت تفرض أصحاب هذه الأسماء على المطربين الجدد كضمانة لتسويقهم. لكن "تاج" قرر المغامرة، واعتمد على نفسه فى تلحين وتوزيع ألبومه الوحيد"فاكرك" عام 1993، بالإضافة إلا أنه استعان بعدة شعراء مغمورين لم يظهروا بعد ذلك.

لم ينجح الألبوم فى ترك بصمة مميزة لدى الجمهور ومر مرور الكرام. لم تكن ظاهرة المطرب الملحن شائعة في تلك الفترة، على عكس تاريخ الغناء العربي الطويل الذي كان مؤلفو الموسيقى على امتداده هم أنفسهم مؤدوها، بداية من إبراهيم الموصلي، وصولا لمحمد عبد الوهاب.

بدأت محاولات شريف تاج الدين في نول النجاح والشهرة كمطرب في وقت كان صك النجومية والشهرة فيه لا يُمنح إلا من خلال شخص واحد هو حميد الشاعري. وكل من نجح خارج هذا الإطار كان استثناءً لتلك القاعدة. وبالطبع لم يكنشريف تاج ضمن تلك الاستثناءات.

ألبومه الغنائي الوحيد كان بعنوان"فاكرك" الصادر في 1993. اعتمد فيه شريف على نفسه في تلحين وتوزيع الألبوم بالكامل، وشارك في كتابة كلماته عدة شعراء مغمورين لم يظهروا في أعمال فنية تالية.


هناك مثل إنجليزي يقول"من يعرف العديد من المهارات لا يجيد أيها- Jack of many trades; a master of none" ولو طبقنا تلك المقولة على "تاج" سنجد أن خامة صوته لم تكن بالجودة التي تضعه في مصاف النجوم الكبار ولم يكن في ألحان ألبومه بصمة موسيقية مميزة.

بعد ألبومه بعامين عاد مرة أخرى للتلحين من بوابة المطرب "هشام نور" فلحن له أغنية "تسأليني" ثم بدأ يوزع ألحانه على مطربين آخرين، لكن العلامة المميزة في مسيرته التلحينية هي تعاونه مع عمرو دياب في أغاني "تمللي معاك"و"قلبي" التي غناها دياب والشاب خالد و"أيام وليالي" لعامر منيب، "ليه سبتها" و"حبيتك ليه" لأنغام.

حسين محمود

هو أكثر من في هذه القائمة غزارة في الألحان. بدأ حياته كمطرب عبر ألبومه "روق"، لن تجد هذا الألبوم على الإنترنت، إذ لم يصبه طرف من حالة النوستالجيا التي أتاحت معظم أغاني الثمانينات والتسعينات على الشبكة.

الألبوم شهد أول ظهور فني للثنائي الفني أشرف عبده موزعًا ومصطفى كامل "شاعرًا"، لم يحقق الألبوم لصاحبه نجاحًا كمطرب، لكنه لفت الأنظار إليه كملحن ما دفعه لترك الغناء والتفرغ للتلحين.

أول ألحانه للغير كانت تجربة فريدة إذ اشترك مع حميد الشاعري في تلحين أغنية "امشي" للمطرب أمين سامي، وكانت أولى الأغنيات التي استعان فيها حميد بالوتريات. لحسين محمود ألحان كثيرة شهيرة مثل"وياك بحلم" عمرو دياب، و"يومين وعدوا" بهاء سلطان، "الحلم الجميل" هاني شاكر، "الأيام الحلوة" إيهاب توفيق.



في صناعة الغناء، يظل المطرب هو صاحب الشهرة الأكبر، ويتوارى في ظله بقية صناع العمل، مع استثناءات قليلة. وقد يبرر هذا عدم شهرة ملحن بحجم الراحل محمد القصبجي قياسًا على شهرة عبد الوهاب الذي يلحن ويغني في نفس الوقت.

ظهر هؤلاء الملحنونفي فترة ازدهار صناعة الغناء ووجود مئات من شركات الإنتاج الموسيقي. وكانت الطرق في الثمانينات والتسعينات ممهدة لتحقيق النجاحات. لكن ماحدث معهم كان العكس تمامًا، فلجأوا للتلحين كي يظلوا في المشهد الموسيقى وإن لم يتقدموا لصدارته كزملائهم ممن نجحوا كمطربين. ويمكن تلخيص أسباب عدم توفيقهم كمطربين في قلة الدعاية لألبوماتهم لحساب ألبومات أخرى، وافتقار بعضهم للكاريزما أو الوسامة، أو تشتتهم بين الغناء والتلحين وكتابة الأغاني. أو أن بعضهم لم يجد هويته الفنية في الغناء فقرر التركيز على التلحين فقط.

والمتابع الجيد لفن هؤلاء سيجد أن ألحانهم حققت نجاحًا كبيرًا، فمدحت الخولي صنع شهرته الفنية من التلحين لمحمد منير، وحمدي صديق لا يمتلك كاريزما المطرب لكنه يصنع ألحانًا تعرف متطلبات النجاح والانتشار وتعلق في آذان المستمعين بسهولة. وشريف تاج أهداه التلحين النجاح من خلال تجاربه المهمة مع أنغام وعمرو دياب، بينما حقق عمرو طنطاوي شهرته الأكبر من استمراره في التلحين لعمرو دياب بالإضافة إلى أنه عضو مهم جدًا فى فرقته. وفي حالة حسين محمود؛ سنجد أن ألحانه كانت تُطلب باستمرار من المطربين، فلم يجد متسع من الوقت للغناء.