مايو 68.. "الليلك" اللي فتَّح في حواري باريس

كان مطالبات الشباب تعكس توقهم لنزع الوصاية الأبوية عن الحرية الفردية.

تمر على فرنسا في هذا الشهر الذكرى الخمسون للاضطراب المجتمعي الأهم في القرن العشرين، حراك مايو 68، وذلك في وقت تشهد فيه البلاد حركة اعتراض واسعة ضد مشروعات مطروحة من قبل حكومة ماكرون، هدفها إعادة النظر في قوانين العمل والمكتسبات الاجتماعية للطبقة الوسطى. تلك المكتسبات التي كان حراك مايو ترسًا مهمًا في النضال للوصول إليها.

في مايو 1968 بدأ حراك الطلاب الجامعيين الفرنسيين ليصبح العلامة الأبرز فيما عُرف عالميًا بثورة الشباب. وقتها، لم يتصد الشباب الفرنسي لقوات حفظ أمن الجمهورية فحسب؛ بل أيضًا لقبضة الحكومة القابضة على مفاصل الحياة والفكر العام.

تجمع طلابي. على اللافتة نقرأ "الثورة هي أن يصبح الاستثنائي عاديًا"- مجلة كونتراتمبس

يبدو هذا قريب الشبه بالحراك الشعبي الذي شهدته المنطقة العربية منذ أعوام، وخصوصًا ثورة يناير 2011 التي كان جيل الشباب نواتها، رافضًا حَمْل إرث عقود من التدجين السياسي والمجتمعي. وكما ساهم الإنترنت وكاميرات المحمول في إيصال صوت الشباب و حشد التأييد له في 2011، فقد استفاد حراك مايو من تقنية مهمة يومها، وهي الراديو الترانزيستور. فبفضلها خرج الراديو من المنازل والمكاتب وانتشر في الشوارع وعلى الشواطئ، ما زاد من شعور الفرد بالاستقلال والاعتزاز بذوقه الخاص.

إعلان لراديو ترانزيستور يعود لعام 1956 - فليكر

" اقتربت امرأة [من المسيرة] ومعها راديو ترانزيستور مضبوط على موجة إذاعة "أوروبا 1"، وسمعت أن ثلاثين شخصًا اعتصموا في مكان قريب. وعيت وقتها أن فرنسا كلها تنصت لنا، أننا أصبحنا موصولين بالعالم. بعد سنوات من الأكاذيب نسمع أخيرًا على الراديو حقيقة ما يحدث". شهادة أحد الشباب المشاركين في حراك مايو 68.

كانت معركة جيل كامل، وكان على الحكومة وضع حد لذلك.

قد تبدو المقاربة بين مجتمع أوروبي له تاريخ مهم في النضال والحريات ومجتمعات الشرق الأوسط صاحبة التاريخ المستمر من التسلط والقمع؛ مقاربة غريبة. لكن في الحقيقة فإن المجتمع الفرنسي لم يكن بعيدًا عن المجتمعات المحافظة الأبوية التي تتحكم بالمجال العام و تمارس الوصاية على المواطنين وتحدد لهم ما تتوجب معرفته.

تلك الوصاية التي فرضتها سياسات ما يعرف بالحقبة الجولية، حيث كان الجنرال شارل دي جول يقترب من السنة العاشرة لرئاسته الجمهورية الفرنسية. وكما علَّمنا التاريخ، فإن ازدياد التوتر والاحتقان المجتمعي غالبًا ما يرتبط بالحالة الاقتصادية. فبالرغم من انتعاش اقتصادها بعد الحرب؛ إلا أن اقتصاد فرنسا بدأ يدخل في مرحلة الانكماش. كما ساهم ازدياد الهجرة من الريف للمدينة في تضاعف أعداد الطلبة، فلم تعد الجامعات تستطيع تقديم المستوى ذاته من الخدمات والتعليم. فوجدت فرنسا نفسها -بعد فقد الجزائر- تتحول من امبراطورية استعمارية قديمة إلى دولة مأزومة تواجه عصرًا جديدًا لم تستعد له.

من فيلم the battle of ِِAlgiers - فيلم روائي عن معركة تحرير الجزائر 

كانت الستينيات على مستوى العالم حقبة الشباب بحق، ذلك الجيل الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية وبعد انهيار إيديولوجيات التفوق القومي، رضع الوعي بترابط مصير العالم ونشأ على أصداء محاكمات تحدث لأول مرة في التاريخ البشري لمجرمي الحرب. ذلك الجيل الذي عاين على شاشات التلفاز رعب مشاهد حرب فيتنام كما شارك في حلم السفر للفضاء، حمل ذلك الجيل ثقافته الخاصة وأفكاره المختلفة حول العدالة الاجتماعية ورفض الحرب والحرية الجنسية. وعلى عكس ما دفعت به الحكومات وقتها - ولا زالت تدفع به إلى الآن كلما ثار الشباب- لم يكن غضب هؤلاء يدًا لمؤامرة خارجية تخريبية، بل غضبًا وليدًا لعصرهم وابنًا لأحداثه.

في تلك الليلة عرفت فرنسا أن أبناءها يواجهون السلطة، كما علمت السلطة تسحل الأبناء وتعتقلهم وتفرق تجمعهم بغاز مسيل للدموع.

عام الغضب

كان لعام 1968 نصيبًا وفيرًا من النضال المجتمعي، وخاصة الطلابي، على مستوى العالم. فشهدت بداية العام اضطرابات عنيفة في اليابان بين النقابات الطلابية الرافضة لاستعمال أمريكا للبلاد كمحطة عسكرية في حربها في فيتنام، وذلك إثر وصول حاملة طائرات أمريكية لأحد الموانئ اليابانية، لتتصاعد المواجهات حتى تصبح أقرب لحرب أهلية مع تدخُّل النقابات العمالية لصالح الطلاب. وفي أكتوبر من العام نفسه، خرج 800 ألف متظاهر في الشوارع ضد قانون منع التظاهر.

طلاب تشيكوسلوفاكيا يتحدون الدبابات السوفيتية في ثورتهم السلمية - ربيع براج 1968

شهد فبراير كذلك بزوغ "ربيع براغ" في تشيكسلوفاكيا إذ خاض الطلاب صراعًا ووجه بالدبابات، للمطالبة بإنهاء الاحتلال السوفيتي لبلادهم. بينما احتل الطلاب في إيطاليا جامعاتهم في اضطرابات مجتمعية عبرت عن انقسام المجتمع بين فاشيست ويساريين.

في فبراير أيضًا خرج طلاب الجامعات في مصر مع عمال حلوان في احتجاجات على الأحكام المتهاونة على الجنرالات المتسببين في خسارة الحرب، وعادوا لمظاهراتهم في نوفمبر من العام نفسه بعد فترة تهدئة من السلطة، وجد الطلاب خلالها عدم جدية في التعامل مع مطالبهم الخاصة بالديمقراطية والعدالة واستعادة الأرض المحتلة، وكان لانتفاضتهم أثرًا في خروج برنامج وضعه عبد الناصر للتحول نحو الديمقراطية لكنه لم ينفذه، كما لم ينفذه من جاءوا بعده.

اقرأ أيضًا: شهادة على ثورة مبكرة.. انتفاضة 1968 في الجامعات المصرية

أما في الولايات المتحدة؛ ففقدت الحركة الطلابية ثلاثة من أبنائها خلال مظاهرات ضد الحرب في فيتنام، وأخرى مناهضة للفصل العنصري والمطالبة بالحقوق المدنية. وكان الطلاب في القلب من حركة الحريات المدنية التي وصلت ذروتها في هذا العام.


في مارس، بينما تجمع الطلاب في تونس لمطالبة حكومة بورقيبة بفك أسر الناشط اليساري محمد بن جانيت، كانت جامعات البرازيل تعيش اضطرابات بعد مقتل أحد الطلاب في مواجهات مع الشرطة. وكما فرنسا، كانت المطالب تندد بسياسات التعليم الحكومية. وفي أبريل تصاعدت في ألمانيا حدة المظاهرات بعد إصابة ناشط طلابي في أحد المسيرات ضد فرض قانون الطوارئ وضد الظروف الاقتصادية السيئة التي يحياها الطلاب.

وفي المكسيك تعرض الطلاب المحتجون لمدة أشهر ضد سوء توزيع الثروة وفساد الحزب الحاكم لقمع من الحكومة، ففي أكتوبر حاصرت قوات الجيش والشرطة المكسيكية 8000 طالب وقامت الشرطة بإطلاق النار الحي لتفريقهم فيما عُرف بمجزرة تلاتيلولوكو.

كان مطالبات الشباب تعكس كل أزمات مجتمعاتهم سواء الطبقية أو السياسية، لكنها أيضًا كانت تؤسس لتوقهم لنزع الوصاية الأبوية عن الحريات الفردية. فبينما كانت المظاهرات في أمريكا تطالب بالحقوق المدنية للسود وتناهض قوانين الفصل العنصري، وخرجت كيبك الكندية من سيطرة الكنيسة الكاثوليكية؛ تم تشريع استخدام حبوب منع الحمل في الولايات المتحدة.

"بفضل تقاريرنا، بالصوت وبالشهود، فهمت فرنسا أن عنف الشرطة ليس مجرد اختراع"

لم يكن الشباب الفرنسي بمعزل عن العالم من حوله، وكانت المطالبات و الاضطرابات تتكرر في صور أحداث صغيرة بعيدة عن المشهد العام حتى بداية مايو 1968، عندما انتشرت دعوة للاعتصام في جامعة نانتر استهجانًا لمنع الإدارة الذكور من دخول المسكن المخصص للإناث.

ردت الجامعة بإغلاق أبوابها، فانتقل الاعتصام للسوربون، التي في محاولة لتلافي مواجهات قد تحدث مع حركات اليمين المتطرف؛ قرر رئيسها إغلاق أبوابها واستدعى قوات حفظ أمن الجمهورية لإخلاء الطلبة الـ500، الذين واصلوا احتجاجهم في الشارع. لتبدأ مشادات وتحاول قوات الأمن تفريقهم باعتقال بعضهم، فتحتقن الأجواء ويتدفق باقي الطلبة لمساندة رفاقهم في الحارة اللاتينية.

قوات حفظ أمن الجمهورية في شوارع باريس 1968

في ذلك الوقت كان الإعلام الفرنسي حكوميًا تمامًا، ويعتمد توصيات مسؤولي الدولة لتحديد ما يمكن للشعب الفرنسي معرفته والاطلاع عليه. وبالرغم من انتشار التلفزيون كمظهر من مظاهر المجتمع الاستهلاكي إلا أن القناة التلفزيونية الحكومية الوحيدة ORTF كانت تخضع مباشرة ليد الحكومة الثقيلة، فتعنى ببث أخبار الزيارات الرئاسية والقرارات الحكومية. كذلك كان الأمر بالنسبة للراديو الحكومي الرسمي فرانس-انتر، بينما كانت بعض المحطات التي تعمل من خارج الأراضي الفرنسية -ورغم تبعيتها لمؤسسات حكومية- تتمتع بسياسة تحريرية أكثر رحابة، لكونها بعيدة عن القبضة المركزية للحكومة الفرنسية.


تسجيلات صوتية للحراك كما أذيعت على راديو أوروبا 1. في الدقيقة 5 و43 صوت المراسل جيل شنايدر ينقل أحداث 3 مايو أول مواجهة بين الطلاب والشرطة

اقرأ أيضًا؛ معايير الأعلى للإعلام: قليل من التنظيم.. كثير من الرقابة

كاريكاتير عن وصاية الحكومة على التلفزيون، يُظهر ديجول حاملاً تلفزيون مكتوب فيه "صوت صاحبه" - راديو الثقافة الفرنسية

هل تواطأ صحفيو الراديو الشباب مع أبناء جيلهم فقرروا مساندتهم في معركتهم ضد سلطة المكاتب؟ أم بدأ الأمر كله بالصدفة لتسحبهم رياح التغيير معًا؟ المؤكد أن أن شاهد جموع الطلبة تشتبك مع قوات الأمن؛ حتى اتصل بسرعة بالمحطة ونقل مباشرةً على الهواء تفاصيل المظاهرة التي تتشكل أمامه "المناخ متوتر وصعب جدًا. هناك ما بين 20 و 30 ألف شاب مجتمعين في الحارة اللاتينية. لقد تم تحطيم الرقم القياسي للزحام".

في تلك الليلة عرفت فرنسا أن أبناءها يواجهون السلطة كما علمت السلطة تسحل الأبناء وتعتقلهم وتفرق تجمعهم بغاز مسيل للدموع.

"بفضل تقاريرنا، بالصوت و بالشهود، فهمت فرنسا أن عنف الشرطة ليس مجرد اختراع"

قوات الأمن تسحل طالبًا في الحارة اللاتينية، باريس، مايو 1968  - موقع مخصص لرصد اعتداءات الشرطة على المواطنين الفرنسيين

وهكذا، وبين ليلة وضحاها، استُبدلت برامج المخابز والطهو بتقارير مباشرة من قلب الحدث، تنقل تفاصيل الاجتماعات والقرارات والنداءات للتجمع.

تابع الفرنسيون لحظة بلحظة تفاصيل الغضب الذي يجيش في صدور أبنائهم، كما كان الراديو لهؤلاء المنتفضين في قلب المعركة جسر الوصل بينهم وبين العالم حولهم. "إنها أول مرة يتظاهر فيها أحدهم وقد جذب راديو ترانزيستور إلى أذنه"، صرح أحد المراسلين الذين عاصروا الحراك. في هذا الوقت استمرت التوجيهات الحكومية تطالب القناة التلفزيونية الوحيدة بقطع بث التقارير أو عدم نشرها أصلاً، والتعتيم على نقل أي صورة لما يحدث في الشارع.

مراسل راديو RTL على سيارة بث أثناء مواجهة مع الشرطة ,في الخلفية سيارة إرسال لراديو Europ 1. - راديو لا ليتر

رغم ذلك كله كان بعض الصحفيون يحاولون الالتفاف حول التوجيهات بإجراء مقابلات في استديوهات التلفزيون مع بعض النشطاء الطلبة. كان معظم الصحفيين شبابًا من شريحة عمرية قريبة جدًا للطلاب، كما كانوا مثلهم يعاينون ويعانون من يد السلطة الطولى، وسياساتها الاقتصادية غير العادلة. لقد كانت معركة جيل كامل، وكان على الحكومة وضع حد لذلك.

شاب وراء متارس خشبية جمعها من لافتات إعلانية و أحجار الطريق. باريس - صحيفة لا كوريير استراليان

كان بومبيدو رئيس وزراء الحكومة ذو التوجهات المحافظة يدير الأزمة على الطريقة التقليدية؛ فتارةً يتهم الطلبة ذوي المطالب الثورية بأنهم يساريون متواطؤون مع السوفييت، وتارة يصدر أوامر بالتعتيم الإعلامي بمنع سيارات البث ومنع الصحفيين من الاقتراب من مناطق التجمعات. كما أعلن صراحة في خطاب له في 14 مايو أمام البرلمان بتواطؤ الصحفيين مع المتظاهرين.

استعدى بومبيدو الراديو رغم أنه يدرك جيدًا مدى قوته، وقد كان الراديو بالفعل واسطة تقنية مهمة للمرابطين في شوارع باريس.

اعتصام الطلاب في السوربون 1968

"بفضل الراديو أصبح الخوف أقل تأثيراً علينا. خلف المتاريس. كنا واثقين، لكن تدور في أذهاننا أسئلة حول أهمية ما نفعل. وعندما نسمع الأخبار القادمة من الآر تي إل تشتد عزيمتنا". ذكرى أحد الطلبة المشاركين والتي تم تسجيلها في عام 1999 عن دور الراديو في التاريخ.

لم يكن ليخفى عن الفرنسيين أهمية ما يقوم به الشباب لوضع حد لتسلط الحكومة وإقرار مبدأ الندّيّة وليس الوصاية في العلاقة بين الشعب والجكومة، فجاء الدعم للشباب من الطبقات الأكثر تنظيمًا: النقابات العمالية؛ في 10 مايو، وبعد مواجهات مباشرة نتج عنها جرحى، أعلنت النقابات عن عزمها مناصرة الطلبة ودعت لإضراب عام شارك فيه 7 مليون شخص، وأدى إلى شل الحركة في فرنسا.

اعتصام الطلاب في باريس 1968

كانت فرنسا على مشارف ثورة، فاعتصم الطلاب مسرح الاوديون odéon وفي المدرسة الوطنية للفنون الجميلة لتنظيم أنفسهم وتأسيس تصوراتهم للمرحلة القادمة. لكن حكومة بومبيدو، ومع تصاعد المخاوف بنزوح رؤوس الأموال عن فرنسا، بدأت بتحركات سريعة لتهدئة الوضع على محورين أولهما إبعاد الحليف الأهم للطلبة، فتم عقد اتفاق جرينيل مع النقابات، وحصل بموجبه العمال على مطالب مهمة منها زيادة الحد الأدنى للأجور، وتقليص ساعات العمل الأسبوعي بالتدريج لتصل لـ40 ساعة وتخفيض عمر التقاعد.

أما المحور الثاني؛ فكان تهييج الشارع على الطلبة وإظهارهم بمظهر المتمردين المسيئين للدولة ورموزها. وتم السماح للقناة التلفزيونية بتصوير احدى المواجهات مع الطلبة وإظهار أعمال الشغب والتكسير لتقديمهم كمتمردين طامعين لا يكتفون أبدًا مهما قدمت الحكومة من تنازلات، بالإضافة للتركيز على تململ الناس من توقف أعمالهم وحياتهم "عجلة الإنتاج".

طلاب فرنسيين خلف حاجز من العربات المحطمة يتفادون به رصاص وهراوات الشرطة

بالفعل تراجع الدعم الشعبي للطلاب، وتم فض الاعتصامات في الكليات، كما تم إبعاد بعض الناشطين المهمين. ولكن بالرغم من ذلك؛ كان هذا الحراك نواة لتغييرات اقتصادية واجتماعية وسياسية مهمة، فلم تعد الأمور لما كانت عليه قبلاً، فازادت أهمية الرأي العام في الأحداث، كما حصل الموظفون والعمال على شروط عمل أفضل.

ساهم الحراك أيضا في صعود الخطاب النسوي في مجتمع محافظ، كان دور المرأة ونجاحها فيه يقتصر على الزواج وتربية الأبناء. فالفتيات اللواتي خرجن يدًا بيد مع رفاقهم لمواجهة الأمن لم يعدن يقبلن بتقاليد بالية كمنع ارتداء البنطلون في المدراس، أو الصمت عن حقوق أوسع كحصصهم في سوق العمل. أما من ناحية الإعلام؛ فقد رُفعت يد الحكومة عن الإعلام، وجرى التأسيس لسياسة إعلامية تعتمد البرامج الحوارية ومواكبة الأحداث.

أثّر الحراك أيضًا في الحياة السياسية الفرنسية، ورغم استفادة كل من الجوليين، نسبة للجنرال دي جول، والمحافظين من النتائج المباشرة للحراك؛ إلا أنه سرعان ما انحسر دور اليمين المحافظ بشكل كبير. كما لا زالت حتى اليوم تُستعاد ذكرى هذا الحراك وأهمية الدروس المستفادة منه.

أحد رسوم الجرافيتي الحالمة لحراك مايو 68 "تحت الرصيف، الشاطئ" - دورية ميدابوليس

واجه الشباب السلطات لأنهم رفضوا الخضوع والسكوت عن ما اعتبروه حقوقًا لهم. أرادوا العيش بكامل الحرية، فأهدوها لمجتمعهم، بعد نضال واجهوا فيه قمعًا واستهانة وتخوين، وهو الثمن المعتاد للوقوف في وجه ريح السلطة.

في روايته الأشهر "البؤساء"، يصف فيكتور هوجو مرح الشباب في باريس ولهوهم وكسلهم قبل الثورة الفرنسية (القرن 18)، لكنه يُكمل في ما يمكن اعتباره نبوءة لدور الشباب، كل الشباب للعصر القادم:

"ملحميٌ هو شعره المليء بالغضب،

قميصه يصبح رداء حرب.

فخذ حذرك.

عندما تحين الساعة،

سيكبر هذا البرجوازي،

وينهض هذا الرجل الصغير،

سينظر برهبة،

تتحول أنفاسه لعاصفة.

ومن صدره الرقيق تخرج رياحٌ تحرك جبال الآلب".


أغنية صادرة في الولايات المتحدة عام 1968- واحتلت المركز 8 في قائمة بيبلورد لأنجح أغاني 1968