جوائز الدولة.. تقدير للمبدعين أم مكافأة سياسية؟

المتابع للمشهد، يجد أن المعارضة السياسية الفاعلة، كانت تعني ببساطة الاستبعاد من فرصة الفوز بجوائز الدولة

قبل الاسترسال في هذا التحليل، أجد أنه من اللائق أن أنوه إلى أن مساءلة دوافع وأسباب الجهات المانحة للجوائز الثقافية، عادة ما ينظر إليه باعتباره إهدارًا للطاقة والوقت فيما هو معلوم بالضرورة، خاصة إن كانت هذه الجهة المانحة "دولة" بكل ثقلها السياسي والأمني. ينطبق هذا على جوائز الدولة لعام 2017، التي أعلن المجلس الأعلى للثقافة نتائجها في وقت متأخر من يوم الثلاثاء الماضي.

لكن ما دعاني إلى هذه الزيارة التحليلة التي تبدو للبعض مترفة، هو ظني بأن الأقرب إلى المنطق واحترام العقل بعد سنوات من إقصاء القيمة الإبداعية المجردة؛ هو مساءلة الحدث برمته، في محاولة للإجابة على السؤال القديم: هل هذا الجوائز تنطوي على تقدير حقيقي للإبداع والإسهام الفكري؟ أم أنها ترضيات ومكافآت "نهاية خدمة" للمثقفين والمفكرين الذين خدموا الدولة بإخلاص. ويبقى الوارد بهذا التحليل رؤية شخصية لهذا الحدث السنوي الذي تتكرر فيه الأسماء والأسئلة.


النتائج التي أعلنت عنها وزارة الثقافة المصرية، ممثلة في المجلس الأعلى للثقافة، مساء الثلاثاء الماضي، شملت فوز العديد من الأسماء في مجالات مختلفة، أبرزهم؛ مراد وهبة الفائز بأرفع الجوائز "جائزة النيل" وتبلغ قيمتها نصف مليون جنيه وفاز بها في مجال العلوم الاجتماعية وفاز بها صلاح فضل في الآداب، ومصطفى الرزاز في الفنون، وفاز التشكيلي السوري يوسف عبدلكي بجائزة المبدعين العرب. وبإمكانك العودة لأبواب الثقافة في الصحف والمواقع الإخبارية لمعرفة الأسماء الحائزة على باقي الجوائز التقديرية والتشجيعية.

قبل الخوض في حيثيات منح الجوائز لرموز الفائزين هذا العام، واستشفاف الأبجديات السياسية التي تحكم الترشيحات والانتقاءات وجلسة التصويت، سرية كانت أو علنية، ثمة رحلة من المفيد ارتيادها، وهي الإبحار في تاريخ جوائز الدولة منذ إنشائها حتى اليوم، وتقسيم هذا التاريخ إلى مراحل، آخرها "اللعب على المكشوف".

تأسست جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية بموجب القانون (37) للعام 1958، وأضيفت جائزتا مبارك والتفــوق بموجب القانون (24) للعام 1998، ثم تعدل مسمى جائزة مبارك إلى جائزة النيل بموجب قرار مجلس الوزراء في أبريل 2011. وتعد السنوات الخمس الأخيرة من عمر جوائز الدولة هي الأكثر فجاجة في تحولها إلى ترضية أو مكافأة نهاية خدمة أو مقابل للموالاة السياسية، ويتم توزيع هذه المغانم بسياسة الدور، بنظام أشبه بالجمعية التي "يقبضها" كل مستحق في موعده، على أن السمة الأكثر تمييزًا لهذه الدورات الأخيرة هي المجاهرة بتلك المعايير غير الفنية، وعدم الخجل من افتضاحها.

ما قبل "مكافآت" الدولة الثقافية

قبل مرحلة السنوات الخمس الأخيرة، يمكن تقسيم تاريخ جوائز الدولة التقديرية في الآداب إلى عدة مراحل، هي: مرحلة الانطلاق والالتزام، وتمتد من أواخر الخمسينيات حتى نهايات الستينيات من القرن الماضي، في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر. تتسم هذه المرحلة بمنح الجائزة لأصحاب الأقلام الرصينة المتحققة من الرواد وكتاب الصف الأول، الذين تعنى أدبياتهم بالجماليات النوعية، بعيدًا عن المشاكسة السياسية المباشرة في الوقت نفسه.

من الفائزين في هذه المرحلة: طه حسين (1958)، عباس محمود العقاد (1959)، توفيق الحكيم (1960)، أحمد حسن الزيات (1961)، محمود تيمور (1962)، محمد فريد أبو حديد (1963)، عزيز أباظة (1964)، أحمد رامي (1965)، يحيى حقي (1967)، ونجيب محفوظ (1968).

في سبعينيات القرن الفائت وفي عهد السادات، جاءت مرحلة صارت فيها العلاقة المباشرة بالرئيس مسوغًا في منح الجائزة، خاصة في مجال الآداب، فضلا عن الدور الذي لعبته المواقف السياسية المنحازة للرئيس ورؤاه في تأهُّل الكتاب لنول الجائزة. كذلك كان لخلفيات الكتاب دور في حصول أيهم على الجائزة، كأن يكون عسكريًّا مثلًا أو صحفيًّا من رجالات المؤسسة، أو عمل وزيرًا منفذًا سياسات الحكومة.

في هذه الحقبة، نال يوسف السباعي الجائزة التقديرية في العام 1973، وهو صاحب الكتابات الرومانسية ضعيفة المستوى بتقييم أغلبية النقاد، لكنه في الوقت نفسه كان مدير المتحف الحربي والعسكري الذي وصل لرتبة عميد، ورئيس تحرير "آخر ساعة" ورئيس مجلس إدارة دار الهلال، ونقيب الصحفيين، ثم وزير للثقافة بدءًا من مارس 1973. في هذا المقام نتذكر وزيرًا آخر لم يتوان عن منح الجائزة لنفسه من خلال المجلس وهو محمد صابر عرب وزير الثقافة الأسبق.

في عهد السادات الذي استمر فيه تفجر الجماعات الأدبية والفنية المستقلة، والتي تولدت عنها مواهب كبيرة مثل أمل دنقل ومحمد عفيفي مطر وأمجد ريان وأحمد فؤاد نجم، لم يحصل أي من أصحاب هذه المواهب المهمة و"اللسان الطويل" على جوائز الدولة التشجيعية رغم أنهم كانوا جميعًا ممن تنطبق عليهم شروطها كشباب مبدع ومجدد، وعوضًا عن هذا؛ كانوا ضيوفًا على المعتقلات ونالوا بدلا من الجوائر علامات التعذيب.

بينما كان أصحاب الجوائز الذين نالوها في عهد السادات؛ إما بعض من أصحاب الإسهام الأدبي الرفيع مثل عبد الرحمن الشرقاوي (1974)، أوأكاديميون يسيرون على النهج، أو معجميون محافظون، أو منظرون محايدون في الفكر والفلسفة، مثل زكي نجيب محمود (1975)، محمد مهدي علام (1976)، سهير القلماوي (1977)، عائشة عبد الرحمن (1978)، شوقي ضيف (1979).

على النهج ذاته، بتفاصيل أخرى، تأتي حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، في عهد الرئيس الأسبق مبارك، فالفائزون بالتقديرية في الآداب كانوا من المحافظين واللغويين والفنيين المجردين، وأيضًا من المعادين للاشتراكية وللتجربة الناصرية، كما أن منهم "موظفين حكوميين" من أهل الثقة قبل الكفاءة والمهنية والابتكار، ممن تولوا مناصب عليا في وزارة الثقافة وحقائب وزارية.

هذه المرحلة شهدت منح التقديرية لأسماء من قبيل: ثروت أباظة (1982)، أحمد هيكل (1984)، عبد القادر القط (1984)، يوسف جوهر (1985)، حسين نصار (1986)، سعد الدين وهبة (1987)، وغيرهم.

أما المرحلة اللاحقة، في عهد حسني مبارك، فهي التي تولى فيها فاروق حسني وزارة الثقافة (1987-2011)، ومن ملامح قائمة جوائز الدولة التقديرية في هذا العهد محاولة إيجاد التوليف الذكي بين مبدعين مستقلين غير مسيسين، لهم تجارب متحققة ناضجة، وآخرين قاموا بدور المعارضة في عهود سابقة (كاليساريين في فترة حكم السادات مثلًا الذين اتسع لهم حضن الحياة الحزبية في عهد مبارك)، بالإضافة إلى أبواق السلطة ومناصريها المباشرين بطبيعة الحال من الكتّاب والإعلاميين، وهم الأكثرية بين الفائزين.

هذه الرغبة في الإيهام بالتنوع والتعددية، أفسحت المجال في عهد فاروق حسني لمنح الجائزة التقديرية لشخصيات كثيرة وفق الخريطة السابقة، من بينهم: شكري عياد، لويس عوض، طاهر أبو فاشا (1988)، إحسان عبد القدوس، فاروق خورشيد، مصطفى الشكعة (1989)، يوسف إدريس، أحمد السعيد سليمان، محمد التهامي (1990)، محمد زكي العشماوي، كمال بشر، علي الراعي (1991)، الطاهر أحمد مكي، محمد السعدي فرهود (1992)، يوسف خليف، لطفي الخولي، محمود مكي (1993)، فتحي غانم (1994).

ومن الفائزين بالتقديرية أيضًا في أواخر التسعينيات حتى 2010، وفق التوليفة ذاتها: مصطفى محمود، فاروق شوشة، غالي شكري، أحمد عبد المعطي حجازي، محمود أمين العالم، إدوار الخراط، صلاح فضل، يوسف الشاروني، عبد الرحمن الأبنودي، رجاء النقاش، محمد عناني، فاروق جويدة، محمد الجوادي، عبد المنعم تليمة، محمد مستجاب، سمير سرحان، جمال الغيطاني، إبراهيم عبد المجيد، جابر عصفور، يوسف القعيد، نصار عبد الله، هناء عبد الفتاح، فؤاد قنديل، عبد الوهاب الأسواني.

والمتابع للمشهد، يجد أن المعارضة السياسية الفاعلة، كانت تعني ببساطة الاستبعاد من فرصة الفوز بجوائز الدولة، مثلما حدث مع بهاء طاهر مثلًا الذي كان مرشحًا بقوة في إحدى الدورات، وجرى استبعاده بسبب انخراطه في نشاطات "الحركة المصرية من أجل التغيير" (كفاية)، التي بدأت تقوم بدور ملموس على الأرض في العام 2004.

اللعب على المكشوف

"الصراحة المقيتة" في إدارة لعبة الجوائز بدأت في التجلي في الدورة التي أُعلنت نتائجها في أغسطس 2013، بعد شهر واحد من إزاحة الإخوان المسلمين. وكان من أبرز الفائزين فيها بجائزة النيل "الأضخم": الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي (الآداب)، ومحفوظ عبد الرحمن (الفنون) ومصطفى العبادي (العلوم الاجتماعية).

تربيطات 2013، تم الكشف عنها في جلسة تصويت العام التالي 2014، حين عاد جابر عصفور لمنصب وزير الثقافة، وتولى سعيد توفيق الأمانة العامة للمجلس الأعلى للثقافة، ففي أثناء إجراء أعضاء المجلس التصويت النهائي لمنح الجوائز في يونيو 2014، دار حوار جهري معلن تناقلته وسائل الإعلام بين أحمد عمر هاشم، عضو المجلس، وأحمد عبد المعطي حجازي، فعلى طريقة "شيّلني وأشيّلك" قال هاشم لحجازي: "لقد كنتُ من المتحمسين لك العام الماضي، فأرجو ألا تنساني اليوم في التصويت".

أحمد عبد المعطي حجازي - ليالي رمضان الثقافية 2009

وبالفعل، مثلما فاز حجازي بجائزة النيل في الآداب في 2013 بدعم هاشم، فإن هاشم نال جائزة النيل في العلوم الاجتماعية في 2014، بدعم حجازي، متفوقًا على منافسه دكتور حسن حنفي أستاذ الفلسفة. والمدهش أن أحدًا من المسؤولين لم يتحرك إزاء تلك الفضيحة التي تداولتها وسائل الإعلام، وكأن ما حدث مجرد أمر معتاد وطبيعي لا يستحق التوقف والمساءلة أو حتى "الغلوشة".

ملمح آخر يسم مرحلة الدورات الخمس الأخيرة لجوائز الدولة، هو عدم الحرص من الجهة المانحة للجوائز على إيجاد نوع من التوازن بين الخدمة التي يؤديها الفائز للسلطة السياسية وبين الثقل الإبداعي والقيمة الفنية المجردة لنتاجه، مثلما كان يحدث في دورات سابقة. ففي السنوات الأخيرة "دورات اللعب على المكشوف"، صارت هناك جرأة أكثر في انتقاء أسماء غير فاعلة في الحقل الذي تفوز فيه بالجائزة، فيكفي أن يكون الفائز مؤيدًا فقط على طول الخط، ولا يشترط أن يكون "مهنيًّا مؤيدًا" كما في عهد وزير الثقاقة الأسبق فاروق حسني مثلًا.

وفق هذه الرؤية المفرطة في الاستهانة بمعايير الجائزة والضاربة عرض الحائط باعتراض المنصفين والمراقبين في ظل سياسة (هو مالنا ونحن أحرار فيه)، يمكن الاستدلال بنماذج صارخة للفوز الغرائبي لأصحاب الحضور الفني الهش، منها: حصول مؤلف الأغنيات الوطنية الراقصة مصطفى الضمراني على "التقديرية" في الآداب في 2017.

أخيرًا، وبالعودة إلى نتائج هذا العام، يكفي التوقف عند أحد النماذج التي تكشف المعطيات السياسية البارزة وغير الفنية وراء منح الجوائز، ففوز مراد وهبة بجائزة النيل في العلوم الاجتماعية أوضح الأمثلة، فالرجل لم تلتفت إليه الدولة بتكريم لافت على مدار مسيرته منذ سنوات في الفكر والفلسفة والدعوة إلى انتهاج "الرشدية العربية"، لكنّ اقترابه الأخير من خطاب السلطة منحه مفتاح التكريم.

"صالون ابن رشد"، الذي بدأ بأفكار تنويرية حرة مستقلة على يد وهبة، أستاذ الفلسفة، تحول إلى شراكة مع وزارة الثقافة في 2017، وصار الصالون بوقًا لمغازلة السلطة واستمالتها، فوهبة يريد لصالونه أن يكون دوليًّا ليواكب دعوة الرئيس السيسي إلى تأسيس تحالف دولي ضد الإرهاب بقيادة مصر، والرجل بعد فوزه بجائزة النيل صرّح بوضوح "لولا عهد السيسي لما حصلتُ على جائزة النيل".

بقيت إشارات سريعة عابرة على هامش مشهد جوائز الدولة الممنوحة هذا العام، تبرز الملابسات غير التخصصية ولا الفنية التي تؤثر في التقييم، بل وتوجهه، منها على سبيل المثال التعجيل بمنح صلاح فضل جائزة النيل لظروفه الصحية، بعد استبعاده منها خلال السنوات الماضية، ومنح الجائزة التشجيعية للشاعر الراحل عبد الناصر علام، وهو أمر جائز قانونًا طالما أنه تقدم إليها في حياته، لكن السؤال المهني الذي يتخطى التكريم المعنوي الاحتفائي يتعلق بكون فلسفة الجائزة تعني "تشجيع الفائز" على المزيد من الإبداع، وهو الأمر الذي ينتفي في هذه الحالة، وهذا بالطبع لا يعني أي انتقاص من تجربة الشاعر الفنية، لكن الجائزة هنا تخرج عن مسارها.

أحمد مراد في حفل إطلاق أحد كتبه بدار الأوبرا - المكتب الإعلامي لدار الأوبرا

كذلك يأتي منح أحمد مراد جائزة التفوق مربكًا، فما يكتبه من روايات تنتمي للبيست سيلرز. ووفق أغلبية النقاد والمتعاطين مع المشهد السردي الراهن، هي أقرب إلى قصص الناشئة والمغامرات التشويقية والبوليسية المثيرة، وأدب الرعب، وكتابة التسلية. ومثل هذه الأعمال الشعبية "الخفيفة" (بالمعنى الاستهلاكي) موجودة ومنتشرة حول العالم وتخصص لها جوائز محددة تتنافس فيها تلك الكتابات فيما بينها. لكن إدارات الجوائز الأدبية التي توصف بالرصينة والجادة لا تلتفت إليها.

جوائز الدولة في مصر، حديث ذو شجون يتجدد كل عام، وتساؤلات عدة لها إجابة واحدة؛ هي: "لا وزن للإبداع.. الولاء وحده هو المعيار".