سوق في بولاق الدكرور. تصوير: حي مالك

لعبة الأرقام: كيف تتلاعب الحكومة بالبيانات الحقيقية للاقتصاد؟

هذه الأرقام توضح أن ما يحدث في مصر هو في جوهره نمو سلبي، رغم أن تقديمه على شكل معادلات نظرية يجعل مظهره إيجابيًا، إلا أن الاقتصاد المصري خلال السنوات الأربع الأخير خسر 21% من حجمه

منذ مطلع 2016، تواصل الحكومة وبحدة متزايدة نشر بيانات وأرقام تتعلق في معظمها بالاقتصاد الكلي، على أمل إقناع الشعب، فيما يبدو، بإنجازاتها العظيمة خلال السنوات الأربع الماضية، وبأن التركيبة الاقتصادية المصرية تنطلق الآن إلى آفاق عالمية وأننا صرنا قاب قوسين أو أدنى من الرخاء والثراء.

إحقاقًا للحق، فإن هذه الأرقام، إذا ما نظرنا إليها بشكل مجرد، تبدو أكثر من رائعة، وهي تعطي بالفعل انطباعًا بأن ما يسمونه "برنامج الإصلاح الاقتصادي" المفروض فرضًا وجبرًا على الحكومة من صندوق النقد الدولي، بدأ يؤتي ثماره المنشودة التي وعد المسؤولون الشعب بها، وهم يحثوه على الصبر والتحمل وتجرع الدواء المر، بعد أن ظل النظام منذ 2014 يُهدر أموال الدولة بلا حسيب ولا رقيب، وينفقها يمينًا ويسارًا على مشروعات ضعيفة أو منعدمة العائد، في ظل رؤية مشوشة يُطلق عليها "مصر 2030"، أرقامها لا تستند إلى ما هو أبعد من الأماني والأغاني وحسن النوايا.

ولكن حتى هذه الأرقام التي قد تمنح البعض للوهلة الأولى بعض الأمل، تنهار أمام التحليل الدقيق والرؤية المتمعنة.

فلو نظرنا إلى إجمالي الاستثمارات التي نفذت في مصر خلال السنة المالية 2016/ 2017، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سنجد أن استثمارات القطاع الخاص ارتفعت إلى 271 مليار من 146 مليارًا للسنة المالية الماضية بزيادة 85.6%، و125 للسنة المالية 2012/ 2013، بينما شهدت استثمارات القطاع العام عن الفترة نفسها ارتفاعًا بنسبة 154.2% من 96 مليار جنيه إلى 244 مليارًا، حسبما نشرته صحيفة البورصة في عددها الورقي الصادر يوم 11 مارس/ آذار الماضي.

ما سبق يمكن اختصاره بأن إجمالي الاستثمارات المنفذة بين 2013 و2017 ارتفعت بمبلغ 273 مليار جنيه، ومتوسط 119.9%، لتصل إلى 515 مليار جنيه إجمالاً.

حتى الآن تبدو الصورة جيدة، ولكن هذه الصورة كيف ستبدو إذا نظرنا إلى المردود الحقيق لذلك كله على الاقتصاد القومي وعلى الشعب الذي لم يعُد ضامنًا قوت يومه حتى؟ والسؤال الأهم؛ ما هي طبيعة تلك الاستثمارات التي تخبرنا الأرقام عنها؟ وماذا أنجزت؟

خلقت الاستثمارات السابق ذكرها 2.3 مليون فرصة عمل جديدة قللت معدل البطالة من 13.2% في 2013 إلى 10.6% نهاية العام الماضي، وفقًا لبيان الحكومة الجديدة أمام مجلس النواب في 3 يوليو/ تموز الجاري، وهي قفز كبيرة في الحقيقة، ولكن، إذا ما وضعنا في اعتبارنا أن تكلفة فرصة العمل الواحدة تبلغ 490 ألف جنيه (متوسط 27500 دولار بسعر 17.8 جنيه للدولار) وفقًا لتقديرات البنك الدولي، كان الحد الأقصى للوظائف الجديدة التي يمكن لهذه الزيادة أن تخلقها هو 557 ألف فرصة عمل، وليس 2.3 مليون.

كيف نتلاعب؟

جزء كبير من زيادة أعداد المشتغلين من 23.7 مليون نهاية 2013 إلى 26 مليونًا في نهاية 2017، يعود إلى ارتفاع فلكي للعمالة المؤقتة والتي تعدت في مايو/ أيار الماضي حاجز 12 مليون عامل، وفقًا لتصريحات جبالي المراغي، رئيس اتحاد عمال مصر.

هذه الوظائف، بطبيعتها، لا تكلف سوى بضعة جنيهات، ودخلها في المقابل ضئيل للغاية، وهي أيضًا مؤقتة لا تستمر في الواقع سوى لأشهر قليلة.

هؤلاء العاملين لا يمكن حسابهم في عداد العاطلين بكل تأكيد، ولكن أغلبهم مرتبط بـ"المشروعات القومية الكبرى" التي ستنتهي عاجلًا أو آجلًا، وسيعودون بعدها إلى عداد العاطلين.

أضف إلى ذلك أن رواتبهم لم تخرج من الدورة الاقتصادية الطبيعية ولكنها تستقطع إما من الموازنة العامة للدولة مباشرة أو من قيمة ما تتلقاه مصر من قروض، والتي تُحمل خدمتها في النهاية على الموازنة العامة أيضًا.

فرص العمل هذه إذن هي وظائف غير موجودة فعليًا، يمكن تشبيهها باللاعب الاحتياطي في فريق كرة القدم، الذي يجلس على دكة البدلاء، ولا يلعب إلا مرات نادرة، ولكن عندما يفوز فريقه بالبطولة يحتسب فائزًا بها رغم أنه لم يلعب مباراة واحدة.

أما اللاعبون الأساسيون، أي الذين يشتغلون فعليًا في وظائف مستدامة ذات نفع للاقتصاد القومي على المدى الطويل، فهم لا يزيدون بأي حال عن 14 مليونًا، أي نحو 48% من قوة العمل الحقيقية، وبنسبة بطالة فعلية تصل إلى 52% تقريبًا.

لا يختلف الأمر كثيرًا فيما يتعلق بنسب النمو، التي ارتفعت من 2.2% في عام 2013، إلى 5.4% في يونيو/ حزيران 2018، حسب البيان الحكومي سالف الذكر، بينما تستهدف الحكومة الوصول إلى 5.8% في السنة المالية 2018/ 2019، ومن المحتمل أن تحقق ذلك بل وتتعداه، خاصة إذا ما ظل سعر الدولار الأمريكي أقل من 18 جنيهًا، واستقر سعر خام برنت القياسي عند 75 دولارًا للبرميل، وهي كلها افتراضات واقعية.

وبالرغم من أنه لا توجد في الواقع علاقة طردية بين حجم الاستثمار ونسب النمو، إلا أنه عندما يصل التفاوت بينهما إلى 114.5%، لا بد أن تثور العديد من لابد وأن يثير العديد من التساؤلات حول مدى ما تُضيفه تلك الاستثمارات إلى الاقتصاد القومي والناتج المحلي الإجمالي.

الأمر هنا أكثر تعقيدًا بعض الشيء، ففي مثل هذه الحالات نتخذ من الناتج المحلي الإجمالي أساسًا. والناتج المحلي الإجمالي انخفض حسب بيانات البنك الدولي من 305.5 مليار دولار في عام 2014 إلى 235.37 مليار دولار في السنة المالي 2016/ 2017، بنسبة تصل إلى 23%، ونحن هنا نتخذ من الدولار الأمريكي أساسًا لنأخذ في اعتبارنا تغيّر سعر الصرف.

النمو السلبي

هذه الأرقام توضح أن ما يحدث في مصر هو في جوهره نمو سلبي، رغم أن تقديمه على شكل معادلات نظرية يجعل مظهره إيجابيًا، إلا أن الاقتصاد المصري خلال السنوات الأربع الأخير خسر 21% من حجمه، على خلفية مجموعة من الإجراءات الاقتصادية التي اتخذت بتسرّع دون دراسة مستفيضة لآثارها العكسية.

مردُّ ذلك الضغوط التي كانت وما زالت المؤسسات المالية والنقدية الدولية والتي أجبرت معظم المنتجين المصريين على خفض إنتاجياتهم لصعوبة تصريف منتجاتهم في ظل التراجع الشديد للقوة الشرائية للمستهلكين بعد تحرير سعر صرف العملات الأجنبية أمام الجنيه المصري، وتخفيض الدعم على معظم المنتجات الاستراتيجية، وهي كلها إجراءات جعلت المواطن يعيد هيكلة إنفاقه، وليس مجرد "ترشيده"، وهو المصطلح الذي تحب الحكومة استخدامه من أجل تجميل وجهها.

عندما نشرت وزارة التجارة والصناعة هذه الأرقام، لم تذكر سوى ارتفاع الصادرات، أما الباقي فأوردته بالإجمالي فقط، اعتمادًا فيما يبدو، على أن الشعب المصري كله مُصاب إما بالكسل أو البلاهة، أو كليهما معًا، ولن يجتهد لإكمال الحسبة بنفسه.

لتوضيح ذلك بشكل أكثر بساطة، لنفترض أن هناك ورشة زادت تعاملاتها المالية بنسبة 10% من 5000 جنيه إلى 5500 جنيهًا، على خلفية رفعها لأسعار المنتج النهائي بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج كأسعار الخامات الأولية والكهرباء وغيرها، هذا الارتفاع يمثل نسبة النمو. على خلفية ذلك اضطرت الورشة لرفع سعر بيع منتجها النهائي، ولكنها في حقيقة الأمر، ورغم نمو أرباحها رقميًا، فإنها أنتجت أقل مما كانت تنتجه، لأنها صنعت وباعت 10 وحدات بسعر 550 جنيهًا للوحدة الواحدة، بدلًا من 16 وحدة بسعر 312.5 جنيه للوحدة.

ولا توازي نسبة الأرباح الزائدة بالطبع نسبة التضخم وغلاء المعيشة، ومن هنا، نحن نتحدث عن النمو السلبي.

وليس أدل على ذلك من زيادة العجز فى الميزان التجارى من واقع أرقام وزارة التجارة والصناعة نفسها، إذ بلغ إجمالى حجم التجارة الخارجية لمصر فى الربع الأول لعام 2017 مبلغًا وقدره 19.520 مليار دولار وزاد إلى 21.265 مليار دولار فى الفترة نفسها من عام 2018، أى بمقدار 1.745 مليار، بينما لم ترتفع الصادرات المصرية غير البترولية وفقًا لتقرير وزارة التجارة والصناعة إلا بمقدار 804 مليون دولار من 5.520 مليار دولار إلى 6.324 مليار دولار، أي بزيادة في العجز تبلغ 941 مليون دولار.


اقرأ أيضًا: جيبك أم معدل النمو.. هل علينا تجاهل الأرقام عند الحديث عن الاقتصاد؟


يبقى هنا التساؤل الوحيد عن نوع الآلات الحاسبة التي استخدمها معدو هذا التقرير، عندما خلصوا إلى نتيجة أن العجز تراجع بنسبة 2%.

عندما نشرت وزارة التجارة والصناعة هذه الأرقام، لم تذكر سوى ارتفاع الصادرات، أما الباقي فأوردته بالإجمالي فقط، اعتمادًا فيما يبدو، على أن الشعب المصري كله مُصاب إما بالكسل أو البلاهة، أو كليهما معًا، ولن يجتهد لإكمال الحسبة بنفسه.

سنجد أيضًا أن مؤشر مديري المشتريات الذي صدر عن "بنك الإمارات دبي الوطني"، يشير إلى أن قطاع الإنتاج غير النفطي تراجع لأدنى مستوياته في عام 2018 وصولًا إلى مستوى 49.2 نقطة بقدر 0.8 نقطة أقل من مستوى التعادل، وهذا فى إطار ما نتحدث عنه هنا رقم كبير للغاية.

لا أطالب حكومة مصطفى مدبولي والتي يمكن أن نطلق عليها اسم "حكومة شريف إسماعيل 2" بشيء، لأن المنظومة الضعيفة لا تتغير بمجرد تغيّر الأسماء والأوجه، ولو كان بمقدور هذه الحكومة الإتيان بأي إيجابيات لكانت قد فعلت من البداية، ولكنها قد تكون خطوة على بداية الطريق الصحيح، إذا اتّسمت ولو بالحد الأدنى من المكاشفة والشفافية والشجاعة لمواجهة مشاكلها الفعلية ومحاولة إيجاد حلول حقيقية، بدلاً من الغوص في كلام مُرسل عديم القيمة مثل الذي سمعناه في بيانها أمام مجلس النواب.


اقرأ أيضًا: أزمة سكان أم أزمة تنمية.. لماذا لا يشعر المواطنون بالإنجازات؟