رئيسة كرواتيا الضاحكة.. الوجه الآخر لدولة منقسمة على نفسها

ماميتش صديق مقرب من الرئيسة كوليندا كيتاروفيتش. وكان أحد ممولي حملتها. ولم يصبح هذا الأمر معروفًا إلا بعد أن تسربت أخبار مراقبة المخابرات له في إطار تحقيق انتهى لإدانته بالفساد

مع تقدم منتخب كرواتيا في كأس العالم وصولا للدور النهائي بعد انتصاره في مباراة الدور نصف النهائي على المنتخب الإنجليزي، زاد التعاطف معه ومع رئيسته التي حضرت لتشجيع المنتخب. ولم يخل الأمر من اختلاق قصص بطولية حولها، وترديد أنها بنت الفقراء التي نهضت بالبلد وحولته إلى جنة، وسافرت لتشجيع المنتخب في طائرة الجماهير، لا بطائرة خاصة. وتتحمس كثيرًا أثناء ضربات الجزاء وتحتفل مع اللاعبين في غرفة الملابس.

كل ذلك طبيعي ومشروع؛ لكن الحقيقة أنها، والفريق، والبلد، ليسوا بتلك الصورة الزاهية التي يتحدث عنها الجميع الآن.*

في مقال نشرته صحيفة جارديان البريطانية، يتحدث أليكسندر هوليجا - أفضل صحافي كرواتي مختص بكرة القدم في أوروبا-عن رئيسة كرواتيا، والبروباجندا الكبيرة، وما تسعى إليه الرئيسة واللاعبون، وما ينتظره الكروات من كل ذلك.

رئيسة كرواتيا في صورة جماعية مع اللاعبين والجهاز الفني لمنتخب بلادها عقب المباراة

المشهد كان سيرياليًا: شبان في العشرينات والثلاثينات من العمر، فائرين ومتعرقين، وبعضهم يرتدي السراويل الداخلية فقط كما لو كانوا مستعدين للاستحمام، يتلقون الأحضان المتتابعة من امرأة في منتصف العمر، ترتدي تي شيرت الشطرنج الأحمر والأبيض الشهير، بينما يرفع أفراد حاشيتها هواتفهم المحمولة وينقرون أزرار كاميراتها لتسجيل اللقاء. ولكن، على الرغم من كل ذلك الحرج والتلميحات القذرة المُبَطّنَة؛ لم يسبب ذلك الكثير من الضجة بين الشعب الكرواتي.

بعد فوز الفريق بركلات الترجيح أمام الدنمارك يوم الأحد (أول يوليو) في نيجني نوفجورود، وأثناء احتفالهم بالتأهل لربع نهائي كأس العالم في غرفة الملابس، تلقى الفريق زيارة مفاجئة من رئيسة كرواتيا، كوليندا جرابار كيتاروفيتش. وكما تُظهر مقاطع الفيديو المنشورة عبر الحسابات الرسمية للرئيسة الكرواتية على شبكات التواصل الاجتماعي، فقد هنأت كوليندا المدير الفني زلاتكو داليتش وعانقته بحميمية بالغة، وكذلك فعلت مع العديد من لاعبيه، وهي تطأ أحذيتهم وجواربهم وعوازل حماية الساق وزجاجات المياه المتناثرة على الأرض، ولم تُثنها مسألة أن قلة منهم، مثل إيفان سترينيتش الظهير الأيسر، لم يكونوا بمظهر يليق بالظهور العلني، ناهيك عن زيارة رسمية من رئيس الدولة.

لوكا مودريتش -كابتن الفريق- نال عناقًا خاصًا طويلاً وحميمًا، بجانب ما بدا كأنه بضع كلمات للتشجيع، وذلك بالطبع لم يمر مرور الكرام.


كما هو الحال مع كل شيء تقريبًا هذه الأيام، حتى الأشياء التي من الطبيعي أن تثير اهتمام متوسط من الرأي العام؛ أثار الحدث ردود فعل قوية - ولو موجزة - وبالغة الانقسام.

بالنسبة للبعض، كان هذا تأكيدًا مرحبًا به على أن جرابار كيتاروفيتش، 50 عامًا، هي شخصية أم وطنية قوية ومتواضعة، تهتم كثيرًا بكرة القدم وتدعم الفريق بشدة - وهي في ذلك تختلف عن بعض أسلافها في هذا المنصب، خاصة هؤلاء على يسار آرائها السياسية. بالنسبة للآخرين، كان الأمر تجييشًا وقحًا للرأي العام سار على نحو سيء، مستوحى بالتأكيد من تعامل أنجيلا ميركل مع الفريق الألماني. ورغم ذلك، كان تنفيذه فاقدًا للذوق بشكل بائس.

لكن الأمر لا يتعلق فقط بما إذا كانت جرابار كيتاروفيتش تحاول الاستفادة من نجومية اللاعبين قبل الانتخابات الرئاسية في العام المقبل، أو أنها ببساطة تعبر عن شغفها بوطنها وكرة القدم. القضية أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.

لوكا مودريتش يدلي بشهادته أمام المحكمة

اتُهم لوكا مودريتش، كابتن منتخب كرواتيا مؤخرًا بشهادة الزور، في قضية زدرافكو ماميتش التي انتهت بإدانة الرجل الذي هيمن على كرة القدم الكرواتية لأكثر من عقد من الزمان. الحكم يدعم فرضية أن مودريتش كذب وحمى الرجل الذي حقق -بحسب النيابة العامة- أرباحًا شخصية هائلة وغير قانونية، من نقل مودريتش من دينامو زغرب إلى توتنهام الإنجليزي في عام 2008. من المقرر أن تبدأ محاكمة مودريتش بعد كأس العالم، وماميتش فر بالفعل إلى البوسنة والهرسك. وهي بلد ليس عليها التزام بتسليمه لأنه تمكن بطريقة ما من الحصول على جنسيتها.

ببساطة لم يمثل الناريون (لقب منتخب كرواتيا) كرة القدم الكرواتية، لقد مثلوا كرواتيا بأكملها كما لو كانت ثروتهم ونجاحهم مرتبطين بثروة ونجاح الأمة نفسها

ماميتش صديق مقرب - أو كان – من كوليندا كيتاروفيتش. خلال منصبه كرئيس سابق لنادي دينامو زغرب والاتحاد الكرواتي لكرة القدم؛ كان ماميتش أحد ممولي حملتها الرئاسية، وضيف شرف في حفل تنصيبها، كما نظم حفلات عشاء وحفلات أعياد مختلفة للرئيسة. ولم يصبح هذا الأمر معروفًا إلا بعد أن تسربت أخبار إخضاعه للمراقبة من قبل جهاز المخابرات الكرواتي، في إطار تحقيق جنائي انتهى إلى توجيه اتهامات ضده. بعض من محادثاته الخاصة مع كوليندا- التي لم تكن تعلم وقتها أن ماميتش تحت المراقبة- تم تسجيلها على ما يبدو. المحادثات لم تُنشر، لكن الرئيسة اعترفت أنها خاضت هذه المحادثات معه بالفعل.

وقالت كوليندا لتلفزيون نوفا في نوفمبر 2017 "لم أحاول أبدًا إخفاء لقائي بالسيد ماميتش في عدد من المناسبات، قبل أن يتم إخباري أنه كان يخضع لتلك الإجراءات"، " لقد نظم لي العديد من حفلات العشاء".

kolinda &mamic

كرة القدم في كرواتيا ليست مجرد لعبة رياضية، ولها دومًا دلالات اجتماعية وسياسية بعيدة المدى، وخاصة عندما يتصل الأمر المنتخب الوطني.

في تسعينات القرن الماضي، أعلن فرانيو تودجمان، أول رئيس لكرواتيا "الرياضيين هم أفضل سفراء لبلدنا". واعتُبِر ذلك حقيقة بديهية ونادرًا ما يشكك فيها أحد. ولم يقتصر الأمر على كونه شرفًا مطلقًا؛ بل واجبًا أساسيًا كذلك.
ببساطة لم يمثل الناريون (لقب منتخب كرواتيا) كرة القدم الكرواتية، لقد مثلوا كرواتيا بأكملها كما لو كانت ثروتهم ونجاحهم مرتبطين بثروة ونجاح الأمة نفسها. وذلك الواجب يمتد إلى عموم السكان. فالقول بأنك لست مهتمًا ما إذا فاز الفريق أو خسر، كان سيُعتبر سلوكًا غير وطني، ولا يهم ما إذا كنت تتابع كرة القدم أم لا، لأنه، كما ترى، لم يكن الأمر يتعلق بكرة القدم فقط. كانت مسألة مصلحة وطنية، خاصة بعد أن جاء الفريق في المركز الثالث في أول مرة يشارك فيها في كأس العالم عام 1998.

وقد حاول اتحاد كرة القدم دائمًا الحفاظ على صورة المنتخب الوطني كقوة كبيرة توحد كل الكرواتيين، بغض النظر عن ناديهم وانتمائهم السياسي وغيرها من الولاءات؛ كما قال رئيسه، دافور سوكر، قبل يورو 2016، منحيًا جميع المشاكل مثل مزاعم الفساد المؤسسي داخل منظمته "عندما تبدأ البطولة الكبرى، سنكون جميعا فيشات على رقعة الداما" (في إشارة لعلم كرواتيا).

تمام- ربما ليس كل شيء تمام- لقد تغيرت كرواتيا كثيرا منذ عام 1998 عندما حقق فريقها لكرة القدم أكبر إنجاز له. ويمكن للفريق الحالي أن يعادل ذلك الإنجاز بفوزه على روسيا يوم السبت (فاز الفريق على روسيا بالفعل وصعد للدور نصف النهائي). إن القيام بذلك مرتين خلال 20 عامًا إنجاز رائع بالنسبة لأمة لا يزيد عدد سكانها عن أربعة ملايين نسمة تقريبًا، لكنه لن يُحتفى به عالميًا كما عام 1998.

الدراسات تظهر أن الكرواتيين أقل تفاؤلًا بكثير بشأن مستقبل بلدهم وأن هناك انعدام ثقة عميق ومتزايد تجاه المؤسسات السياسية والقضائية وغيرها. وفي خضم الصراعات المستمرة بين السياسيين؛ لا يُظهِر الاقتصاد سوى علامات قليلة على التحسن بعد الركود، وتتزايد الهجرة الاقتصادية بمعدل مقلق. إن مفهوم الوطنية - كدافع ضخم للرياضيين الذين يمثلون كرواتيا على المستوى الدولي في التسعينيات، بالإضافة إلى عامة الشعب المؤيدين لهم - قد أسيء استعماله مرات عديدة من قبل شخصيات عامة، لا يهتمون إلا بمصالحهم الخاصة التي لا تكاد تتجاوز كونها مجرد غطاء يُخفي جميع علل المجتمع.

كرواتيا 2018 أمة منقسمة بشكل حاد حول العديد من القضايا المختلفة، وكرة القدم ليست استثناءً.
وفي حين أن البعض – مثل جرابار كيتاروفيتش- يتشبثون بالصورة المثالية؛ فإن كثيرين غيرهم لم يعودوا يطيقون كل هذا التدخل السياسي - والإجرامي- في اللعبة. إنهم ليسوا على استعداد لتحمل حقيقة أن اللاعبين قد التزموا الصمت حول هذا الموضوع طوال الوقت، وبعض الناس قرروا عدم تشجيع الفريق، البعض ما زالوا يدعمونه ولكنهم يشعرون أن كل الأشياء من حولهم قد قتلت ارتباطهم به، وبالنسبة للبعض، إنه صراع داخلي متواصل.

ما كان في يوم من الأيام نسيجًا يجمع الأمة؛ هو الآن سبب للانقسام. ومن غير المحتمل أن يتغير ذلك كثيرًا حتى لو حققت كرواتيا المستحيل وفازت بكأس العالم.

* تم تحديث مقدمة الترجمة عقب نهاية مباراة الدور نصف النهائي.


اقرأ أيضًا: زمن الرشاوي الجميل: كيف أدار "هافيلانج" إمبراطورية فساد كرة القدم؟