نساء مسلحات في أحد الميادين الرئيسة في طهران- التقطت الصورة في الأيام الأولى للثورة الإيرانية قبل ان تغدو "الثورة الإسلامية"

من كابوشينسكي لنجيب محفوظ.. حديث يتجدد عن الجُبن ومسؤولية الفنان

الحقيقة أكبر من الوقائع، وللوصول إليها ينبغي أن يملك الباحث عنها أدوات أكبر مما تتوفر لدى المراسل الصحفي؛ عليه أن يتمتع بأدوات الفنان.

في الندوة التي أُقيمت بمناسبة صدور كتاب "أولاد حارتنا - سيرة الرواية المحرمة" للكاتب الصحفي محمد شعير، وصفت سيزا قاسم نجيب محفوظ بـ"الإنسان الجبان" وأعادت التأكيد عليها بثقة "إنسان جبان طبعا ليس له موقف شجاع واحد". وهذا ما يعيد إلى الأذهان سؤال قديم غير محسوم؛ هل هناك مسؤولية سياسية على الفنان؟ وإن كانت، فما هي؟
في هذا المقال المنشور في باريس ريفيو، يحاول تايلور بليمبتون الإجابة عن هذا السؤال.

ريزارد كابوشينسكي

ربما لم يواجه أي كاتب معاصر الكثير من الاضطرابات والانقلابات السياسية مثل الراوي البولندي العظيم ريزارد کابوشينسکي. خذ على سبيل المثال قوله إنه خلال عمله كصحفي ومراسل حربي، شهد سبعة وعشرين انقلابا وثورة وحكم عليه بالإعدام أربع مرات. قد يتوقع الواحد من کابوشينسکي أن يكون لديه إجابة مستنيرة بشكل خاص على السؤال الذي يراود الكثير من الناس في هذه الأيام؛ ما هي -إن وجدت- المسئولية الاجتماعية أو السياسية للفنان؟ أو بعبارة أخرى، هل يجب أن يكتب الكُتَّاب لسبب ما؟

قبل خمسة وثلاثين عامًا، صدر كتاب (شاه الشِّيَاهْ)، وهو سرد کابوشينسکي للثورة الإيرانية عام 1979، أسوأ الثورات التي شهدها على الإطلاق. الكتاب عبارة عن صورة رائعة ودقيقة للبلد وقائدها الفاسد (الشاه محمد ريزا بهلوي) في أيام الاضطرابات، وحتى بعد إقالته من السلطة. ومع ذلك، عند التدقيق في النص، يبدو أن ولاء المؤلف لم يكن لأي حزب أو أيديولوجية أو قضية سياسية - فهو منتقد قاسٍ للقوى التي أطاحت بالشاه، بنفس الدرجة التي ينتقد بها الشاه نفسه؛ فولائه (كابوشينسكي) هو للفن، للحقيقة.

ربما يكون هذا تصريحًا غريبًا عن کابوشينسکي، ولكن كونه مؤلف "واقعي/ غير خيالي"، فإن التزامه بالحقيقة لطالما كان موضع تساؤل. طوال حياته المهنية، كان يُنتقد في كثير من الأحيان لانتهاكه الحدود بين السرد الخيالي والواقعية. حتى سلمان رشدي، وهو صديق مقرب ومعجِّب كبير بعمله، كان يمتعض من الطريقة التي بدا بها کابوشينسکي وكأنه يلوي ويغير الحقائق. واختص بالذكر "الإمبراطور"، الذي اعتبره أحد أفضل الكتب التي قرأها في حياته، فيقول: "ينتهي الإمبراطور بالصورة المأساوية أو المؤلمة لـ هيلا سيلاسي وهو يموت في السرير، معتقدًا أنه كان لا يزال إمبراطورًا لإثيوبيا. وفي الواقع، هذه ليست الطريقة التي مات بها هيلا سيلاسي، فقد قُتل في سريره، وكان يختنق حتى الموت على يد النظام الماركسي الذي جاء بعده. قلت له، يبدو لي أن هناك عيب في ذلك. كتاب عظيم، لكن موت الإمبراطور جعلته رومانسيًا -ريزارد بدا غاضبًا ورفض المناقشة- وجاء رده متناسبًا مع ما نتوقعه من فنان "هذا هو السيناريو الذي يخدم الكتاب بشكل أفضل من سواه" وهو ما قد أقبله (والحديث لا يزال لرشدي)لو لم تدع أنك تروي الحقائق.

الفن أم الحقيقة

في الوقت الذي يبدو فيه المثال الذي قدمه رشدي لموت الإمبراطور الدرامي وكأنه خيانة للحقائق، وبالتالي ثقة القارئ؛ ففي "شاه الشِّيَاهْ"، يتنقل کابوشينسکي إلى الخط الفاصل بين الحقيقة والخيال بمهارة أكبر، وبمزيد من النجاح. ومع ذلك، فإن القراء الذين يبحثون عن التقارير الموضوعية المستندة إلى الحقائق سيجدون أنفسهم مُحبَطِين هنا أيضًا (القراء الذين يبحثون عن أدب بارع لن يصابوا بذاك الإحباط).

كل وجه تراه قد يكون مخبرًا محتملًا.

من أول صفحة، يتحرر کابوشينسکي في السرد باستخدام أسلوب الشخص الأول (نقل الأحداث من وجهة نظره الشخصية باستخدام صيغ "أنا ونحن") يدلنا هذا على نوع العمل؛ إنه ليس مجرد سرد تاريخي ممل مليء بالأسماء والتواريخ؛ بل تجربة ذاتية، رأي رجل واحد، مذكرات كل الأطياف.

وعندما يكون هناك "أنا" يتحول السؤال من "ما هي الحقائق؟" إلى "ما هي الحقيقة في نظر الراوي؟ وما مدى أمانته؟" لأنه بقدر ما تغيم الحدود بين الحقيقة والخيال، فإننا نشعر غريزيًا أنه يبقى مخلصًا لإحساسه الخاص بما هو حقيقي. كما قال ذات مرة: "إنها ليست القصة التي لا يُعبَّر عنها؛ بل ما يحيط بالقصة: المناخ وجو الشارع وشعور الناس. القيل والقال في المدينة، الاستكشاف، الألف ألف عنصر من عناصر الواقع التي هي جزء من الحدث الذي قرأته في 600 كلمة في صحيفتك الصباحية… كما تعلمون، في بعض الأحيان يكون التلقي النقدي لكتبي مسليًا. هناك الكثير من الشكاوى؛ لم يذكر کابوشينسکي أبدا التواريخ، ولم يعطنا کابوشينسکي أبدا اسم الوزير، فقد نسي ترتيب الأحداث. كل ذلك، بالطبع، هو بالضبط ما أتجنبه. إذا كانت هذه هي الأسئلة التي تريد الإجابة عليها، فيمكنك زيارة مكتبتك المحلية، حيث ستجد كل ما تحتاج إليه: الصحف في ذلك الوقت، والكتب المرجعية، وقاموسًا". بالنسبة لـ کابوشينسکي، الحقيقة أكبر من الوقائع، وللوصول إليها ينبغي أن يملك الباحث عنها أدوات أكبر مما تتوفر لدى المراسل الصحفي؛ بل عليه أن يتمتع بأدوات الفنان.

الأمر المثير للاهتمام فعلًا هو أن سرد کابوشينسکي المبني على الخيال قد يكون الطريقة الفعالة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة الخفية للأنظمة التي يصفها. أسلوبه المتجاوز للوقائع، اشبه بواقعية سحرية غير خيالية. يتناسب أسلوبه مع الموضوع المهم فعلا، ويلتقط بدقة هذا الشعور المُدوِّخ بالعبثية؛ الشرطة السرية التي لا نراها ابدًا لكنها موجودة في كل مكان، كل وجه تراه قد يكون مخبرًا محتملًا. أنظمة التعذيب غير المعقولة، السجناء ألقي بهم في "حقائب ضخمة مليئة بالقطط المتضورة جوعًا"؛ الخوف والارهاب اللا محدود، التفسُّخ والانحطاط العارم. "ثروة الحكاية الخرافية" التي في أحد سطوري المفضلة في الكتاب، يذكرنا کابوشينسکي بأن الشاه يستطيع التخلص منها كما يشاء؛ "يمكنه رميها في البحر، إنفاقها على الآيس كريم، أو حبسها في خزنة ذهبية".

معارضون مسلحون يواجهون القوات المؤيدة للشاه - ثورة إيران 1979 - ويكيبيديا

لكن ما هي الحقيقة التي يكشفها کابوشينسکي؟ بمعنى ما، هو لا يصف الشاه فحسب، بل الطغيان نفسه الذي يتجسد فيه، فيستعير منه شخصيته، ينبعث الطغيان في جسد الشاه فيحيا ويتنفس. هذا الكشف من كابوشينسكي يتطلب إبداعًا لا يتأتي للصرامة الصحفية. لكن الواقع والحقيقية الأكثر مأساوية التي يكشف لنا عنها هي أن الطغيان لا ينتهي بسقوط نظام، بل الاحتمالالأكبر هو أنه سيستمر على يد النظام الجديد الذي حل محل الطغيان القديم. "قد يختفي المستبد، لكن الديكتاتورية لن تنتهي بمجرد رحيله؛ يتطلب الأمر أجيالًا لتغيير مثل هذه الحالة، كي تسمح لبعض النور أن يمر. وقبل أن يحدث هذا، فإن أولئك الذين أسقطوا ديكتاتورًا، غالبًا ما يتصرفون رغمًا عنهم، وكأنهم قد ورثوه، مما يؤدي إلى إدامة المواقف وأنماط تفكير الحقبة التي دمروها بأنفسهم. يحدث هذا بشكل لا إرادي ولا شعوري حتى أنهم ينفجروا في غضب مبرر إذا ما أشار إليه أحدهم. لكن هل يمكن لوم كل هذا على الشاه؟ ورث الشاه تقاليدًا قائمة، وتحرك في حدود مجموعة من العادات التي كانت سائدة لقرون. عبور هذه الحدود، لتغيير الماضي، واحدة من أصعب الأمور في العالم ".

كان من السهل إلقاء اللوم ببساطة على الشاه، وهو الحاكم الصوري، لتوجيه أصابع الاتهام نحو جانب أو آخر، ولكن كفنان / مؤلف، لا يتخذ کابوشينسکي أي جانب - فهو يعلم أن الأمر ليس بهذه البساطة، وأن هناك قتامة أكثر. بعد كل شيء، كان الكتاب بأكمله يقود إلى هذه النقطة - نرى الشاه يغادر القصر باكيًا. وفي ظل النظرة الحساسة غير المتوقعة لـ کابوشينسکي، حتى أعتى الوحوش أصبح إنسانًا.

في الواقع، في (شاه الشِّيَاهْ)، الشخصيات الوحيدة التي يبدو کابوشينسکي ليس لديه أي تعاطف معها هم الكُتّاب المنحازون، الذين يقدمون كلماتهم نيابة عن أيديولوجية سياسية أو أخرى. على سبيل المثال، نحصل على وصف واضح ومثير للغثيان، للشعراء الذين يشيدون بالشاه وبـ "حضارته العظيمة" هؤلاء الناس يصورون على أنهم أكثر من مجرد أتباع سياسيين وموزعين للدعاية. هناك مكافآت لمثل هذا الولاء الأدبي للدولة. بالطبع هناك فيلات كبيرة، والوصول إلى القصر، وجميع كتبهم منشورة على نطاق واسع، ومغلفة بالجلد بشكل رائع. وللحصول على مثل هذه المكافآت كل ما كان عليهم فعله هو كتابة القصائد المتملقة عن قادتهم بسطور مثل "حيث يلقي ظلاله تتفتح الزهور".

الشعور بالاكتئاب من أزمنة الاستبداد الوحشية المأساوية، وما حدث بعد الثورة، وحقيقة أنه لم يتغير شيء فعلًا؛ كتب عنه کابوشينسکي "عندما أريد أن أبهج نفسي، أتوجه إلى شارع الفردوسي (طهران/ إيران)، حيث يبيع السيد الفردوسي السجاد الفارسي. السيد الفردوسي، الذي قضى كل حياته في التواصل المعتاد مع الفن والجمال، ينظر إلى الواقع المحيط كما لو أنه فيلم درجة ثانية في سينما رخيصة قذرة…

في جميع الأهوال (لأنه يطلق عليها أهوال) الكذب والغدر والسرقة والوشاية، يميز قاسمًا مشتركًا "هذه الأمور يقوم بها أشخاص بلا ذوق". إنه يعتقد أن الأمة ستتخطى كل هذا، وأن الجمال لا يمكن تدميره. "يجب أن تتذكر"، يقول لي وهو يفرد سجادة أخرى يعرف أني لن أشتريها ولكنه يريدني أن أستمتع بالنظر إليها، "هذا ما مكّن الفرس من الحفاظ على أنفسهم وعلى مدى ألف عام، هذا ما جعل من الممكن لنا أن نظل نحن، على الرغم من العديد من الحروب والغزوات والاحتلال. إنها قوتنا الروحية وليس قوتنا المادية؛ شعرنا وليس تقنيتنا. ديننا، وليس مصانعنا. ماذا أعطينا العالم؟ لقد قدمنا ​​الشعر، المنمنمات، والسجاد".

"كما ترى، هذه كلها أشياء عديمة الفائدة من وجهة النظر الإنتاجية. ولكن من خلال هذه الأشياء عبرنا عن أنفسنا الحقيقية. لقد قدمنا ​​للعالم هذا العدمية الفريدة من نوعها. إن ما أعطيناه للعالم لم يجعل الحياة أسهل، ولم يزينها إلا إذا كان لهذا التمييز أي معنى. بالنسبة لنا سجادة، على سبيل المثال، هي ضرورة حيوية. أنت تفرد سجادة على صحراء بائسة، تسترخي عليها، وتشعر بأنك مستلقي في مرج أخضر. نعم، يذكرنا السجاد بأن لدينا مروج مزهرة. ترى أمامك الزهور، ترى حديقة، بركة، نافورة، طاووس يتمايل بين الأشجار. والسجاد من الأشياء التي تستمر، سجادة جيدة ستحتفظ بلونها لعدة قرون. وبهذه الطريقة، تعيش في صحراء رتيبة عارية، ويبدو أنك تعيش في حديقة أبدية لا يتلاشى لونها ولا نضارتها أبدًا. ثم يمكنك الاستمرار في تخيل رائحة الحديقة، يمكنك الاستماع إلى نفخة التيار وأغنية الطيور. ثم تشعر بالكمال، تشعر بالعظمة، أنك قريب من الجنة، أنك شاعر".

لوحة من الفلكلور الإيراني

قد تظن أنه بعد أن شهد كل تلك الثورات، ناهيك عن انتشار الفقر والظلم، فإن کابوشينسکي قد يطرح أن الكتاب يحتاجون إلى أن يكونوا أكثر وعيًا اجتماعيًا في عملهم. لكن في هذه الفقرة من كتابه اكتشفنا أنه لا يفعل ذلك. إنه ينتصر كليصا للخيال لا الحقائق، للغموض لا الأجوبة، جمال الفن لا الحقائق القاتمة في السياسة والحرب. وهذا الكتاب نفسه - الجميل حتى في تصويره لأعظم الشرور - هو أوضح مثال على هذا الطرح.
هل يجب أن يكون الكاتب ملتزمًا اجتماعيًا؟ هل هو جزء من واجبنا؟ أنا دائمًا أعود إلى الشاعرة والمعلمة ماري بونسو "إن ولاء الكاتب يجب أن يكون لرفاهية العمل الأدبي"، وليس لبعض الأحزاب السياسية أو القضية أو المُثُل العليا. هذه المُثُل التي ننزع إليها لجعل الفن الذي ننتجه "مفيدًا" قد تسلبه نزاهته بطريقة ما.

وكما يشير کابوشينسکي وبونسو، فقد يكون من الخطير البدء بالكتابة من أجل قضية ما، هذا منحدر زلق لا يمكن إلا أن يلوث نقاء الفن بل يخون ثقة القراء. بعد كل شيء، فإن عدم جدوى الفن هي ما تجعله مفيدًا للغاية. عندما لا يكون لديه دافع أو نية خفية سوى الجمال؛ الفن يهدهد الروح وينعشها. أو، بعبارة أخرى، ربما يكون الفن أداة هدم سياسي اكثر فعالية عندما يكون "غير سياسي" على الإطلاق.

وهكذا، ما هي مسؤولية الفنان؟

من ناحية؛ هو مسؤول عن كل شيء. الفنانون هم رعاة الجنس البشري، أولئك الذين مهمتهم هو إلقاء القليل من الضوء في الظلام. ومن ناحية أخرى، فإن مسؤوليتهم هي ببساطة صنع الفن. وربما لا يوجد فرق بين الاثنين.