تصميم: المنصة

من سوريا إلى السودان: الاغتصاب كوسيلة سيطرة على النساء

العنف الجنسي ضد النساء خلال الصراعات من بين أقدم أشكال الانتهاكات، لكن الجديد هو تحوله ليصبح أحد التكتيكات الإرهابية في بلاد مثل العراق، وليبيا، ومالي، ونيجيريا، وسوريا، واليمن.

يتعرض ضحايا الهجرة القسرية الناتجة عن النزاعات المسلحة للعديد من انتهاكات حقوق الإنسان، ويمكن التسليم بأن هؤلاء الأشخاص يكونون في أشدّ حالات الاستضعاف أثناء مرحلة الفرار عندما يلتمسون الملاذ الآمن وتستمر تلك الحالة حتى بعد الوصول إلى محطة النزوح أو بلد اللجوء. في تلك الأوقات تتعرض النساء بصورة خاصة لمخاطر أكبر بسبب جنسهن، سواء خلال عملية النزوح أو في بلد اللجوء.

العنف الجنسي ضد النساء خلال الصراعات من بين أقدم أشكال الانتهاكات، لكن الجديد هو تحوله اليوم ليصبح أحد التكتيكات الإرهابية في بلاد مثل العراق، وليبيا، ومالي، ونيجيريا، وسوريا واليمن، بهدف تدمير العائلات والثقافات وبث الرعب في قلوب السكان المدنيين بالإضافة إلى تزويد المقاتلين بالنساء لزيادة التجنيد من ناحية وجمع الأموال من خلال بيع النساء في أسواق النخاسة أو من الفدى التي تدفعها عائلاتهن[i].

نصيب الأسد

كان لسوريا حصة كبيرة من الأبحاث والتقارير الإخبارية حول عمليات الاغتصاب التي انتشرت على نطاق واسع إما على يد القوات الحكومية كأسلوب انتهجته تلك القوات لمعاقبة المجتمعات التي تميزت بحراك ضد حكومة الأسد، أو على يد الجماعات الإسلامية وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

لا يمكن إغفال ما مارسه تنظيم الدولة من عنف ممنهج ضد النساء الأيزيديات شمل اختطافهن واغتصابهن وبيعهن أو منحهن هدايا لمقاتلي التنظيم على نحو دفع بالعديد من هؤلاء الضحايا إلى الانتحار، وفق تقرير لمنظمة العفو الدولية.

أما في السودان، فقد استخدم ﺍﻟﺠﻴﺶ ﻭﺟﻤﺎﻋﺎﺕ ﺍلجنجويد ﺍﻻﻏﺘﺼﺎﺏ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﻨﺘﻈﻢ ﻹﺭﻫﺎﺏ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﻭﺗﺸﺮﻳﺪﻫﻢ ﻭﺍﺳﺘﻬﺪﺍﻑ ﺍﻟﻘﺒﺎﺋﻞ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻓﻲ ﺇﻗﻠﻴﻢ ﺩﺍﺭﻓﻮﺭ.

ﻭﺃﻇﻬﺮﺕ بعض الدﺭﺍسات شهادات ﺍﻟﻨﺴﺎء ﻣﻦ ﺩﺍﺭﻓﻮﺭ ﻋﻦ ﺍﻋﺘﺪﺍءﺍﺕ ﺣﺼﻠﺖ ﺧﻼﻝ ﻓﺘﺮﺍﺕ ﺍﻟﻬﺪﻭء التي تخللت أوقات ﺍﻟﻨﺰﺍﻉ ﺍﻟﻤﺴﻠﺢ.

كذلك ﺷﻬﺪﺕ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﺟﻨﻮﺏ ﻛﻮﺭﺩﻓﺎﻥ (ﺟﺒﺎﻝ ﺍﻟﻨﻮﺑﺔ ﻭﺃﺑﻴﻲ) تعرض ﺍﻟﻨﺴﺎء ﻟﻼﻏﺘﺼﺎﺏ ﻛﺴﻼﺡ ﻣﻨﻈﻢ ﻣﻨﺬ ﺍﻟﻌﺎﻡ 2011 ﻛﺤﻤﻠﺔ ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ "ﻟﻠﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ ﻫﻮﻳﺔ ﺍﻟﻨﻮﺑﺔ" ﻭﺗﺸﺮﻳﺪ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ.

ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻟﺠﻨﺴﻲ ﻣﺎﻳﺰﺍﻝ ﻣﻨﺘﺸﺮًﺍ ﻋﻠﻰ ﻧﻄﺎﻕ ﻭﺍﺳﻊ ﻭﻳﺘﻢ ﺗﺴﺠﻴﻠﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺛﺎﺋﻖ، ﻓﺈﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻌﺐ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﻣﺪﻯ ﻣﻤﺎﺭﺳﺘﻪ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻨﻴﻞ ﺍﻷﺯﺭﻕ، ﺧﺎﺻﺔ ﺑﺴﺒﺐ ﻋﺪﻡ ﺍﻟﺴﻤﺎﺡ ﻷﻋﻀﺎء ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺪﻭﻟﻲ ﺑﺎﻟﻮﺻﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ.

تكشف نتائج مسح أجرته لجنة الإنقاذ الدولية في درعا والقنيطرة يونيو 2015، أن 40% قلن إنهن تعرضن لعنف جنسي أثناء الحصول على المساعدات الإنسانية.

أثناء الهروب أيضًا

وإذا فرضنا نجاة النساء من العنف المتوقع خلال الحرب، فإنهن يواجهن عند الفرار صعاب أخرى مرتبطة بجنسهن في المقام الأول، فعلى سبيل المثال لا يسمح للنساء بالسفر لوحدهن ولذلك فإنهن غالبًا ما يعتمدن أثناء فرارهن على نساء أو رجال آخرين يرافقوهن أو يقومون بدور الوصي عليهن.

وقد تضطر النساء إلى تقديم خدمات جنسية للرجال مقابل الحماية أو الطعام لهن وأطفالهن أو حتى القيام بالإجراءات الرسمية لهن عند وصولهن إلى بلد اللجوء، لاسيما و أن هذا هو الوقت الذي قد ينفصل فيه أفراد الأسرة عن بعضهم البعض[ii].

تصبح مخيمات اللاجئين بركة للاعتداء الجنسي ضد النساء لأسباب متباينة، قد يطلب الحرس وممثلو الحكومة والعمال طلبات جنسية لقاء الطعام والحماية والأوراق الرسمية والمساعدات الأخرى.

كما قد يصاب اللاجئون أو النازحون الذكور الذين فقدوا الفرص التي كانت متاحة لهم في وطنهم بالغضب والضجر. وتسوء هذه المشكلات عندما يرى الرجال نساء يتحملن مسؤوليات جديدة. ومن ثم فقد يتصرفون بعنف حيال النساء. وتشيع هذه الحالات أكثر إذا كان الرجال يتناولون الكحول أو المخدّرات، قد يشن سكان المناطق المجاورة هجوما [iii].

تقدم الأزمة السورية نموذجًا صادمًا عبر تقرير أُعد لصالح صندوق الأمم المتحدة للسكان تحت عنوان "أصوات من سوريا 2018" يوثق تعرض نساء سوريات للاستغلال الجنسي من قِبل رجال محليين يقدمون المساعدات الإنسانية باسم منظمات دولية، تتم العملية بطريق مقايضة المساعدات أو التنقل بمزايا جنسية، ويسلط التقرير الضوء على أمثلة من النساء والفتيات اللواتي تزوجن مسؤولين لفترة قصيرة من الزمن لتقديم "الخدمات الجنسية" مقابل الحصول على الطعام.

وتكشف نتائج مسح أجرته لجنة الإنقاذ الدولية في درعا والقنيطرة يونيو/ حزيران 2015، أن 40% ممن أجري عليهن البحث قلن إنهن تعرضن لعنف جنسي أثناء الحصول على المساعدات الإنسانية.

زيادة أعداد الأرامل يؤدي إلى تغيير الأدوار الاجتماعية والاقتصادية للنساء، كما يغير من بنية الأسرة ويؤثر على الأمن الشخصي للمرأة وينال من حقوقها في الميراث.

في المعسكرات

تقدم مراكز استقبال المهاجرين في اليونان التي تعاني من الاكتظاظ، ولاسيما مخيم موريا على جزيرة ليسبوس، نموذجا آخر يؤكد على ذلك، إذ تشير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إلى تعرض النساء اللاجئات فيه للتحرش والاعتداء الجنسي. وتلقت المفوضية شهادة أكثر من 600 حالة في تلك المخيمات وطالبت مرات عديدة الحكومة اليونانية العمل على الحد من الاكتظاظ، وتحسين الظروف المعيشية في مخيمات ومراكز إيواء اللاجئين.

ويمكن الإشارة إلى أوضاع اللاجئات السوريات في إقليم كردستان العراق التي تشير التقارير إلى أنهن تعرضهن للعنف النفسي والجسدي والجنسي من الزوج، عندما كانوا يعيشون في سوريا ثم صارت أسوأ بعد الفرار إلى العراق.

من ناحية أخرى كان من الواضح أن معظم اللاجئات لم يكن بإمكانهن الحصول على وسائل منع الحمل سواء ﻷﺳﺒﺎب دﻳﻨﻴﺔ أو ﺛﻘﺎﻓﻴﺔ وهو ما أدى لتكرار وفاة الأمهات وأجنتهن في منتصف فترة الحمل.

بلد اللجوء

ولأن الرجال إمّا أغلبهم منضمين إلى الجماعات المتحاربة وإمّا واقعين في الأسر. فتواجه النساء وحدهن إعالة أنفسهن وأطفالهن وكبار السنّ من الأقارب، وهي أحيانًا مسؤوليات جديدة وكبيرة عما عرفوه في بلدانهن.

وبالنسبة لفرص اللجوء، فإن النساء لا يمنحن فرصًا مساوية للتي تمنح للرجال فى تقديم طلبات لجوئهن أثناء إجراءات تحديد وضع اللاجئ، وفي أحيان لا ينظر إلى طلبات لجوئهن بطريقة تراعي نوع الجنس والأسباب الخاصة التي دفعت بهن إلى اللجوء[iv].

وإذا نجحت النساء في النجاة من كل تلك الصعاب وخرجن من مراكز الاستقبال، يكون من الصعب التمتع بأدنى حقوقهن بما في ذلك حقهن في الحصول على مستوى مناسب من المعيشة والخدمات وكذلك الحق في التعليم والحق في العمل.

فوق هذا؛ غالبًا ما تواجه المرأة بعض الصعوبات التالية: العيش بين أشخاص لا يرغبون في وجودها، أو لا يتحدثون بلغتها، وحالة عدم اليقين المرتبطة بعدم معرفة وقت عودتها إلى وطنها، والحاجة إلى أوراق تثبت أنها لاجئة أو نازحة[v].

ولو عادت إلى الوطن

تمتد آثار بعض المشكلات التي تعانيها المرأة اللاجئة أو النازحة إلى مرحلة ما بعد انتهاء النزوح/ اللجوء والعودة للوطن، وهذا ما يظهر في إشكاليات عدة منها زيادة أعداد الأرامل مما يؤدي إلى تغيير الأدوار الاجتماعية والاقتصادية للنساء في البيت والمجتمع، كما يغير من بنية الأسرة ويؤثر على الأمن الشخصي للمرأة وينال من حقوقها في الميراث، وفي حال انقطاع صلتها مع أهل الزوج قد لا يسمح لها بالاحتفاظ بالأطفال وقد تجبر على الزواج بشقيق الزوج وفي حال رفضها تنبذها الأسرة. وهذا ما يحدث بالفعل لدى القبائل في جنوب السودان[vi].


اقرأ أيضًا: "اتنشن هور؟": جريمة اسمها مقاومة التحرش


وبعد الاغتصاب يُعاقبن

ويعد وضع ضحايا العنف القائم على النوع في النزاعات التي شهدتها السودان شاهدًا على ما تعانيه المرأة في هذا الصدد، إذ يشير أحد ﺍلتقارير ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﺴﺎء ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﻳﺘﻌﺮﺿﻦ ﻟﻠﻌﻘﻮﺑﺔ إذا تعرضن للاغتصاب، فالتحدث ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻟﺠﻨﺴﻲ ﻋﻼﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﻳﺘﻀﻤﻦ ﻣﺨﺎﻃﺮ ﺷﺪﻳﺪﺓ، ﺧﺎﺻﺔ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﺤﺎﻻﺕ ﻳﺘﻮﺭﻁ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺴﺌﻮﻟﻮﻥ ﻣﻦ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ.

ﻭﻗﺪ ﺗﻌﺮﺿﺖ ﺍﻟﻨﺴﺎء ﺍﻟﻠﻮﺍﺗﻲ ﻗﺪﻣﻦ ﺗﻘﺎﺭﻳﺮ ﺑﺤﺎﻻﺕ ﺍﻻﻏﺘﺼﺎﺏ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﺃﻭ ﺍﻟﺴﺠﻦ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻔﻰ. بل وتتعرض ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺴﺎء ﻭﺍﻟﻔﺘﻴﺎﺕ ﺍﻟﻠﻮﺍﺗﻲ ﻳﺘﻘﺪﻣﻦ ﻟﻺﻓﺎﺩﺓ ﻋﻦ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍء ﺍﻟﺬﻱ ﻟﺤﻖ ﺑﻬﻦ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﺗﻬﺎﻡ ﺑﺎﺭﺗﻜﺎﺏ ﺍﻟﺰﻧﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ. ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻋبئ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻻﻏﺘﺼﺎﺏ ﻳﻘﻊ ﻋﺎﺩﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ. ﻭﻳﺘﻮﺟﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺇﻣﺎ ﺍﻟﺤﺼﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻋﺘﺮﺍﻑ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺎﻧﻲ ﺃﻭ ﺗﻘﺪﻳﻢ ﺷﻬﺎﺩﺓ ﻣﻦ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺷﻬﻮﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﺬﻛﻮﺭ ﺍﻟﺒﺎﻟﻐﻴﻦ.


المصادر:

[i] فرِيد ستاسر "النساء والتطرف العنيف: تهديد متزايد يتطلب عملاً منسقاً"، (المعهد الأميركي للسلام) 3/8/2015. ترجمة: علاء الدين أبو زينة، الغد. 2015 http://alghad.com

[ii] الدكتورة نوال نورالدائم العجيمي، "المرأة اللآجئة بين إنتهاكات الحقوق ومعضلة الجندر"، شبكة المرأة السورية، 2013/09/22.

[iii] بوابة الصحة للجميع hfa.mawared.org.

[iv] الدكتورة نوال نورالدائم العجيمي، "المرأة اللآجئة بين إنتهاكات الحقوق ومعضلة الجندر"، شبكة المرأة السورية، 2013/09/22

[v] بوابة الصحة للجميع hfa.mawared.org.

[vi] دعد موسى، "الآثار الاجتماعية والنفسية للنزاعات المسلحة على المرأة" http://musawasyr.org