تصميم: المنصة

كيف نتوقف عن كراهية أنفسنا ونتعلم قبول الذات

إيذاء النفس هو أكثر الطرق تطرفًا فى الإعلان عن كراهية الذات، سواء كان هذا الإيذاء جسديًا من خلال الجروح والحروق؛ أو بتكرار الدخول فى علاقات يتعرض فيها الشخص للاستغلال والإساءة الجسدية أو النفسية.

في فيلم مارتي Marty، إنتاج عام 1955، نتابع فصلا من حياة شاب أمريكي من أصل إيطالي، يعمل بمهنة الجزارة. يتمنى مارتي الذي وصل إلى منتصف العمر بلا حب أو زواج أن يجد امرأة تقبله رغم كونه "سمينًا قبيح الوجه" كما يرى في نفسه.

في مشهد مبكر من الفيلم، يجلس البطل إلى مائدة العشاء مع أمه، يعلن أنه يأس من محاولة إيجاد الحب والزواج "أيا كان الشيء الذي تحبه النساء، فأنا لا أتمتع به". لكنه رغم ذلك لا يتوقف عن مقارنة حياته بكل من حوله ويتمنى أن يجد ما يحظون هم به "الجميع متزوج وسعيد إلا أنا"، في مارتي، تتجسد حالة كلاسيكية للمصابين بمتلازمة كراهية الذات.

لا توجد إحصاءات واضحة عامة تعبر عن حجم انتشار رفض أو كراهية الذات self loathing في المجتمع المصري أو العربي، ولكن من واقع الممارسة العيادية* يمكننا أخذ مؤشر عن حجم انتشارها، من حقيقة كون كثير من المترددين على العيادات النفسية يعانون من تلك المشكلة.

كيف يمكن اكتشاف كراهية الذات

هناك علامات يمكن الاعتماد عليها في التعرف على كون الشخص مصابًا بحالة من رفض الذات. هذه العلامات تتبدى في أفكاره وسلوكياته اليومية ومنها إحساس الشخص بالدونية أو اتخاذ أقنعة لإخفاء حقيقة شخصيته عن أعين الاخرين وغيرها من العلامات التي سنستعرضها بالتفصيل.

  • الشعور بالدونية: أو مركب النقص The Inferiority complex كما كان يطلق عليها قديما – يعتبر هو الشكل الأشهر لرفض الذات. يمكننا هنا أن نسترجع حالة مارتي التي بدأ بها هذا المقال. فالشخص المصاب بالشعور بالدونية تسيطر عليه أفكار سلبية حول قيمة ذاته، ويظل يقارن نفسه بالآخرين.

في العيادة النفسية، جاء شاب كان قد وصل إلى درجة مبالغ فيها من تدمير الذات، من خلال مقارنة نفسه بعدد كبير من الممثلين ولاعبي الكرة الأقرب له فى العمر. وكانت هذه المقارنات المجحفة حول مقدار الدخل محسومة دائما في غير صالحه، وبالتالي كان يزداد شعوره بالدونية والنقص والحزن والحسرة.

أحد أهم علامات رفض الذات، هي استمرار الشخص في عمل يقتل كل طموح وشغف للمستقبل، لإيمانه بأنه لا يستحق أفضل من هذا العمل أو أفضل من هذه العلاقة.

  • كراهية النفس: لا ننكر أن هذه النقطة تحديدًا كانت محركًا لكثير من الأعمال الأدبية العظيمة التي وضعها كتاب أصيبوا بكراهية النفس، أو كانت محورًا يدفع شخصياتهم داخل الروايات والأعمال القصصية للتصرف بشكل تفرضه تلك الحالة من كراهية الذات. في رواية "لورد جيم Lord jim" لجوزيف كونراد، نجد أن كراهية البطل لنفسه بعدما تكشف له مدى جبنه وعدم قدرته على أن يكون بطلا، تدفعه لأن يسعى لحياة نبيلة تحكمها التضحية والفداء من أجل الآخرين كمحاولة للتعويض عن الخوف الذي أصابه ودفعه لكراهية نفسه في مواجهة مبكرة.

غلاف إحدى طبعات رواية لورد جيم لجوزيف كونراد. 

لكن بعيدًا عن الإبداع الأدبي، فإن حالة كراهية النفس؛ حالة مدمرة تجعل الإنسان يتولي تدمير نفسه بيده عوضًا عن الآخرين.

بشكل شبه يومي، كان أحد المراهقين يتعرض لتعليقات سلبية حول ملامح وجهه ووزنه الزائد، مما خلق لديه شعورًا عميقًا بكراهية نفسه، ما جعل أفكار إيذاء الذات Self harm. تسيطر على عقله، فلجأ للعلاج النفسي.

  • إيذاء الذات: وهو أكثر الطرق تطرفا فى الإعلان عن كراهية الشخص لنفسه، وأنه غير متوافق مع نفسه سواء كان هذا الإيذاء بطريقة واضحه كما في الانتحار، أو خفيًا من خلال الجروح والحروق التي يحدثها صاحبها بنفسه في جسده ويخفيها بالملابس؛ أو حتى بتكرار الدخول فى علاقات متشابهه يتعرض فيها للاستغلال والاستنزاف والإساءة الجسدية أو النفسية. أو حتى باستمراره في عمل يقتل فيه كل طموح وشغف للمستقبل، لإيمانه بأنه لا يستحق أفضل من هذا العمل أو أفضل من هذه العلاقة.
  • هيمنة الذات المزيفة: سيدة فى الثلاثين من عمرها تعودت أن ترسم ابتسامة واسعة حتى فى أصعب الأوقات، يراها الجميع لطيفة ودودة، ويَعُدُّون ابتسامتها الدائمة رغم صعوبة ظروفها أمرًا يُحمد لها. لكن الحقيقة أن تلك الابتسامة الدائمة هي واحدة من طرق كبت الذات الحقيقة. فهذه السيدة قامت بتكوين قشرة خارجية، أو قناع لإخفاء ذاتها الحقيقية – بكل ما تحمله من ضعف وهشاشة ومعاناة وصراع – وهي إذ تخفيها عن الآخرين خوفًا من زيادة معاناتها الداخلية أو سعيًا للحصول على قبولهم ومحبتهم؛ إلا أنها ترتدي تلك الابتسامة/القناع أمام نفسها، كي تهرب من ألم اكتشاف أن حياتها غير مرضية.

حالة رفض الذات والتعويض عنها بالقشرة الخارجية التي تخلق ذاتًا مزيفة، تهيمن على الشخص وتخفي تحتها الذات الحقيقية. قد تتبدى هذه الحالة في مبالغة الشخص الذي يمر بحالة من رفض أوكراهية الذات في الاهتمام بمظهره الخارجي، فتكون ملابسه البراقه أغلبها من ماركات ثمينة Brands، ليخلق منها جدارًا يختفى خلفه. كما قد يأخذ هذا الجدار صورة المبالغة في الإنجازات الشكلية كالتحصيل العلمي والشهادات والألقاب "دكتور أو استاذ أو مهندس " دون أن يصاحب ذلك أي تعلّم حقيقي أو نضج في الشخصية.

  • التوقف عن الوظائف الحياتية: فى رواية السقامات كان سيد يذكر نفسه بعد وفاة والده المعلم شوشه انه مهما اشتدت الظروف "يجب أن نصبر ونواصل السير في الحياة لنقوم بواجبنا نحو الخالق والمخلوقات .. حتى يصيبنا قضاء الله".

حينما يصل رفض الذات إلى درجة مرتفعة، يقود للشخص لأحد أعراض الاكتئاب الحاد؛ إذ يتوقف عن ممارسة أدواره الحياتية، كأن أحدهم ضغط زرًا بداخله جعله يزهد في كل شيء. هنا تصل مرحلة كراهية الذات واليأس من قدرتها على تحقيق أي شيء إلى توقف فعلي عن عمل أي شيء.

قبل امتحان التخرج بأيام معدودة قام شاب بسحب أوراقه من الجامعة. وعادة ما تكون مثل تلك القرارات بمثابة نوع من الانسحاب وعزل الذات، كجزء من رفضها.

كيف تبدأ رحلتنا مع قبول أنفسنا؟

القبول هو صوت رحيم نحتاجه طوال الوقت بلا شروط، بلا أحكام. وحتى عندما نخطئ. فهو يساعدنا على تخطي الألم والتعامل مع الحياة. كما حدث مع مراد بطل فيلم "السفاح" في موقفه الصعب إذ يواجه احتمال الموت.

نحتاج إلى القبول غير المشروط من اللحظة الأولى في الحياة. وعندما نصل إلى الإشباع من ذاك القبول، نتعلم كيف نقبل أنفسنا ونتعامل معها، ونُلبِّي احتياجاتنا الشخصية بشكل صحي. وإن لم يحدث الإشباع لاحتياجاتنا وعلى رأسها القبول غير المشروط؛ فقد تظهر علينا مؤشرات رفض الذات. وكبداية لقبول أنفسنا الآن علينا ادراك الأتي:

  • فلنقبل إنسانيتنا المحدودة: الإنسان بحكم تكوينه كائن محدود القدرات والمهارات فى هذا الكون الواسع. لذا فالأخطاء وارد أن تحدث طول الوقت وعلى كل المستويات. تذكير النفس بهذه الحقيقة يساعدنا على قبول محدودية الذات، وأنها ليست قادرة على القيام بكل شيء، وأنه لا داعي لكراهية النفس بسبب الخطأ أو الفشل.
  • ضرورة التوقف عن إيذاء النفس: التوقف عن لوم نفسي على الأخطاء والسخرية منها حينما أقوم بأى سلوك. بل على أن اشكر نفسي على أي أخطاء تصدر مني، لأني سأتعلم منها. عليّ أن أصرف طاقتي وتفكيري لتحليل أسباب ودوافع وظروف الوقوع في الخطأ والتركيز على إصلاحها كي تكون حياتي أفضل.
  • تعديل الصورة المثالية للذات: لدى كلٍ منا صورة مثالية لذاته يسعى للوصول إليها. ولكن في الكثير من الأحيان يكون هذا التصور مبالغ فيه وغير واقعى؛ مما يسبب الشعور بالإحباط بسبب عدم الوصول إلى تحقيق هذا التصور المستهدف. وبالتالي فالشخص بحاجة لمراجعة نفسه في تصوراته عنها، وأن يعرف ما هو ممكن ومتاح، وألا يُلزم نفسه بما لا يقدر عليه وما يتحدى حقيقة أنه كإنسان صاحب طاقة وقدرات محدودة.
  • تجنب العادات الإدمانية: تجنب العادات الإدمانية كإدمان العمل أوالجنس أو الأكل أو التسوق أو الإنترنت، وبالطبع المخدرات. لأن جميع ما سبق يعمل على التغطيه على المشاعر "الغلوشة". فمساعدة النفس على قبول الذات، تبدأ من الحديث الصادق عن المشاعر ونقاط الضعف والتناقضات الداخلية والاحتياجات الشخصية مع من أثق بهم.
  • الاستعانة بالتأمل اليومي: يمكن الاستعانة بالدعاء الأشهر بين زمالات العلاج الذاتي من الإدمان كنشاط للتأمل اليومي "اللهم امنحني السكينة لقبول الأشياء التي لا أستطيع تغييرها، والشجاعة لتغيير الأشياء التي أستطيع تغييرها، والحكمة لمعرفة الفرق بينهما". بهذا الدعاء يمكنني وضع قائمة بالأشياء التي لدي القدرة على تغيرها، وبالتالي سيكون لدي مع الوقت خطط لذلك. وقائمة أخرى بالأشياء التي ستبقى كما هي، حتى أتوقف عن إهدار عمري في محاولات تغييرها.
  • طلب المساعدة المتخصصة: يسبب رفض الذات - لأسباب كثيرة - معاناة شديدة وغير محتملة لدى بعض الأشخاص، تجعلهم غير قادرين على أداء أدوارهم في الحياة، أو تجعل أفكار إيذاء الذات ومحاولات الانتحار مسيطرة عليهم. هذا يحتِّم عليهم طلب المساعدة المتخصصة من معالج نفسي.

(*) كاتب المقال يعمل معالجًا نفسيًا