غلاف رواية فيدباك

"فيدباك".. حكاية مجتمع فاسد مدفوع بقوة البوح

يحمل النص خطابًا نسويًا معتدلًا، يجعل من المرأة ومعاناتها وحقوقها المهدورة محورًا ومركزًا للخطاب والسرد، دون معاداة للرجل أو الذكورة بشكل كامل.

اعتدنا خلال السنوات الأخيرة ظهور روايات عربية تحمل أسماءً غريبة مثل هيبتا وأرض زيكولا وأوبال وشيطلائكية وغيرها. تقع أغلب هذه الروايات تحت تصنيف الأدب الخفيف أو الاستهلاكي، أو أدب الرعب. وتحتل في بعض الأحيان قوائم الأكثر مبيعا لسبب أو لآخر، لكن غير المعتاد أن نجد رواية من المفترض أنها تصنف ضمن قوائم الأدب الجاد، وحاصلة على جائزة ذات اعتبار في الأوساط الادبية تحمل اسمًا غير مألوف للأذن العربية.

الرواية محل حديثنا هي "فيدباك" للكاتبة سناء عبد العزيز، الحائزة على جائزة الطيب صالح للإبداع الأدبي في دورتها السابعة. وعنوان الرواية هو كتابة بالأحرف العربية لمصطلح إنجليزي، لا يوجد له ترجمة مباشرة من كلمة واحدة في اللغة العربية. ولفظة فيدباك Feedback تعني بالعربية؛ التغذية العكسية، أو رجع الصدى.

والتوقف أمام العنوان كمدخل لقراءة هذا النص الأدبي، ليس من قِبَل اعتبار العنوان عتبة أولى من عتبات النص فقط؛ بل لكون هذا العنوان محورًا للعمل ككل، وتيمة رئيسة يتمحور حولها النص. ولتقريب معنى العنوان من حالة النص، يمكن استبدال المصطلح الأجنبي بكلمات مثل الانطباع أو رد الفعل أو الرأي أو التقييم.

تيمة الرواية الرئيسة هي الفيدباك أو التقييم. تقييم الأنا للآخر والعكس، وكذا تقييم الإنسان للعالم. فالشخصيات النسائية في العمل تتبادل الأراء والتقييمات بينها وبين البطلة طوال الوقت. فالبطلة تحكي عن تقييمها لنفسها وحياتها وعالمها بشكل صريح غالبًا، وضمني أحيانًا. وتعطي تقييماتها الخاصة لكل الشخصيات المشاركة في عالمها، وعندما يأتي دور هذه الشخصيات لإعطاء التقييم أو الفيدباك تتنحى لهم الساردة عن مسرح السرد، ليقوموا هم بعملية إعطاء الفيد باك الخاص بهم عنها (تقييمهم لها).

تدور أحداث الرواية حول البطلة (س) وزوجها (و) وعلاقة كل منهما بالآخر، وعلاقة س بأسرتها التأسيسية؛ الأب والأم والأخوات، والعلاقات الداخلية بين هذه الشخصيات وبعضها البعض، وموقفهم من البطلة وموقفها هي منهم، وعلاقاتهم المتخبطة طوال الوقت. وعبر فصول الرواية نرى رحلة البطلة مع العمل والتعليم في ظل علاقاتها الأسرية والإنسانية المتخبطة. ويتم سرد كافة أحداث الرواية وفصولها وعرض شخصياتها وشبكات علاقاتهم من خلال أسلوب المذكرات أو السرد الذاتي، ويتضافر مع ذلك السرد الذاتي تقنيات تيار الوعي البارزة في العديد من فصول الرواية.

وبذلك نجد أن حبكة النص تتلخص في رحلة البطلة في البحث عن فيدباك إيجابي طوال حياتها، وتتلخص أزمتها الوجودية في المثل الشعبي القائل "من لم يشبع على مائدة ابيه، فلن يشبع أبدا"، فطوال الوقت تسعى البطلة للحصول على تقييم أو فيدباك إيجابي تفتقده منذ طفولتها، ولكن عندما تحصل عليه من الخارج لا تستطيع القبول به بسهولة، وتظل متشككة في ذاتها وقدراتها، ليتحول الأمر بعد ذلك إلى ما يشبه الهوس بهذا الفيدباك أو التقييم.

النص هنا يرصد الوجه الأسود من المجتمع، وعلاقاته الإنسانية المتشبِّعة بالقهر والظلم والفساد واللاإنسانية والضعف والخذلان والخسارة.

رواية أم نوفيلا؟

من حيث الحجم يمكن اعتبار فيدباك رواية وإن كانت قصيرة. ولكن من حيث البناء يبتعد النص عن محددات الجنس الأدبي للرواية ويقترب أكثر من النوفيلا، التي تعتمد على تقديم تحليل مكثف لمحور محدد، مع تناول مضامين موسعة غير مُطوَّرة.

بحسب هذا التعريف نجد أن النص يحوي نطاقًا محددًا هو علاقة البطلة بأسرتها، يتم تحليله بشكل مكثف لنرى علاقاتها بالجميع. مع مضامين موسعة شملت العلاقات الزوجية والأسرية في نطاق شريحة مجتمعية معينة، وشملت أيضا علاقة الأفراد بالدين والإله، وعلاقة المرأة بجسدها، والدور الاجتماعي للمرأة والرجل في الأسرة، وغيرها من المضامين التي تم تناولها في الرواية بشكل غير مطور. لذا أعتقد أنه كان من الأجدر تصنيف النص باعتباره نوفيلا من حيث البناء.

تخلصت الكاتبة سناء عبد العزيز من سمة مميزة للروائيات من بنات جيلها، إذ يتسم إبداع الكاتبات المعاصرات بالاهتمام بالوصف التفصيلي المشهدي أو الشعوري، والعمل على إبراز تفاصيل مختلفة قد لا تلاحظها سوى النساء. ما يجعل القارئ غير العليم أو المطلع على عوالمهن وأفكارهن، إما متحيرًا أو ملولًا، أو غير مدرك لدلالات هذه التفاصيل وأبعادها. لكن كاتبة فيدباك تخلصت بشكل كبير من هذه السمة، فكان الأسلوب مكثفًا ومقتصدًا يبرز الأفكار والأحداث الداعمة لتيار السرد فقط.

نسوية معتدلة

يحمل النص خطابًا نسويًا معتدلًا، يجعل من المرأة ومعاناتها وحقوقها المهدورة محورًا ومركزًا للخطاب والسرد، دون معاداة للرجل أو الذكورة بشكل كامل.

سناء عبدالعزيز

فالنص هنا يتمحور حول بطلة واحدة، وهي في نفس الوقت الساردة. تتمتع البطلة بشخصية قوية وقيادية، وهي محور الحدث في حياة كل المحيطين بها. تتصرف بشكل مستقل ومسؤول طوال الوقت، وتتمتع بما اصطلح عليه اجتماعيًا بالقيم الرجولية (وليست الذكورية) الإيجابية.

أما الآخر المقابل؛ فيبدأ من الأب الذي يحمل تركيبًا عجيبًا من المشكلات النفسية، يتحول بموجبها إلى مسبب للأزمات النفسية في حياة أولاده، بينما نجد الأم هي المتصدرة للمشهد الأسري وتحمل المسؤولية الفعلية.

نموذج الآخر/ الذكر يتمثل كذلك في أزواج الأخوات، فلا نجد فيهم أمل أو شخص ذو قيمة أو فائدة. حتى النموذج الذي يحمل بعض الأمل وهو طالب الطب الذي كان يحب واحدة من الأخوات، تم تصديره بصورة أنه وفى بوعده لكن بعد فوات الأوان، ومن يأتي بعد فوات الأوان لا يعول عليه.

نأتي للنموذج الأبرز للآخر للذكر، وهو الزوج. الزوج هنا ليس بطلًا، فبطولة النص هنا فردية للساردة/ الزوجة فقط. الزوج ذو وجود شبحي أو طيفي، لا يظهر سوى كمعلق على بعض الأحداث الخاصة بحياة الساردة الشخصية، بعد أن أسس السرد لشخصيته بشكل مكثف في البداية بكونه شخص عدمي قليل الحظ، وأحيانا قليل الحيلة، يتمتع بميراث ذكوري يسيطر عليه بشكل ما، وإن حاول التخلص منه؛ إلا أنه يعود ليطغى على العلاقة بينه وبين محبوبته.

الصراع هنا ليس لامرأة مقابل رجل، أو امرأة في مواجهة مجتمع ذكوري؛ بل هو صراع إنسان فاسد (بشكل أو بآخر) في مواجهة مجتمع أكثر فساد.

الوجود الشبحي للزوج، مع رسم الصورة السلبية له وتبريرها أبرزه على أنه ليس فاسدًا كالآخرين، لكن لديه مشكلاته ومساوئه أيضا. هذا الوجود الشبحي كشف جزءًا كبيرًا من لعبة النص، وخفف كثيرا من نسويته. فالساردة لا تلوم الرجال وحدهم بل الإدانة هنا عامة للجميع ومن الجميع. الساردة تدين كل الشخصيات وأحيانا تدين نفسها ولو بشكل ضمني. والأصوات الناطقة في الرواية جميعها (حتى الأخوات المقربات من البطلة)، يدنَّ البطلة من وجهة نظرهن سواء بشكل كامل أو جزئي.

فالصراع هنا ليس لامرأة مقابل رجل، أو امرأة في مواجهة مجتمع ذكوري؛ بل هو صراع إنسان فاسد (بشكل أو بآخر) في مواجهة مجتمع أكثر فساد. النص هنا يرصد الوجه الأسود من المجتمع، وعلاقاته الإنسانية المتشبِّعة بالقهر والظلم والفساد واللا إنسانية والضعف والخذلان والخسارة.