استجب للنداء المقدس.. نصائح في الكتابة من مؤلفة "طعام.. صلاة.. حُب"

رجاءً، قاوِم نداءَ الجنون.

كتبت الروائية والقاصة الأمريكية إليزابيث جيلبرت، مؤلفة كتاب Eat, Pray, Love هذا المقال على موقعها الشخصي.


أحيانًا، يطلبُ منّي الناسُ المساعدة أو اقتراحاتٍ بشأن كيفيّة الكتابة أو النّشر. ومع الأخذ في الاعتبار أنّ الأمر كلّه عابِرٌ وشخصيٌّ تمامًا؛ سأحاولُ أن أشرحَ هُنا كلَّ شيءٍ أؤمن به عن الكتابة. أتمنّى أن يكون الأمرُ ذا نفع. فهذا هو كلُّ ما أعرف.

لديّ إيمانٌ بأنّك إن كنتَ جادًّا بشأن حياة الكتابة- أو بشأن أيّ شكلٍ من أشكال التعبير الإبداعيّ طبعًا- عليكَ أن تأخذ الأمر كما لو كان نداءً مُقدّسا. لقد صرتُ كاتبة بنفس النّهج الذي صار به أُناسٌ آخرون راهباتٍ ورُهبانا. نذرتُ نفسي للكتابة في سِنّ صغير جدًا. أصبحتُ عروسًا للكتابة. كنتُ الخادمةَ المخلصة للكتابة. بنيتُ حياتي بأكملها حول الكتابة. لم أكن أعرف سبيلاُ آخر للعيش. لم أعرف شخصًا صار كاتبا. فأنا- كما يقولون- ليس لديّ علاقات. لم يكن لديّ إشارات تهديني الطريق. أنا بدأتُ فحسب.

تلقّيتُ بضعةَ دروسٍ في الكتابة الإبداعية حينما كنتُ في جامعة نيويورك. لكن، بصرف النظر عن ورشة الكتابة الممتازة التي كانت تقدِّمها هيلين شولمان؛ فقد اكتشفتُ أنّني لم أكن أرغب حقيقةً أن أمارس هذا العمل في فصلٍ دراسي. فلم أكن على قناعةٍ أنّ ورشةً، تمتلئُ بثلاثة عشر كاتبًا شابًّا آخرين، يحاولون اكتشاف أصواتهم الخاصة، بأنّها كانت أفضل مكانٍ بالنسبة لي كي أكتشف صوتي. لذا كنت أكتب بمُفرَدي، إلى جانب النشاط الدراسي. كنتُ أعرض ما أكتبه على من أثق بآرائهم من عائلتي وأصدقائي. كنتُ دائمًا أكتب، ودائمًا كنتُ أعرض ما أكتبه على الآخرين.

بعد تخرُّجي في جامعة نيويورك، قررتُ أنّني لن أسعى للحصول على الماجيستير في الكتابة الإبداعية. عوَضًا عن ذلك؛ وضعت لنفسي برنامجًا خاصًا للكتابة بعد التخرُّج؛ استلزم إتمامه سنينًا عديدة، قضيتها في الترحال داخل البلاد (الولايات المتحدة) وحول العالَم، حصلتُ على وظائف في بارات، وفي مطاعم ومزارع لتربية الخيل والماشية؛ أستمِع إلى الناس كيف يتحدثون، وأحصِّل الخبرات وأواصل الكتابة بشكلٍ مستمر. ربّما كانت حياتي تبدو فوضوية في أعين النّاظرين -ليس لدرجة أنّ أيّ شخصٍ كان يراقبها عن كثب-؛ لكنَّ سَفراتي كانت مجهودًا متأنّيًا ومدروسًا لأتعلم أكبر قدر ممكن عن الحياة، وبصراحة، كي يكون باستطاعتي أن أكتب عنها.

ظللت أجمع تلال من خطابات الرفض لسنوات. ولا أعرف تفسيرًا للثقة التي واتتني لأرسل قصصي القصيرة في عمر التاسعة عشرة إلى أماكن مثل نيويوركر.

عودة إلى سنّ التاسعة عشرة، وقتها؛ كنت قد بدأت في إرسال قَصصيَ القصيرة للحصول على فرصة للنّشر. كان هدفي وقتها أن أنشر شيئًا ما (أيّ شيء، في أيّ مكان) قبل أن أموت. ظللت أجمع تلال من خطابات الرفض لسنوات. ولا أعرف على وجه الدقة تفسيرًا للثقة التي واتتني لأرسل قصصي القصيرة في عمر التاسعة عشرة إلى أماكن مثل نيويوركر، ولا السبب في أنني لم أصب بالانهيار عندما كان رفضهم لي أمرًا محتومًا. كنت أتوقع وأفهم أنني سأُرفَض في الغالب، لكنّي كذلك كنت أفكر في نفسي "مهلًا!- على أحدهم أن يكتبَ كلّ هذه القصصِ، فلماذا لا أكون هذا الشخص؟".

لم أكن أحبُّ التعرُّض للرفض، لكنّ توقّعاتي كانت متواضعة- أمّا صبري؛ فكان كبيرًا. أُكرِّر: الهدف كان أن أنشرَ قبل أن أموت. وأنا كنتُ يافعةً وفي تمام الصّحة والعافية. لم يكن من السّهل عليّ أن أفهم لماذا يجتهدُّ النّاس في إبداعِ شيء جميل، إلّا أنهم بعدئذٍ يرفضون مشاركته مع أي شخص خوفًا من النّقد. ألم يكن هذا هو هدف الإبداع- أن تقول شيئًا ما إلى العالم؟ لذا، اخرِج هذا إلى النّور. ارسل عملك إلى المحرّرين والوكلاء كثيرًا بقدر ما تستطيع، أرِه لجيرانك، علّقه كملصق على جدران مواقف الحافلات- لا تخفي عملك وتخنقه. على الأقل، حاوِل. وحينما يعيد إليك ذوو السُّلطة مخطوطك (وهم سيفعلون)، خُذ نفَسًا عميقًا وحاول مرّة أخرى.

غالبًا ما أسمع النّاس يقولون "أنا لستُ جيّدًا بما يكفي كي أنشر". هذا قد يكون هذا صحيحًا، أو هو احتمال قائم. كلّ ما أقوله هو: دع شخصًا آخر يقرِّر ذلك؛ المجلّات، المحرّرين، الوكلاء- جميعهم يوظِّفون شبابًا يربحون اثنين وعشرين ألف دولارٍ في العام، وظيفتهم هي أن يقرءُوا كَمِّياتٍ من المخطوطات المقدَّمة، ويردّوا عليك برسائل يُعلِموكَ أنكَ لستَ جيّدًا بما يكفي بعد: دعهم يفعلون هذا. لا تسارع لرفض نفسك. تلك هي وظيفتهم هم، ليست وظيفتك أنت. وظيفتك هي أن تكتبَ تُفضي بما في قلبك، ودعِ القَدرَ يتكفّل بالباقي.

بالنّسبة لأمر الالتزام- هو شيءٌ مهمّ، لكنّه أمرٌ مبالَغٌ في تقييمه على نحوٍ ما. فضيلةُ الكاتب الجليلةُ كما أعتقد، هي، أن يغفر لنفسه. لأنّ كتابتك سوف تصيبك دومًا بالإحباط. كسَلُكَ سيصيبك دومًا بالإحباط هو الآخر. سوف تنذر نذورًا "سأكتبُ لمدّة ساعة كل يوم"، ومن ثَمَّ، لن تفعل. ستفكّر "ما كتبتُه مريع. أنا فاشل. أنا فاقد للموهبة". مواصلة الكتابة بعد حرقة القلب الناجمة عن الإحباط هذه، هي ليست نوعًا من الالتزام فحسب؛ بل هي أيضًا تصالح مع الذات (وهو شيء يأتي من موضع تشجيع ورحمة بالذات).

الشيء الآخر الذي عليكَ أن تأخذه في الاعتبار، هو أنّ جميع الكُتّاب يعتقدون أنّهم مريعون وسيّئون. عندما كنتُ أكتب "طعام، صلاة، حبّ"، كان لديّ صّوت يئزّ في رأسي كـ"مانترا"- كما يحدث لأيّ شخصٍ حين يكتب شيئًا- أنّ هذا الكتاب سيّئ. لكن، تلبّستني لحظةُ صدقٍ، كان الصَّوتُ فيها واضحًا أثناء العمل في الكتاب. ذاتَ يوم، حينما كنتُ أتعذّب، بخصوص وأعتقد أنّ ما كتبته سيئ بشكل مطلق، أدركت أنّه: "في الحقيقة هذه ليست مشكلتي". كانت هذه هي الحقيقة التي أدركتها- فأنا لم أقطع وعدًا للعالَم أنّني سوف أكتبُ شيئًا لامعا؛ أنا وعدتُ العالم أنّني سوف أكتب فحسب. لذا، ولّيتُ وجهي للورقة والقلم، واجتهدتُ في العمل كما يقتضيه نذري.

كل الكتاب يرون أنهم مريعون وسيئون - ليتراري هب lithup

عندي صديق إيطاليّ من صُنّاع الأفلام، لديه حِسٌ فنّيٌ عظيم. بعد أعوامٍ من النّضال في صُنع أفلامه، أرسل خطابًا مؤلِمًا لبطله، صانع الأفلام الّلامع (وربما النصف مجنون) الألماني فيرنير هيرتزوج. شكى له صديقي كيف أنّه من الصعب أن يصير المرء هذه الأيام صانعَ أفلامٍ مستقل، كيف يصعُب الحصول على مِنح الحكومة للفنون، وكيف أنّ الجمهور بأجمعه قد أُفسِد من قِبل هوليوود، وكيف أنّ العالم قد فقد ذوقه.. إلى آخره إلى آخره. كتب هيرتزوج بنفسه خطابًا يرد فيه على صديقي، وكان الخطاب جوهريًا يتمحور حول هذه السطور "توقف عن النحيب. ليس ذنْبَ العالم أنّكَ ترغب أن تكون فنّانًا. ليس من شأن العالم أن يستمتع بالأفلام التي تصنعها، وبالتأكيد ليس فرضًا واجبًا على العالم أن يدفع المال ثمنًا لأحلامك. لا أحد يرغب أن يسمعها. اسرق كاميرا لو اضطررتَ لهذا، لكن، توقَّف عن النحيب وعُد إلى العمل".

أردِّدُ هذه الكلمات لنفسي متى ما بدأت أشعر بأنِّي ناقمة، بأنّي أستحِق، بأني صرت تنافسية غيورة، أو حين لا يُقابل ما أكتبه بالاحترام. "ليس ذنب العالم أنكِ تريدين أن تصبحي فنّانة.. فلتعودي الآن إلى العمل". هذا هو مَسلكُ المخلصين والشُّجعان. لا بدَّ أن تعثر على دافعٍ آخر للعمل غير الرّغبة في النّجاح، أو الشهرة. لا بُدَّ أنّ يأتي دافعك للإبداع من مكان آخر.

جوليا جلاس - ليتراري هب lithup

هاكَ شيءٌ آخر يجب أخذه في الاعتبار. إن كانت رغبتك المقيمة هي الكتابة؛ إذا كنت قد وصلت الآن إلى سن معينة ولم تتح لك الفرصة من قبل لأن تُركِّز في الكتابة، وصرت تفكِّر أنّ الوقت متأخر جدًا على أن تكتب؛ أرجوك، أعد التفكير بالأمر. لقد رأيتُ ﭼوليا جلاس وقد حازت الجائزة القومية للكتاب عن روايتها الأولى "شهور يونيو الثلاثة The Three Junes"، والتي بدأتْ في كتابتها في أواخر الثلاثينات من عمرها. استمعتُ إليها وهي تلقي خطابها المؤثّر أثناء تسلّم الجائزة، والذي قالت فيه كيف اعتادت أن تظلَّ مؤرَّقةً ليلًا في سريرها، وهي تتعذّب بينما كانت تشتغل على كتابها، وتسأل نفسها: "مَن تظنِّينَ نفسك، أتحاولين كتابةَ روايتِك الأولى وأنتِ في هذه السِّن؟". لكّنها كتبتْها. وبينما كانت تمسكُ بجائزتِها قالت "هذه الجائزة نخب هؤلاء الذين تتفتح مواهبهم متأخرًا في هذا العالم".

الكتابةُ ليست شيئًا كالرّقص أو العمل كموديل، الكتابةُ ليست أمرًا إنْ فاتك في سنّ التاسعة عشرة إذن فقد انقضى الأمر؛ أبدًا! الوقت لم يتأخّر. ما تكتبه سيصيرُ أفضل بينما تتقدّم في العمر وتصير أنضجَ وأكثر حكمة. لو أنّكَ كتبتَ شيئًا جميلًا ومهمًّا، وبطريقةٍ ما، اكتشفه الشّخص المناسب، فسيفسحون لكَ مكانًا على رفوف كتب العالم- أيًّا كانت سنُّك. على الأقل، حاول.

ثمّة أطنانٌ من الكتب عن كيف تنشر كتابك. يكتشف النّاس أنّ المعلومات الموجودة في تلك الكتب متناقضة. انطباعي هو؛ هذه المعلومات بالطّبع متناقضة. لأنّه، بوضوح؛ لا أحد يعلم أيَّ شيء. لا أحدَ باستطاعته أن يخبرك كيف تنجح في الكتابة، حتى لو ألّف كتابًا بعنوان "كيف تنجح في الكتابة"؛ لأنّه ليست هناك طريق واحد يمكن تسميته، ولكن بدلًا من ذلك، هناك طرقٌ عديدة. جميعُ مَن عرفتُهم مِمَّن تمكّنوا وصاروا كُتّابًا فعلوا الأمر بطرق تختلف عن بعضهم البعض- أحيانًا بطرقٍ مختلفةٍ جذريًا. باعتقادي، لقد جرِّبوا كلّ الطرق.

أن تصبح كاتبًا له كتابٌ منشور، يشبه الأمر أن تحاول العثور على شقّة منخفضة الثّمن في نيويورك؛ هو أمر مستحيل، ولكن في كل يوم ينجح شخص ما في أن يجد شقة رخيصة في نيويورك. أنا لا أستطيع أن أخبركَ كيف تفعل هذا. أنا حتّى ما أزالُ غير مُتيقِّنةٍ من الطريقة التي استطعت بها أن أنشر كتابًا. أستطيع أن أخبرك فقط- من خلال خبرتي الشخصية- أنّ الأمر ممكن التحقّق. لقد عثرتُ ذات مرّةٍ على شقّةٍ منحفضة الثّمن في مانهاتن. وكذلك أصبحتُ كاتبة.

الكاتب- عمل فني لتيبيه بريتاني - دفيانت آرت

في نهاية الأمر، أنا أحب هذا العمل. لطالما أحببتُه. ما أقترحُه هو أن تبدأ الأمر بالحبّ، ثمّ اعمل باجتهاد، وحاول ألّا تنشغل بالنتائج. قوِّ عزيتمك، ومن ثمَّ، اخترِق الصّفوف. رجاءً، حاول أيضًا ألّا تسلك نهج المجانين وغريبي الأطوار أثناء العملية. فالجنونُ دربٌ فاتن للفنان، لكن، نحن حاليًا لا نبتغي المزيد من ذلك في العالم، لذا، رجاءً، قاوِم نداءَ الجنون.

ما نحتاج إليه هو مزيدٌ من الإبداع والخَلْق، لا التدمير. إنّنا في حاجةٍ لفنّانينا أكثر من السّابق، ونحتاجهم أن يكونوا متوازنين، راسخين، شُرفاء وشُجعانًا- إنّهم جنودُنا، إنّهم أملُنا.

إن قرّرتَ أن تكتب، إذن لزامًا عليك أن تفعل، وتكتبَ كما يقول بلزاك؛ "مثل عامل منجمٍ، طُمِر تحت سقفٍ تداعى". فلتكن فارسًا، سُلطانًا للإيمان والاجتهاد. أنا لا أعلم ماذا يمكن أن تفعل أيضًا إلا أن تفعله بهذه الطريقة. حين سأل كاتبٌ شاب الشّاعرَ العظيم ﭼاك جيلبيرت النُّصحَ بخصوص قصيدته، ردّ عليه وقال: "ألديكَ الشجاعة لأن تُخرِج هذا العمل إلى النور؟ إنّ تلك الكنوزَ الخبيئةَ بداخلِك، تأمل أن تقول: نعم".

حظٌ سعيد.