تصميم: المنصة

لماذا انتقل عزازيل من الأديان إلى حياتنا؟

قضية إبليس تثير عند صاحب العقل أسئلة لا تكف عن إلحاحها بسبب تعدد صوره وتأثيره في مسار حياتنا.

أبو كردوس

تعددت أسماؤه وماهية أدواره، لكنه ظل مربعا مشتركا في أحجية الأديان الإبراهيمية الثلاث. بل بتعبير أدق كان محورا، بدونه لم يكن للميثولوجيا الدينية أن تكتمل وتختمر توليفتها، وتكتسب قبولها عند الإنسان المغرم منذ الأزل بالماورائيات. فكان عزازيل في التوراة، و"المُجرِّب" و"عدو الخير" في التراث المسيحي، والوسواس في القرآن، وأبو كردوس عند العرب، وإدريس في رواية محفوظ، وSatan في أفلام هوليوود.

في البدء كان الكلمة

يحظى الشيطان بدور "تأسيسي" في بداية كل كتاب سماوي من الثلاثة؛ ففي التوراة نجده يتلبّس هيئة حيّة ويغوي حواء وآدم بالأكل من شجرة "معرفة الخير والشر"، التي نهاهما الله عن الاقتراب منها. وحينما يأكلا منها يتعريا تماما ويسقطا من جنة عدن، وينال عقاب الله أيضا من الحية المغوية بعد أن تسببت في هذا الانفصام الجذري بينه وبين الجنس البشري.

ثم يحلّ اختفاء تام بعد مشهد السقوط، وكأن إبليس وُجِد خصيصا للقيام بدور الإغواء الذي سيتلبسه للأبد. أما الأحداث الصاخبة التي تلي واقعة الطرد فرغم تأججها، إلا أن النص لا يأتي بأي لائمة على الشيطان، بل فجور البشر. فنقرأ ذلك مثلا في قتل قايين لأخيه هابيل، ومحاولة بناء برج يصل للسماء (برج بابل)، وإغراق الله للأرض بالطوفان بعد فساد الشعب، واستباحة قوم لوط للمثلية.

أما الثيمة الحقيقية التي ميّزت قصص اليهود الأوائل، فكانت وقوعهم في شر أعمالهم، إذ تلخصت المشكلة كل مرة في نزوع شعب بني إسرائيل إلى الخروج من حظيرة الرب وعبادة العجل الذهبي، فكان يسلّط عليهم إلههم أعدائهم ليستعبدوهم ويحاربوهم ويسبوهم، ومتى انقطعت أنفاسهم فروا عائدين لخيمة الاجتماع متوسلين لــــ "ألوهيم" كي ينقذهم.

باختصار، إبليس لم يكن المحرّك الأول لدورة الشر في الكون آنذاك، ولم يكن هناك عدو لبني آدم سوى أنفسهم. ولعل الذِكر الواضح له هو شخصيا في نصوص التوراة لم يأت إلا لماما، مثلما نقرأ في سفر اللاويين القائل: "وَيُلْقِي هَارُونُ عَلَى التَّيْسَيْنِ قُرْعَتَيْنِ: قُرْعَةً لِلرَّبِّ وَقُرْعَةً لِعَزَازِيلَ" (لا 8:16).

لا تجرب الرب إلهك!

أتى الإنجيل "العهد الجديد" كمُكمّل للتوراة يستكمل نفس حبكة السقوط من الجنة، بل يبني عليها، فنجد مثلا بولس الرسول، مؤسس المسيحية الجديدة، يقول في إحدى رسائله، متأثرًا بروح التوراة التي كانت عقيدته الأولى قبل تحوله للمسيحية "لست آذن للمرأة أن تعلم ولا تتسلط على الرجل، لأن آدم جُبل أولا ثم حواء، وآدم لم يغو لكن المرأة أغويت..." (رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس).

والإنجيل بحسب رواية متّى يذكر أن رجلًا أتى للمسيح وترجاه أن يشفي ابنه المريض بالصرع، لأنه كثيرًا ما يلقي بنفسه في الماء أو النار. فقبِل المسيح أن يساعده: "فانتهره فخرج منه الشيطان فشفي الغلام من تلك الساعة" (متى 18:17). وفي هذه الواقعة دلالة على أن اليهود تعرفوا على أشكال جديدة للشيطان، وهي أن يسكن الإنسان، بعد أن اكتفى لأزمنة بإغواءه.

في مبتدأ قصة الخلاص يوُلد المسيح في مذود بمدينة بيت لحم وسط أجواء دافئة احتفالية مع المجوس ورعاة الغنم، وكأن البشرية كانت تعرف أنه مسيحها فعلا، بينما راح إبليس في سبات عميق لم يفق منه إلا حينما بلغ يسوع الثلاثين من عمره وبدأ كرازته. وفي مشهد يفتتحه الإنجيل بهذه الجملة "ثم أُصعد يسوع إلى البرية من الروح ليُجرب من إبليس" (متى 1:4) يواجه الشيطان ابن الله ويطلب منه عدة طلبات استفزازية، مثل أن يحوّل الحجر لخبز، وأن يلقي بنفسه من فوق جناح الهيكل. لكن المسيح ينتهره ويقول له: "اذهب عني يا شيطان، للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد" (متى 10:4). وهنا لا نجد أي وصف شكلي أو معنوي لإبليس سوى أنه "المُجرِّب".

المسيحية لم تعتبر إبليس مجرد مُوسوِس، وذهبت في تنصيبها له عدوا لحد أنها وضعته في علاقة ندية مع االله، وقسّمت العالم لمملكتين: مملكة السماء ومملكة الجحيم، وتوّجت إبليس ملكا على الآخرة، يعاونه جنده الذين يطوفون الأرض كل يوم ويتنافسون على إسقاط أبناء الله في التهلكة، بأن يضلوهم عن الذهاب للكنيسة أو التناول من الأسرار المقدسة أو ممارسة سر الاعتراف.

وفي الأيقونات المسيحية نلحظ أن الشيطان يتواجد دوما سواء بصورة المهزوم تحت سنابك حصان القديس مارجرجس أو أبي سيفين، أو تمسك بقرونه وتروضه القديسة مارينا. أو يتجلى في صورة يهوذا تلميذ المسيح الخائن وهو ينسحب في خلفية العشاء الأخير. ومؤخرا ظهر جيل حديث من الصور المنتشرة في فضاء الإنترنت يصوّر يسوع الأشقر الوسيم وهو يلعب "الريست" في مواجهة إبليس بقرونه وأظافره.

الصليب وكل ما يجسده سواء بحركة اليد أو مجرد مُجسّم صغير معلق على الرقبة أو موشوم على اليد، كفيل بإبعاد الشيطان وإحراقه. وهذا يرجع للمعتقد الإنجيلي القائل بأن المسيح حينما قبل أن يُرفع على الصليب، غلب بتضحيته العالم السفلي وكل جنوده "بموته داس الموت" (من لحن أيها الابن الوحيد الجنس).

أيضا سر "التناول" وهو واحد من أهم الطقوس التي تُمارس في الكنيسة وله فاعلية كبيرة، إذ يعتقد المسيحيون أن الأكل من القربان المقدس "رمز جسد المسيح" والشرب من النبيذ المعتقة "رمز دم المسيح" قادرين أن يحولا أجسادنا الفانية إلى أجساد لها طبيعة إلهية، ومن ثم لا يقدر إبليس على مجرد مناوشتها.

ويصل هذا الإيمان بسلاح "التناول" لدرجة أن بعضهم يصدق في أن الإنسان الذي لا يتناول لمدة تفوق الأربعين يومًا، يكون جسده عرضة للانتهاك من قبل أي روح نجسة. زد على ذلك طبعا تلاوة الآيات والمزامير والمأثورات الفلكلورية، والتشفع بالقديسين والقديسات والزيوت والمياه المقدسة، مستخدمين كل هذه الأشياء ضد إبليس كدروع معدنية غير مرئية.

وما كان لي عليكم من سلطان

في الإسلام نجد نفس حادثة السقوط التوراتية "فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا" سورة الأعراف.

"فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ" سورة البقرة.

ومع نزول القرآن على الناس تحوّرت لفظة "إغواء" المسيحية للفظة وسوسة: "فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ" سورة طه.

بيد أنه تحظى الرواية القرآنية ببداية مختلفة لإبليس عن التوراة، يأخذ فيها شكلا ثوريا أكثر منه خبيثا؛ إذ يتمرُد واحد من بين صفوف الملائكة ويرفض السجود لآدم، بينما يطيع ويسجد بقية رفاقه. ولم يكن ذلك الملاك المتمرد سوى الشيطان "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ" سورة البقرة. وللغرابة، كانت لإبليس في ذلك حجة ومنطق: أن آدم مخلوق من طين، بينما هو المتكبّر مصنوع من نار.

ذُكرت لفظة إبليس مفردة إحدى عشرة مرة، تسعة منها متعلقة بحادثة رفض سجوده لآدم. وبعض المصادر أرجعت معنى كلمة إبليس أصلا لـ"اليائس". أي أبلس من رحمة الله.

وصحيح أن الإسلام اعتبر الشيطان عدوا خطراً، لكنه مع ذلك قلّص قدراته في مجال تأثيره ومحاربته للبشر، ويؤيد ذلك قول الرسول: "لا تخافوا منه لأن صوته لن يتجاوز نفسه". كما شجب إمكانية تحكّمه فينا وتؤيد الآية التالية ذلك "وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي" سورة إبراهيم.

لكن في كتاب "إبليس في القرآن والحديث" لمؤلفه الدكتور محمد باقر حجتي يقول بخصوص جسمية الشياطين: أجسامها لطيفة ورقيقة كي تتمكن من النفوذ في أعماق الأجرام المتراكمة. وكما أن النار تتسرب إلى الفحم، وماء الورد يسري في ورق الورد، وزيت السمسم في حب السمسم، فإن الشيطان أيضا يستطيع أن يشق طريقه إلى الإنسان.

وتجسد الشيطان في الإسلام لم يرتبط كثيرًا بصورة المرأة المغوية كما في المسيحية، لكنه ارتبط بطوطم القردة والخنازير.

وبخصوص أسلحة الدفاع لا يبتعد الأمر كثيرا عن ترسانة المسيحية فنجد الاحتماء بالبسملة والتسبيح، والسجدة وإطالتها، ووجود المصحف في البيت وتلاوته، وإقامة الصلاة أو مجرد سماع الأذان، والشهادة في سبيل الله.

روزاليندا

في السينما، تحقق التجسيد الأروع لإبليس في فيلم The Passion of the Christ 2004 من إخراج الممثل والمخرج الأمريكي ميل جيبسون حينما أظهر لأول مرة الشيطان كأنثى من حيث الجندر، وليس مُقنّعا في هيئة امرأة من حيث الصورة. لعبت الدور الممثلة الإيطالية روزاليندا.

ولأول مرة رأى المسيحيون وغيرهم من طوائف أخرى على شاشات العرض في كل أنحاء العالم، الشيطان الذي قدم الإغواء الأخير للمسيح، في صورة امرأة شاهقة البياض، تلتفع برداء أسود من رأسها لقدميها مثل الرهبان، شاركت يسوع آخر 12 ساعة من حياته وبقيت بجانبه حتى مماته، مثلها مثل أُمه العذراء مريم. ثم يأتي مشهد الختام حينما يسلم الابن الروح على الصليب متوسلا قبلها لأبيه كي ينقذه "إيلي إيلي لِم شبقتني؟" وهي عبارة آرامية تعني: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ (متى 46:27) فنرى المرأة/الشيطان مجددا تحمل هذه المرة ابنها وترعاه وتهدهده، وكأن الشيطان بذلك يغيظ ابن الإنسان، الذي نساه أبوه معلقا على الصليب، حتى مات وحيدا.

واستنادًا إلى حادثة السقوط الأولى، دأب صنّاع السينما القبطية بالشرق الأوسط في أفلامهم التي تدور حول سِير القديسين، على شيطنة المرأة، كلما انحشروا أمام مشهد يُجرّب فيه قديس أو راهب من قبل الشيطان، فصار تجسيد الأخير في هيئة غانية جميلة تعرض جسدها على الناسك، هو الشكل الأبهى للتجربة، وما أن ينتهر القديس تلك المومس، حتى تتبخر حواء وتتحول لمسخ قبيح بقرون.

وهذا أثّر بلا شك في مخيلة كثيرين من شباب الأقباط، وربط حتما في أذهانهم جمال المرأة بصورة الشيطان.

أما في الأدب العالمي فصوّر الأديب الإيطالي أمبرتو إيكو عودة الشيطان ومحاربته للرهبان المسيحيين من خلال هرطقات كتب الفلسفة التي حرّمتها أوروبا وأقامت بسببها محاكم التفتيش فأحرقت كل من يقرأها.

وفي رواية ملائكة وشياطين تمثّل الشر عند دان براون في الأفكار التي تبنتها طبقة المستنيرين السرية، وهي مجموعة من العلماء تبنوا أفكارا مخالفة لفكر الكنيسة الكاثوليكية من جهة نشأة الكون ونهايته.

أما في الأدب العربي فلدينا أقوى مثال وهو رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، فنقرأ في مفتتح الرواية عن أب قدير يدعى الجبلاوي، رمز الذات الإلهية، لديه ابن اسمه أدهم، آدم، ويفضله عن آخر هو إدريس، إبليس، فيتمرد الأخير ويزرع الوقيعة في البيت.. ولدينا أيضا عزازيل التي أقامها مؤلفها يوسف زيدان على أساس جدير بالتأمل، تمثّل في أن الراهب هيبا يحمل شيطانه في داخله، وتمثلت غواية الشر لأول مرة في حث عزازيل لصاحبه الراهب على تدوين الفظائع التي رآها، على ورق مخطوطاته التي يأخذها معه أينما حلّ.

يا إبليس أنت ما عرفتني

قضية إبليس تثير عند صاحب العقل أسئلة لا تكف عن إلحاحها. وحسب ما يتضمنه كتاب الرحمن والشيطان لمؤلفه فراس السواح، فإننا نجد أنفسنا أمام أسئلة ضرورية يوحي بها المؤلف لنا بين أسطر كتابه الخطير، أهمها أنه إذا كان الله كلي القدرة والمعرفة، أدرك من البداية أن إبليس سيتمرد عليه ويرفض السجود لآدم، أو أنه سيغوي حواء وآدم فيأكلا من الشجرة المحرّمة، فلِم أوجده من الأساس؟