الغلاف الفرنسي لمسرحية خيانة آينشتاين

خيانة آينشتاين.. من الجحيم النووي إلى نهاية الربيع العربي

يبرز شميث هذه المفارقة الدائمة؛ كيف أن السلطة تحقق أكبر استفادة ممكنة من النخبة المثقفة لديها، دون أن يعني ذلك أن هذه النخبة لا تسبب هواجس مستمرة للسلطة، لتعود وتنقلب عليها.

لا يمكن فصل النص المسرحي "خيانة آينشتاين" للكاتب الفرنسي إريك إيمانويل شميت الصادرة عام 2014، والتي تدور أحداثها خلال الحرب العالمية الثانية قبل وأثناء إطلاق الولايات المتحدة جحيمها النووي على اليابان، عن الواقع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه تلك الدول التي عصف بها الربيع العربي خلال السنوات الماضية.

يشير شميث في المسرحية إلى ندم ويأس آينشتاين وهو يشاهد القنابل النووية الأمريكية تدمر مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين ويحمل نفسه مسؤولية هذا الخراب، بسبب الرسالة الشهيرة التي آرسلها عام 1939 إلى الرئيس الأمريكي حينها فرانكلين روزفلت يطالبه فيها بالإسراع في إنجاز القنبلة النووية قبل أن يتمكن هتلر من ذلك، بل وقدم مساعدات علمية وفنية وتقنية في هذا الشأن.

لم يمهل القدر روزفلت فرصة لتنفيذ نصيحة آينشتاين ولكن خليفته هاري ترومان من فعل ذلك ليترك آينشتاين في هواجسه اليائسة التي استخدمها لاحقًا في مسرحيته الرمزية التي لا تضم سوى ثلاث شخصيات رئيسية؛ ألبرت آينشتاين، والمتشرد وهو مواطن أمريكي أسود يهيم في الشارع، والمخبر أونيل الذي يحاول تجنيد المواطن للتجسس على آينشتاين، الألماني اليهودي الذي لجأ رسميًا إلى الولايات المتحدة هربًا من اضطهاد هتلر لليهود وأصبح مواطنًا أمريكيًا بالفعل عام 1940، وأخيرًا سيدة تظهر في النهاية اسمها هيلين دوكاس.

نرى في مقاربة شميث الرمزية كيف أصبح المواطن محاصرًا بأسئلة أونيل عن آينشتاين، على شاكلة "هل انتقد آينشتاين الولايات المتحدة؟"، "هل تحدث حديثًا شيوعيًا؟"، ثم يحاول إقناعه أن آينشتاين يشكل خطورة فهو "ألماني، والألماني يبقى ألمانيًا"، ثم يوضح كيف أن أمثاله "يهوديتهم تخفي طبيعتهم"، رغم أن آينشتاين أصبح مواطنًا أمريكيًا.

يبرز شميث هذه المفارقة الدائمة؛ كيف أن السلطة تحقق أكبر استفادة ممكنة من النخبة المثقفة لديها، دون أن يعني ذلك أن هذه النخبة لا تسبب هواجس مستمرة للسلطة، لتعود وتنقلب عليها، وهو ما يبدو واضحًا عند النظر إلى المسألة مثلما ينظر إليها أونيل.

مقاربات لازمة

التأمل في نص شميث المسرحي سيصل بنا إلى العديد من المقاربات التي تتشابه مع ما جرى في بعض دول الشرق الأوسط؛ خاصة بعد موجات التغير التي عرفت باسم "الربيع العربي". نستطيع الاستدلال على ذلك بالنظر مثلًا إلى الفترة الممتدة ما بين أحداث 25 يناير/ كانون الثاني 2011 و أحداث فض اعتصام الإخوان المسلمين وأنصارهم في ميدان رابعة العدوية في أغسطس/ آب 2013 وتداعيتها وملامحها العامة وتطوراتها كمثال على ذلك.

ما وقع في هذه الفترة يعد من أكثر تجارب التغيير الظاهري لفتا للأنظار وانتكاسا في الوقت نفسه، خاصة مع العديد من الأخطاء التي كانت طبيعية بسبب تراكمات الخمول الاجتماعي والفكري التي امتدت لنحو ثلاثين سنة.

رسالة النص المسرحي ضمنيًا، إضافة إلى الإشارة إلى استفادة السلطة من المثقف رغم مخاوفها من أن يؤثر تأثيرًا "غير منضبط" على الجماهير، هي إلقاء الضوء على المسؤولية الأخلاقية والسياسية التي يتحملها هذا المثقف (آينشتاين هنا) الذي ساهم بحسن نية في قلب الكفة لصالح الولايات المتحدة تحت تأثير التهويل من مخاطر النازي ليصبح لدى واشنطن أكثر الأسلحة فتكا في تاريخ البشرية في تلك الفترة، السلاح النووي، والذي استعمل في إسقاط القنبلتين على هيروشيما وناجازاكي، قبل أن يصل الروس إلى سر السلاح النووي ليحل السلام البارد على العالم، السلام المبني على التهديد والتخويف والترقب المتبادل.

لعل هذا ما حدث بعد صعود الإسلاميين في مصر والذي توّج مع فوز القيادي الإخواني محمد مرسي بانتخابات الرئاسة وتوليه القيادة، تحالفت القوى المدنية وأيدت السلطة العسكرية في محاولة لصد قوة الإخوان والتيارات الإسلامية، تحت تأثير مخاوف من القضاء على الهوية المدنية للدولة لصالح أخرى دينية متشددة.

وجراء الخوف من ممارسات إرهابية تقوم بها تيارات متشددة، فوضت القوى المدنية المجلس العسكري تفويضا كاملا أو ضمنيا يتيح له فض اعتصامات رابعة فضا دمويا، ويزهق أكبر عدد من الأرواح البشرية في تاريخ مصر الحديث، ويتحفظ على قيادات جماعة الإخوان المسلمين والموالين لها المعتصمين في رابعة وغيرهم، وينحي مرسي عن منصبه ويعتقله لتبدأ البلاد حالة حكم عسكري مصبوغة بالمدنية، لم تنتهِ حتى الآن.

أما النخب التي فوّضت السلطة العسكرية ومنحتها شرعية ممارسة كل ما سبق، فقد باتت مثل آينشتاين في المسرحية، هدفًا لذراع السلطة الأمني.

الأمل الأخير.. الكاذب

قسم شميث المسرحية إلى أربعة أحداث رئيسية، لم يحدد القطعات الزمنية بينهم حتى في الإرشاد المسرحي الخاص بالعرض، في المشهد الافتتاحي يظهر آينشتاين وهو يمارس رياضة التجديف، والمتشرد يعجب به لأنه يخاف الماء.

مع تصاعد الحوار نرى أن ثمة اختلافًا بين آينشتاين الذي يعارض مشاركة الجنود الأمريكيين في الحرب، والمتشرد الذي فقد ابنًا في هذه الحرب، لذلك فهو يقدسها تعظيمًا لذكرى ولده، هي ما تمنحه قيمة ما وتعطي حياته مغزى، فقد مات ابنه من أجل الحرية.

غير أن كشف آينشتاين لشخصيته، ثم الدخول في نقاش هادئ موضوعي، يجعل المتشرد أكثر اقتناعًا برؤية آينشتاين ويحترمها ويرى فيها صوابًا عقلانيًا.

إن قاربنا ذلك بوضع المواطن المصري في عصر مبارك، فلن نجد اختلافًا جوهريًا، فالمتشرد هو نفس المواطن المغيب الذي امتلأت رأسه بقناعات الوطنية التي غسل الإعلام بها دماغه، لكن مع تزايد تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لم يجد المواطن مانعًا في مناقشة النخب الواعية المصرية، ليرى في كلامهم بعض المنطق فيما يتعلق بالحقوق والعدالة وعدم جواز قبول الظلم، مما يحرك المياه الراكدة في البلاد ويبشر بحركة احتجاجية تطالب بالعدالة والعيش والحرية بعد فترة سبات طويل.

هنا تمر علاقة آينشتاين بالمتشرد بمرحلة من الود والتآلف، لكن المتشرد لا يفهم طبيعة آينشتاين مما يثير لديه حالة من حالات التوجس، خاصة فيما يتعلق بالمواقف المركّبة التي لا يفهمها المتشرد مما يؤدي به للاعتقاد بأن آينشتاين يعاني من تناقضات ما.

هنا تتدخل شخصية المخبر بقوة في الأحداث وتلعب على ذلك الوتر الحساس، وتر الوطنية، خاصة مع الشكوك التي تحيط بولاء آينشتاين "هو ضد النازيين، لكن ربما يكون له أصدقاء ألمان ينقل لهم تفاصيل علمية وهذا ضد مصلحة الوطن، هو شخص يجب وضعه تحت المراقبة، وعلى المتشرد أن يساعد في ذلك بنقل كل تفاصيل محادثاتهم".

يأتي آينشتاين لمقابلة المتشرد في أحد المرات بعد إعلان ألمانيا السيطرة على تشيكوسلوفاكيا وهو في غاية الانفعال والعصبية، حاملا خطابا كتبه لأيزنهاور يناشده فيه بالمضي في تصنيع السلاح النووي، ليستعمل كرادع ضد النازيين الذين استطاعوا السيطرة على مخزون تشيكوسلوفاكيا الكامل من اليورانيوم، ما يمكّنهم من تصنيع السلاح النووي. يسعد المتشرد لأن بلاده ستمتلك ذلك السلاح الفتاك، لكن آينشتاين يوضح أن ما جعله يفعل ذلك هو فقط خوفه على الإنسانية من تغول النازي، لا حبا في الحكومة الأمريكية.

نفس ما ارتكبته النخب المدنية في مصر، تلقفت تهديدات الإسلاميين لأي معارض، والاحتفاء الرسمي بأشخاص أدينوا سابقًا بارتكاب جرائم إرهابية والذي بلغ ذروته بتعيين محافظ للأقصر ينتمي إلى الجماعة الإسلامية التي نفذت في المدينة نفسها عام 1997 مذبحة مروعة راح ضحيتها 62 قتيلًا بينهم 58 سائحًا.

كل تلك التهديدات جعلت من استدعاء الكتلة العسكرية، وهي الكتلة المنظمة والقادرة على مواجهة قوة التيارات الإسلامية، هو الحل الوحيد في نظر الجماهير، الأمر الذي وصل إلى تفويض رسمي من قطاع كبير من الشعب للوقوف في وجه ذلك التيار المخرب، وإنقاذ هوية مصر من الضياع، وهذا ما أدى إلى تحالف إجباري بين بعض رموز الحركة المدنية ووجنرالات المجلس العسكري، وذلك ليس تفضيلا للمجلس العسكري لكن كان تبرير ذلك هو أن هذه أحكام تفرضها الضرورة.

نهايات حزينة صاخبة

نرى في نهاية المسرحية كيف احتفل المتشرد مع أونيل بإلقاء الجحيم النووي على هيروشيما وناجازاكي، ويظل الاحتفال صاخبًا حتى وصول آينشتاين، حزينًا نادمًا على ما اقترفه بحق الإنسانية عندما ساعد الولايات المتحدة على امتلاك السلاح الأشد فتكًا في التاريخ دون ضمانات حقيقية، خاصة مع اكتشاف المفارقة التي جعلت من الأمر أشد وطأة، ذلك أن كل تهديدات هتلر اتضح أنها لم تكن إلا تهويلات صنعتها الآلة الإعلامية دون عمل حقيقي، فلم يخطُ الألمان أي خطوة في طريق صناعة السلاح النووي.

في خضم ذلك الندم يصدمنا المؤلف بالديالوج الأهم بالمسرحية، حين يدور حديث بين آينشتاين وأونيل بينما الأخير يحتفل، يتضح لنا من ردود المخبر على أسئلة العالم عن نظرية الجهاز الأمني للتصنيف الطبقي والتي تفتقد لمبادىء المساواة التي من أجلها ساعد آينشتاين أميريكا، حيث يقبع المواطن الأبيض على قمة الهرم الطبقي، ثم المواطن الأسود (الخادم السابق)، ثم في المرتبة الأدنى المواطن الياباني الذي يستحق الإبادة.

ندمت الرموز السياسية على تأييدها المطلق للمجلس العسكري بعد مذبحة فض ميدان رابعة، ندم المفكرون السياسيون، لم ترضَ كثير من النخب عما آلت إليه الأمور، خاصة مع تكشف العديد من الحقائق، وكيف أن تلك الجماعات الإسلامية كانت مجرد دمية في يد السلطة المسيطرة بحق وهي السلطة العسكرية، التي شددت الخناق أقوى على المعارضين، بحملات إعلامية أكثر شراسة وقاعدة استعيدت بشكل كبير على المدى البعيد.

كل تلك الممارسات عززت شعور النخبة بالغباء الشديد، خاصة مع تأمل كيفية تقسيم الطبقات الاجتماعية، فلا إمتيازات تليق بموجة إحتجاجية مثل التي حدثت في 25 يناير، بل إن رجال الجيش والشرطة والقضاء ورجال الأعمال يأتون على قمة الهرم، يتبعهم لاعقو الأحذية والمنافقون، ثم المواطن البسيط، وأخيرًا طبقة المنبوذين؛ التي اقتصرت على الإسلاميين في البداية قبل أن ينضم إليها أي معارض مهما كان انتماؤه، ولم يسلم حتى العسكريون السابقون.

جثم الألم النفسي والمعاناة على آينشتاين في النهاية، فهو لم يستطع تجاوز كل ما حدث من صراع داخلي، خاصة مع محاولات التصفية المباشرة التي نالت منه في محاولة لطرده من البلاد وتجريده من نوبل تحت دعوى انتماءه الشيوعي، إحساس بغدر من الألعاب القذرة التي ينجح فيها السياسيون بخبث ومهارة ويمنطقون أفعالهم تحت مظلة العدالة والإنسانية، ثم يلعن حماقته ويتمنى لو أنه لم يكن يوما يملك ذلك العلم الذي حول العالم لجحيم، فقد فشل بعلمه في تحقيق ما حلم به دوما وهو عالم يسوده السلام، لتتبدل القوى وتصبح في يد طرف أشرس و أمكر.

المتشرد مقتنع بأن تلك الرؤية المثالية لا مجال لها بالواقع، ربما مات الملايين، لكن ذلك هو القانون البشري، وعدالة الخوف والرهبة هي التي ستسود، فالسلاح النووي لن يستمر سرًا إلى الأبد، وستمتلكه العديد من الدول ومن ذلك المنطلق سيعم السلام، لا لسلامة نية الأطراف المتصارعة (إن كانت أطرافا قديمة أو أطرافا ناشئة تأخذ دورها في اللعبة)، لكن لأنه بالحسابات المنطقية سيدمر الجميع.