يوم الدين... أو كيف جعلنا الجذام أحرارا

الجذام ألغى هوية بشاي ومحا من أمامه الحواجز التي تقابل أي إنسان صحيح طبيعي. جعله ينفذ مثل السوّاح لأي مكان، مُحلّقا فوقهم بنقصانه.

ما المشكلة إذا اشتريت تذكرة فيلم، وفي صالة العرض اكتشفت بحدسك السينمائي أنه مُفصّل على مقاس المهرجانات؟ فالسينما في أصلها لعبة تعتمد على الخديعة والمناورة، وطالما أن المُخرج وصنّاع العمل قرروا أن يأخذوا تلك اللعبة لمتاهات أخرى، فعلينا كمشاهدين ألا نثرثر كثيرا، بل نصمت ونراقب كيف سيمتعوننا بهذه اللعبة، ثم نحكم بعدها على الموقف الذي وضعوا هم أنفسهم فيه.


مجذوم قبطي تُرك صغيرًا في المستعمرة، وعندما يصبح رجلًا راشدًا يقرر أن يقتفي أثر أسرته التي من صعيد مصر، مع طفل نوبي يتيم لقبوه بسبب لون بشرته السمراء باسم أحد رؤساء أقوى دولة في العالم، يخوضان سويًا رحلة العودة لأصل الحياة التي كانت قبل أن يولدا، قبل أن يسقطا من جنة الخواء لجحيم الإدراك.

الجذام حوّل بشاي لمسخ وطمس ملامح وجهه، لفظته أسرته صغيرا، واستذأب عليه المجتمع كبيرا، في الشوارع والمواصلات وحتى في الحبس. لم يأنس إليه سوى من هم على شاكلته؛ أقزام ومبتورو الأعضاء. عصبة من المشوهين أجبرهم عجزهم على التضامن والبوح، والأهم، مد يد العون.

أما "أوباما" الطفل الذي يصحب بشاي، توفي والداه وهو صغير وأُودع دار أيتام بالمستعمرة. لا أحد يعرف شيئا عن جذوره سوى أنها من كوم أمبو، وأنه تم اقتلاعها من أراضيها مثل بقية النوبيين. صحيح أنه يذهب للمدرسة لكنه لا يملك من العلم ما يصنع منه مواطنا ذا قيمة يوما ما. يتعكز على حس الدعابة البرئ لديه كصبي لم يختبر قسوة الحياة بعد. يرقص بمنتهى الانطلاق. تمتد يداه بالحركات. ينسى كوم أمبو والمستعمرة واليتم، بمجرد أن يسمع عزت أبو عوف ومعه فتيات الــــ "فور إم" يغنون من الووكمان بصوتهن الرقيق قائلين "الولا ده... الحلو ده... الولا ولا مين".


لدينا حالتان لم يخترهما فريق الفيلم اعتباطا، يقررا الخروج من جيتو المنبوذين، لتتلقفهم الحياة بواقعيتها وضراوتها. يسلخنا السيناريو عن أي تضامن طائفي أو عرقي معهم، ونصبح أسرى معانتهما الإنسانية وحدها. ورغم أن الفيلم لم يقصد الطائفية بعينها، إلا أنه لم يتورع عن التليمح لها من وقت لآخر، مستغلا فكاهة موضوعها. لكنه بالأساس يفتح علينا عالم مستعمرات الجذام في مصر، المنسية من قبل الجميع، لدرجة أن أحدا لم يفكر في تصحيح اللافتة الموضوعة على بوابة المستعمرة، المكتوب عليها "جزام" بحرف الـــ"ز".

أما "أوباما" الذي يقرر أن يصطحب بشاي لمجرد أنه لا يتخيل فكرة بقاءه بمفرده في المستعمرة، فهو رغم نوعية ديانته السائدة في المجتمع، يواجهنا بقضية أخرى حساسة لم تنل حقها الكافي حتى الآن في السينما أو الأدب. قضية أهل النوبة كأناس تم تطويعهم دوما لتحقيق أهداف محددة للشأن والمصلحة العامة، أما في حالة أنه لا توجد أي مصالح، فالحل هو تهميشهم تماما وعدم الالتفات لحضارتهم ولغتهم.

وإن كان بشاي ظلمه الجهل بطبيعة مرضه وفشل بلده في التعامل مع الذين على شاكلته، "أوباما" أيضا ظلمته البيروقراطية التي لم تسمح له إلا بقدر ضئيل جدا كي يتعرف على المصير الذي آل إليه وضع أسرته النوبية، فيستعرض الفيلم من خلال الطفل مستوى التعليم الذي يُلقّن في مدارسنا، ومنظر أروقتها وفصولها ومخازن أرشيفها. وهي بدورها مشاهد أسطورية لذيذة للمتفرج الأجنبي.

أتخيل نفسي كمتفرج أوروبي يشاهد على الشاشة هذين البائسين الآتيين من العالم الثالث، من بؤرة الثورات والحروب والنزاعات الطائفية، سأكون مخبولا إذا لم أنجذب لفيلم كهذا.

إنها ملهاة النظر للآخر وتفكيك مأساته والذهاب لأشرس نقطة فيها تجعلنا نلعن الإنسانية وأفعالها، ثم طرحها على شاشة يجلس أمامها الأرستقراطي الأبيض كي يزجي وقته ويشبع عجرفته الحسّية. الثيمة التي حققتها بنجاح سينما بوليوود كأفلام من قبيل My Name Is Khan وPINK.

وهنا يتحقق شيئان للمتفرج الأجنبي: ينال الصورة النمطية لديه عن مصر "بلد الفراعنة والأهرامات"، وفي الوقت ذاته يستكين لتخيلاته عن هذا الشعب الذي لا زال يقطن الصحراء، ويقطع مشاويره بالأحصِنة والجِمال.

رأينا شيئا مشابها لهذه الثيمة في الفيلم العالمي أردني الصناعة "ذيب" 2014 الذي كان من بطولة طفل أيضا، يتوه في الصحراء أثناء الحرب العالمية الأولى. ورغم محلّية القصة، كان للفيلم مرجوع عالمي كبير لدرجة أنه رُشّح للأوسكار، لأنه نجح في حصد تفاصيله البيئية الخاصة، وفي نفس الوقت لم ينغلق على مخيلة المتفرج الأجنبي.

توليفة المهرجانات

مصطلح يطلقه عادة رواد الوسط السينمائي والوافدون عليه بخصوص الأفلام المتحذلقة. والتوليفة شملت في يوم الدين، باستثناء بطليه الفريدين، الحيوان الذي يرافقهما وتمثل في "حربي" الحمار، الذي يتوفى في منتصف رحلة البحث عن أسرة بشاي، في مشهد بكائي مُحكم انتقيت زاويته بعناية من مسقط رأسي، وانضم للتوليفة عبور سلس بأحد المزارات الفرعونية في العراء، مع الأخذ في الاعتبار أن البطلين يدخلانه بالعربة الكارو من بوابة أمنية فارغة من أي عناصر أمنية، ويقضيان ليلتهما وسط التوابيت الخالية من أي مومياوات، وسط تهكم من البطلين نابع من جهلهما إن كانت التوابيت تخص أميرة أو امبراطور، وتعليقات منهما على عادة شعبنا في كتابة أسماء وأرقام حبيباته على الآثار.

وهنا يتحقق شيئان للمتفرج الأجنبي: ينال الصورة النمطية لديه عن مصر "بلد الفراعنة والأهرامات"، وفي الوقت ذاته يستكين لتخيلاته عن هذا الشعب الذي لا زال يقطن الصحراء، ويقطع مشاويره بالأحصِنة والجِمال.

شملت التوليفة أيضا مشاهد تلويث النيل ونزول الجواميس إليه، واستخدام جماعات النساء في الصعيد لمياه النهر في غسل المواشي والمواعين وتحمية الصغار. واستطاع أن يلتقط مفارقة في صالح بطله، إذ رغم استخدام النساء للمياه في مثل هذه الأغراض، لكنهن ما أن اكتشفن وجود مصاب بالجذام حولهن، حتى انتهروه وأمروا أولادهن بالخروج حالا إلى اليابسة حتى لا يلتقطوا العدوى.

الطريق إلى كان

يوم الدين ليس أول فيلم يصفق له جمهور مهرجان كان السينمائي، فسبقه فيلم اشتباك عام 2016 من إخراج محمد دياب، وكان رصيد الفيلم من العالمية جديدا علينا وقتها، إذ فوجئنا بالنجم الهوليوودي "توم هانكس" شخصيا يغرد على صفحته طالبا من متابعيه الذهاب في أسرع وقت لأقرب دار عرض ومشاهدة فيلم دياب.

وفي تقديري سيكون نصيب يوم الدين من الجماهيرية عند المصريين أعلى من اشتباك لسببين؛ عاب كثيرون على اشتباك أنه التزم الحيادية لدرجة أنه صار مائعا تجاه الأحداث السياسية. والجمهور عادة في أي مكان بالعالم يحب أن ينظر للفن على أنه مصارع يلاكم خصما. والسبب الثاني أن التوقيت الذي أُنتج فيه اشتباك لم يكن المصريون نضجوا فيه وتعافوا بعد من مرحلة الثورات والانقسامات، ولم يصلوا للمرحلة التي يستطيعون فيها تقبّل عمل سينمائي يشرّح الأوضاع.

صحيح أن الناس أينما رأوه في القطار أو الشارع أو المعدّية أو سابحا بجانبهم في النيل ذعروا وهربوا، لكنه في الوقت ذاته، ولنفس آفته، يعتبر كائنا شفافا حتى لو تمت ملاحظته.

ذهاب يوم الدين إلى كان وتصفيق الجمهور له هناك لمدة دقائق من لحظة ظهور تتر النهاية، ليس السبب الذي يدفعنا وحده لمشاهدته، لأنه كم من فيلم نال جوائز عظيمة ولم يرض توقعات منتظريه. وإنما تجدر بنا مشاهدة يوم الدين وترشيحه لآخرين، لأنه نظر للآخر.

الخط الإنساني

لنكن مُحقّين، كما ذكرنا في بداية المقال، لا توجد أي مشكلة في أن تكون للفيلم طموحاته وتملقاته الخاصة، فأي فيلم ناجح هذا الذي لا تكون لمُخرِجه ومنتجه أيديولوجية محددة، اتفقنا أو اختلفنا معها؟

الخط الإنساني في الأحداث لم يفلت من صنّاع يوم الدين، رغم انهماكهم في تحقيق عمل إبداعي يتماهى مع النخبة والغرب، ورغم ركاكة الحوار وارتفاع الفيلم على كتفيّ المونتاج والحبكة. ويكفي ذكرنا لفكرة المستعمرة والجذام كي نستشعر من بعيد تراجيدية الموقف.

لكن، من وسط كل الارتطامات التي تعرّض لها منذ ولادته، كان ضياع كينونة بشاي بسبب جذامه، لدرجة أن يُقبض عليه ويهرب من الشرطة دون أن تعرف اسما حقيقيا له، ولا تقدر حتى على توصيف ملامحه المطموسة بسبب مرضه، ثم تمكّنه من النوم والصلاة في المسجد دون أن يشعر أحد بالريبة تجاهه، هي التفاصيل المُلهمة التي خلقت من نكبته حالة متفردة.

صحيح أن الناس أينما رأوه في القطار أو الشارع أو المعدّية أو سابحا بجانبهم في النيل ذعروا وهربوا، لكنه في الوقت ذاته، ولنفس آفته، يعتبر كائنا شفافا حتى لو تمت ملاحظته. الجذام ألغى هوية بشاي ومحا من أمامه الحواجز التي تقابل أي إنسان صحيح طبيعي. جعله ينفذ مثل السوّاح لأي مكان، مُحلّقا فوقهم بنقصانه.

مشهد من فيلم يوم الدين. 

مُمثل أم مسخ في سيرك؟

الذين يرون في يوم الدين استغلالا برجماتيا للممثل الذي قام بدور بشاي، والذي لا تختلف حالته كثيرا عن أزمة الشخصية التي يلعبها، بغرض عرضه على الجمهور الذي سيدفع مالا مقابل إلقاء نظرة عليه داخل صالة العرض، كأنه حيوان في سيرك، يرد عليهم مناصرو الفكرة بأن الفيلم يستحق المشاهدة لسبب أساسي؛ هو أنه ليس في كل يوم سيطلّ علينا مُخرج شاب قادر أن ينظر للآخر بتلك النظرة الحانية، ويقرّبنا من أزمته لحد التلامس معها. وكما نال أبو بكر شوقي والمنتجون معه قدرا لا بأس به من الأضواء والوقوف على السجادة الحمراء، فبشاي أيضا ارتدى البذلة السوداء وتحدث للصحفيين في المهرجانات، كما لو أنه ممثل متمرس.

ثيمة سينماتنا

في الوقت الذي وصل فيه فيلم لبناني هو القضية 23 لترشيحات الأوسكار عام 2017، محققًا نفس الإنجاز الذي حققه قبلها بثلاث سنين الفيلم الأردني ذيب، يتفنن الإيرانيون كل يوم في تقديم محتوى سينمائي ذي قيمة فعلا، كذلك التوانسة الذين يواجهون فضائح القمع في مجتمعهم بمنتهى الحرية في الفيلم الغنائي على حلة عيني عام 2015، واليمنيون يعرّون عادة مجتمعهم القِبلي فيما يتعلق بزواج القاصرت في فيلم "أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة" عام 2014، نكتفي نحن بالتباهي بأفلام أفكارها خلابة وتنفيذها مرتجل.

أفلام تذرّعت بحجة "السينما المستقلة" وتمادت في تأملاتها السطحية وإيقاعاتها المُملة، كأنها ثيمة سينماتنا أن نأتي بالفكرة الجهنمية ونسقطها بسهولة أمام الكاميرا. ولا يفرّق رواد صفحات التواصل الاجتماعي بين ترشيح نقابة المهن السينمائية لها كي تمثلنا في أكاديمية الأوسكار، وبين ترشحها الرسمي فعلا بالمسابقة، فيصنعوا على شرفها لجانا وأفراحا إلكترونية لا نرى لها أي داع.


اقرأ أيضًا: رومانسية الفقر: أو كيف سقط يوم الدين في فخ الاستشراق السينمائي


الحقيقة، أنه باسثناء نماذج نادرة فلتت من المحرقة، مثل علي معزة وإبراهيم، وحار جاف صيفا للمخرج شريف البنداري، وآخر أيام المدينة لتامر السعيد. علينا أن نعيد النظر لأفلامنا، ونتساءل أي شرائط نيجاتيف يستحسن أن نربط بها أعناقنا قبل أن نطأ السجادة الحمراء؟ وهل وصل هاني أبو أسعد لهوليوود لمجرد أنه فلسطيني؟!