مسلسل Maniac .. كوميديا المستقبل السوداء

التجربة واضحة، هذا ليس علاجًا جماعيًا، هذا علم؛ علم يستهدف فهم تركيب العقل. إلا أن هذا ربما يكون تمهيدًا للتحكم في هذا العقل تحت ستار براق من الرغبة في القضاء على الألم والمشاعر السلبية.

قد يحيل كثيرون تصنيف مسلسل "مجنون" Maniac إلى التراجيديا، لما تتناوله أحداث المسلسل من محاولات لفهم العقل البشري، بل والعبث به، إلى جانب القدر الهائل من الألم لدى إحدى شخصيتي المسلسل الرئيستين، وهي شخصية أوين Owen التي يقوم بأداءها الممثل جونا هيل. إذ يعاني أوين من مرضي الفُصام والاكتئاب، إلا أن جانب الكوميديا السوداء في المسلسل يستحق أن يُنظَر له بعين الاعتبار.

مسلسل مينياك Maniac واحد من أحدث إنتاجات نتفليكس Netflix لعام 2018، بطولة إيما ستون الحائزة على جائزة الأوسكار، والنجم الذي رُشِّح مرتين للجائزة نفسها جونا هيل، ومن إخراج كاري فوكوناجا، المعروف بإخراجه الجزء الأول من مسلسل ترو ديتيكتيف True Detective.

تجربة مثيرة

تنفلت التجربة من فريق العمل المشرف عليها فيجد البطلان نفسيهما في دوامة لا تنتهي من الحيوات البديلة، يتنقلان فيها بين أزمنة وأماكن مختلفة.

تدور أحداث المسلسل حول تجربة طبية هدفها استكشاف العقل وآليات عمله وسُبل التحكم فيه وفي المشاعر الناجمة عنه. الأطباء المديرون للتجربة يريدون خوض مغامرة داخل عقول المتطوعين، وحث أفكارهم ومشاعرهم على الخروج من خلال حبات عقار يزيد من نشاط العقل، وكانت إحدى هذه الحبات هي سبب تطوُّع بطلة المسلسل آني، التي تقوم بأداء شخصيتها إيما ستون إلى التجربة، لكونها مدمنة على العقاقير.

أزمنة وأماكن

تعتمد حبكة المسلسل على تلك المغامرات التي يتورط فيها عنصري التجربة "أوين وآني" داخل عقليهما، وهما تحت تأثير التجربة. تنفلت التجربة من فريق العمل المشرف عليها فيجد البطلان نفسيهما في دوامة لا تنتهي من الحيوات البديلة، يتنقلان فيها بين أزمنة وأماكن مختلفة. النتيجة البصرية جعلت المسلسل واحدًا من أكثر إنتجات نتفليكس الباهظة جاذبية، خاصة وأن تعدد الأزمنة والأماكن جعلت صناع المسلسل قادرين على حبك مغامرة فنية لعبت على أكثر من شكل للدراما، ما بين الأكشن والفانتازيا والكوميديا السوداء والدراما النفسية، خاصة مع تداخل عوالم وأفكار بطلي المسلسل مع بعضهما البعض ليصبحا كالكيان الواحد، خلاف ما كان مخططًا له في التجربة من البداية، بأن يكون لكل شخص تجربته المنفردة؛ حتى يتمكن الأطباء من قياس ما مر به كل منهما بما يتوافق مع شخصيته، وبما يتوافق أيضًا مع ما تستهدفه التجربة.

فالتجربة واضحة: هذا ليس علاجًا جماعيًا، هذا علم، علم يستهدف فهم تركيب العقل، إلا أن هذا ربما يكون تمهيدًا للتحكم في هذا العقل تحت ستار براق من الرغبة في القضاء على الألم والمشاعر السلبية.


الجانب المظلم من المغامرة

يفتتح المسلسل بمشهد للبطل أوين "جونا هيل" وهو مرتبك، متوتر، يواجه ضغطًا فيما يبدو استجوابًا يستدعي تاريخه مع المرض العقلي. بداية من هذا المشهد نعرف أن الكوميديا التي ستسقبلنا في المسلسل (بحكم إسناد البطولة إلى ممثليّن معروفين بخفة الظل) هي كوميديا سوداء، ستدور بنا في فلك المرض والارتباك والضياع.

يعاني أوين من مشكلة حقيقية، إذ تورط أخيه في قضية اغتصاب، فيما تطالبه أسرته بالشهادة لصالح أخيه زورًا. هذا كله بجانب معاناته من مرض الفُصام، والذي جعله في حيرة من حقيقة حدوث الأشياء حوله. ومن خلال هذه المشكلات يظهر في حالة اكتئاب شديدة، أتقنها الممثل جونا هيل، والذي أبهر المشاهدين بسمات شكلية وتمثيلية جديدة عليه، فبخلاف فقدانه الكثير من الوزن، نراه باهتًا ذابلًا، عكس ما اعتدنا عليه منه في أفلامه وأدواره السابقة، والتي كانت أغلبها كوميديًا.

جونا هيل في دور أوين - مسلسل مينياك - نتفليكس 

إلى جانب الأمراض التي تدفع البطل لخوض التجربة، نرى في المسلسل غرائبية تحمل الكثير من القتامة، بداية من التجربة نفسها وما تقود الأبطال إليه، مرورًا بطبائع وشخصيات المشاركين في تلك التجربة، وصولًا إلى المشرفين عليها أنفسهم. فعالم المسلسل الأساسي يقع في المستقبل، لكن المسلسل يخلق بيننا وبين هذا المستقبل أُلفة تجعلنا نرى كونه قريب، ما يجعل الخوف حاضرًا وقويًا.

كل شيء تشعر معه أن هناك كوميديا ما؛ لكنها كوميديا سوداء.

فنرى بعض اللوحات الإعلانية المكررة من أفلام ومسلسلات سابقة تتحدث عن المستقبل مثل Black Mirror، ونرى بعض الاختراعات البدائية التي تخدم الناس في الشارع -في تناقض لافت- وتلك الأجهزة التي يحبس فيها الناس أنفسهم، كل هذه العناصر تشكِّل لدينا فكرة عن الزمن الذي يدور فيه المسلسل، لكنه زمن غريب.

حتى عند الدخول إلى التجربة؛ يجد المشاهد نفسه بصدد عالم أشد تعقيدًا وغرائبية حتى من الخط الواقعي لأبطال المسلسل. بل وحتى هذا الخط الواقعي يصطبغ بمزيد من الغرائبية، ويظهر هذا في طريقة الأطباء ومحادثاتهم التي تعتقد معها أنهم كذلك مرضى نفسيين. وهو ما سيظهر صحته مع تكشُّف بعض الحقائق عن الطبيب المشرف على التجربة، وصولا إلى النظام الآلي الذي يدير التجربة والذي يأخذنا إلى قمة الغرابة. كل شيء تشعر معه أن هناك كوميديا ما؛ لكنها كوميديا سوداء.

ماذا سيحدث لو تعرضنا نحن لمثل هذه التجربة وواجهنا اضطراباتنا النفسية وماضينا الحزين؟ هل سننجح في تدمير الألم أم أن العيش معه ضرورة لا غنى عنها؟

الإخراج بطلاً

وبالطبع فمثل هذا العمل يجب أن يكون عنصر الإخراج فيه هو البطل الرئيسي، فمثل هذه النوعية الغريبة من المسلسلات، بما تحتويه من أماكن وأزمنة كثيرة، يحتاج إلمامًا شديدًا من المخرج بكل جوانب العمل.

وبعيدًا عن مستوى المسلسل وإخراجه الذي سيختلف عليه مشاهديه لاختلاف أذواقهم، فقد ظهرت لمسة المخرج Cary Fukunaga جلية في بعض المشاهد، أبرزها مشهد الأكشن الذي قامت به Emma Stone والذي قدمه المخرج بلقطة واحدة طويلة مثيرة وممتعة. ويبدو أن هذا هو نوعه المفضل من اللقطات، إذ قدم لنا نفس المخرج لقطة ممتدة في الموسم الأول من مسلسل ترو ديتيكتيف True Detective لا تزال عالقة في أذهان كثيرين ممن تابعوا المسلسل.


لكن، على الجانب الأخر، فقد وقع المسلسل في فخ الملل في أول حلقتين، صحيح أنهما تطلبتا تأسيسًا للأبطال والقصة، لكن ليس بهذا القدر من المطّ والتطويل الذي كان من الممكن اختصاره أو جعله أكثر تشويقًا، فبات سؤال المشاهد؛ متى سنرى ما شاهدناه في الإعلان التشويقي للمسلسل؟!

وأخيرًا فإن مسلسل مينياك Maniac يستحق المشاهدة، نظرًا لما فيه من فكرة مثيرة ومستوى جيد في التمثيل والإخراج، حتى أن المشاهد سيبدأ في التفكير بعد النهاية: هل نجحت التجربة أم لا؟ هل أثَّرت في حياة من خاضوها؟ - لا سيما شخصية البطل أوين Owen الذي ضحك للمرة الأولى في آخر حلقة. ماذا سيحدث لو تعرضنا نحن لمثل هذه التجربة وواجهنا اضطراباتنا النفسية وماضينا الحزين؟ هل سننجح في تدمير الألم أم أن العيش معه ضرورة لا غنى عنها؟