لقطة لـ ستان لي من فيلم The Amazing Spider-Man - 2012

مرثية كهل مارفل.. الحظ كقدرة خارقة

بخفة كبرى، ابتكر ستان لي زمرة من الأبطال الخارقين والأشرار الخارقين شكلوا نواة عالم مارفل، الذي أضحى معسكرًا ينتمي إليه نصف العالم.

بتشكيلة واسعة من النظارات الشمسية التي تُخفي من تجاعيد الوجه أكثر ما تُبدي، تميّزت ظهورات ستان لي السينمائية الخاطفة في أفلام عالم مارفل، بشخصيته الحقيقية فيما يُعرف بالـ Cameos. ما يزيد عن التسعين سنة يحاول العجوز خفيف الظل جاهدًا التحرُر منهم لتقديم مُزحة فنية.

رغم امتلاكه مسيرة حياة كانت ملء السمع والأبصار لعقود طويلة، إلا أن رغبته الأصلية التي دخل معترك الحياة متحصنًا بها أن يكتب "الرواية الأمريكية العظيمة"، لم تتحقق بعد كل هذه العقود، وحتى وفاته قبل أيام، ليبدو أن عالم الأبطال الخارقين بأخياره وأشراره قد نجح في غوايته وسرقه من فكرته.

بدأ الشاب ستانلي مارتن ليبر مشواره الطويل في صياغة حبكات وأبطال سلاسل الكوميكس عن طريق صدفة قدرية، بالتحديد في عام 1941 حين كتب العدد الثالث من سلسلة كابتن أمريكا، وقتها اختار ستان لي التوقيع باسمه الأول منفصلًا إلى مقطعين، بدلاً من استخدام اسمه الحقيقي الذي ادخره لتوقيع روايته الجادة العظيمة التي كان ليكتبها يومًا ما، كما لم يشأ أن يفسد اسمه بربطه بسلاسل الكوميكس المتهمة بالسطحية، أو روايات الأدب الشعبوي (Pulp ficion) التي ارتبطت حينها بالعنف والجنس والجريمة، ما دعا العديد من الرجال المرموقين لإعلان الحرب عليها.

يستعيد لي كواليس اختيار الاسم الذي يوقّع به في حوار إذاعي في راديو مينيسوتا العام سنة 2005 فيقول "أدركت أن الناس لا يكنّون أي احترام لمجلات الكوميكس على الإطلاق، وأغلب الأهالي لا يفضلون أن يقرأ أطفالهم سلاسل الكوميكس، ومن ثم كنت محرجًا من القيام بالعمل الذي كنت أقوم به، كما أنني كنت أود أن أكتب الرواية الأمريكية العظيمة، ولم أكن أريد أن أفسد مقوّماتي بامتلاك اسم مرتبط بأمور مكروهة، ومن ثم أصبحت ستان لي".

وقت كتب ستان لي عدد كابتن أمريكا الثالث، كان عمره بالكاد 19 سنةً، ويعمل منذ ثلاث سنوات كمساعد في "تايملي كوميكس" التي ستصبح لاحقًا مارفل، يقوم بأعمال شديدة التواضع والبساطة: التأكد من أن الدوي ملأى بالأحبار عن آخرها، إحضار الطعام لمعسكر الرسامين والكتاب بالشركة، المراجعة اللغوية، ومسح آثار القلم الرصاص من الصفحات التي نالت حظها من الأحبار، عندما دبّ الخلاف بين مالك الشركة مارتن جودمان، ومحرره جو سيمون، فرحل الأخير، وقبل تكليفه كمحرر من قبل جودمان على أثر هذه القطيعة، لم يكن ستان لي ذا خبرة تُذكر في اختلاق الشخصيات والأحداث في قالب قصصي موجّه للمراهقين والأطفال، حيث عمل أثناء دراسته في وظائف محدودة ومؤقتة متعلقة بالكتابة ككتابة نعايا الموتى وبيانات صحفية لمركز علاج السُل.


اقرأ أيضًا: لماذا يجد الـ Nerds أنفسهم في حياة وإبداعات ملك الكوميكس ستان لي؟


بخفة كبرى، ابتكر ستان لي زمرة من الأبطال الخارقين والأشرار الخارقين شكلوا نواة عالم مارفل، الذي أضحى معسكرًا ينتمي إليه نصف العالم، بينما النصف الآخر يدين بدين دي سي كوميكس، ولكنه حين فعل ذلك، لم يكُن يرى أنه يقوم بعمل جبار يستلزم لياقة ذهنية عملاقة وموهبة استثنائية، لكنه يدين بالفضل في ذلك لناشره جودمان الذي كان رب عمل متطلب لا غير ليدفعه لخلق كل هذه الشخصيات، يشرح ستان لي الأمر في حوار له بمجلة بلاي بوي عام 2014 قائلاً "عندما انتهيت من الأربعة المدهشين، قال لي جودمان آتني بحزمة أخرى من الأبطال الخارقين، ففعلت ما أستطيع القيام به، في البداية كان لابد من معرفة كيف حصلوا على قواهم الخارقة، فالأربعة المدهشون غمرتهم الآشعة الكونية، وهالك ضربته آشعة جاما، صدقًا لم أكن أعرف ماهي الآشعة الكونية أو جاما، ولكنهم بدوا جيدين، وعندما نفذت جعبتي من الآشعة، خرجت من المأزق بقولي أنهم ولدوا هكذا: متطفرون".

لازمت فكرة تواضع القيمة والتأثر بوصمة سلاسل الكوميكس ستان لي لمدة طويلة، حتى استطاع الفكاك منها، والعثور على فلسفة حقيقية خلف ابتكار الأبطال الخارقين، ووضعهم في حبكات مثيرة، ليعترف لاحقًا أنه أدرك بمرور الوقت أن الترفيه من الأشياء المهمة في حياة البشر، وأن من يمتهن الترفيه، يقوم بأمر خيّر له قيمة، غير أنه قبل الوصول لهذه القناعة، كان يشعر بالعار من أنه يتقوّت من كتابة الكوميكس، وأن والده لم يكُن مقتنعًا أن ابنه يحرز نجاحات في حياته حتى بعد ذيوع صيته، وأنه لطالما تمنى أن يكون مثل المخرج ستيفن سبيلبيرج، وعلى مايبدو أن هاجس انعدام القيمة ذاك أسهم بشكل كبير في أن تحمل قصصه أبعادًا إنسانية لم تكن معتادة قبله في عالم الكوميكس أو تلميحات لقضايا كبرى.

في طريقه للترفيه عن المراهقين، مرر ستان لي العديد من الرسائل التقدمية للمجتمع الأمريكي آنذاك بغير خطابية، على سبيل المثال بتمثيل أول بطل خارق أسمر البشرة هو بلاك بانثر مبكرًا في عام 1966، غير أن حرصه الأكبر كان خلق شخصيات أقرب لقرائها، وأقرب له بنقائصها الإنسانية، العملية التي شرحها باستفاضة في حوار آخر له مع شيكاغو تريبيون عام 2014 حيث قال "حتى يتسنى لي التمتُع بالكتابة، كنت محتاجًا أن يكون بطلي الخارق واقعي قدر الإمكان، لم أحاول أبدًا الكتابة لأناس آخرين، فأنا أحب البشر الذين يمتلكون مشكلات كالتي قد أمتلكها أنا، لأننا جميعًا لا نشعر بالأمن أحيانًا، ونندم في أحيان أخرى، وأنا أحب الأبطال غير المثاليين، الذين يحتاجوا أن يعتني بهم أحدًا".

ستان لي مع شريكه جاك كيربي

بعض من تلك الخطايا التي لا ينكرها ستان لي على نفسه، ويتحدث عنها بأريحية كونه بطلًا غير مثالي لقصة حياته هو تناقضه إزاء الحقوق الأدبية لشركائه في خلق الأبطال ذائعي الصيت: جاك كيربي، وستيف ديتكو، شركاء نجاحه، فيعلن في أحيان أنه يعتقد أنه لم يسلبهم التقدير الذي يستحقون، وأنه كان يطلق على نفسه المبتكر المشارك، وليس المبتكر الوحيد والمطلق لشخصياته، بالتعاون معهما، وأنه لايعرف سبيلاً لتقديرهما أكثر من ذلك، غير أنه يعود ويتذكرهما في معرض الحديث عن الموت في حديثه لبلاي بوي فيقول "لا أريد أن يعتقد أحد أنني ظلمت كيربي أو ديكتو، أعتقد أن علاقتي بهما كانت رائعة، ومواهبهما كانت مذهلة، لكن الأشياء التي أرادوها، لم يكن بمقدوري إعطاءها لهم".

في الجزء الثاني من فيلم ديدبول الذي استضافته دور العرض العام الجاري، يظهر ستان لي مرسومًا على أحد جدران البنايات، في واحد من أواخر الكاميوز التي قد يظهر فيها بعد نفاذ رصيد السينمائيين من الكاميوز التي صورها وأعد لها بشكل استباقي لتظهر بعد موته، وفي نفس الفيلم، يعمل ديدبول، أحد أبطال مارفل العديدين، على جمع فريق له من بين عشرات المتطوعين، يخفق جميع أعضاء الفريق الفريق من المحطة الأولى، إلا متطوعة واحدة تقنع ديدبول بأن قدرتها الخارقة هي الحظ، وهي القدرة الخارقة الوحيدة التي تثبت فاعليتها في مساعدة ديدبول، وعلى مايبدو أنها إحدى قناعات لي الشخصية، التي لطالما لقنها للصغار الذين يمطرونه بالتساؤلات عن القوى الخارقة كما ذكر "دائمًا ما أقول أنه الحظ، إذا كنت محظوظًا ينجح كل شيء، وأنا كنت محظوظًا".