بطلات Widows خلال جولة ترويجية للفيلم في شيكاغو.
المصدر: صفحة الفيلم على فيسبوك.

الأرامل: صفعة في وجه الذكورية أصابت الرجال جميعًا

يبدو للوهلة الأولى أننا أمام فيلم يناقش تأثير الذكورية على النساء، ولكن مع الاستغراق في مشاهدة الفيلم سيصبح الانطباع أنه يهاجم الرجال كونهم رجالًا.

يمكن تقسيم المخرجين بشكل عام إلى نوعين؛ الأول يدخل موقع التصوير وبيده تصور أو (storyboard) للفيلم الذي يريد صناعته، والنوع الآخر يحمل إلى جانب هذا التصور بيده الأخرى، أجندة أفكاره التي يريد الردّ من خلالها على كل ما أرق طفولته. بعد مشاهدة فيلم Widows (الأرامل)، نتأكد أن ستيف ماكوين من النوع الثاني.

يحاول المخرج البريطاني ذو البشرة الداكنة أرشفة تاريخ التمييز الأمريكي ضد السود، وتنضم إلى ركابه هذه المرة امرأتان هما ليندا لا بلانت صاحبة فكرة الفيلم وجيليان فلاين كاتبة السيناريو. والحق أنهما كاتبتان تحملان في جعبتهما إعصارًا لا يقل غضبًا عما في مخيلة ماكوين.

ستيف ماكوين

ستيف ماكوين مخرج إنجليزي أسمر وُلد عام 1969 في لندن، له أفلام جيدة حقا مثل Hunger وShame، ذاعت شهرته بين شريحة المشاهدين الذين يرتادون صالات العرض ويشاهدون الأفلام دون الاهتمام بأسماء مخرجيها بعد فيلمه 12 Years a Slave الفيلم الذي حصد ثلاث جوائز أوسكار وحقق صدى جيدًا، جماهيريًا ونقديًا، سواء في الخارج أو في إفريقيا، بسبب قسوة موضوعه عن العبودية وحساسيته. ولست في حاجة لشرح حبكته المأساوية بعد عنوانه الواضح، وبعد أن نضع في الاعتبار أنه لمخرج ملون.

فيلم الأرامل يستند على كتاب يحمل نفس الاسم من تأليف ليندا لا بلانت، سبق أيضًا إنتاجه كمسلسل تلفزيوني إنجليزي عام 1983، تدور أحداث الفيلم في خطين دراميين؛ الأول حول ثلاث نساء يضطررن للقيام بعملية سطو لإنجاز صفقة مالية مشبوهة تورط فيها أزواجهن قبل مقتلهم، والثاني عن صراع سياسي بين مرشحيْ انتخابات في دائرة واحدة، أحدهما أبيض ورث المهنة عن أبيه، والثاني أسود يملك كنيسة يدير من خلالها حملته الانتخابية، ويتعكز على معارفه من القساوسة في أنحاء المقاطعة ليبيعوا اسمه للمُصلين أثناء وعظة القداس.

يبدو للوهلة الأولى أننا أمام فيلم يناقش العنصرية ضد السود وتأثير الذكورية على النساء، ولكن مع الاستغراق في مشاهدة الفيلم س الانطباع إلى أنه يهاجم الرجال كونهم رجالًا.

فنحن مثلًا لا نجد بين شخصيات الفيلم الأساسية أو الثانوية رجلًا واحدًا يفعل أي شيء حسن. ثلاثة أزواج محتالون خائنون، ومُرشحان للانتخابات كل منهما فاسد بطريقته، وقساوسة مُدّعوون، ورجال أثرياء يريدون النوم مع هؤلاء الأرامل مقابل المال، وآخرون معدمون يعرضون عليهن المساعدة ولو في الطرقات أو مزادات السيارات مقابل مغازلتهن، وبلطجية معتدون يستولون على أموالهن بمجرد أن يختفي أزواجهن من الحياة، بحجة أنهم سبق وفرطوا هم أنفسهم في حقوق زوجاتهم، وأخيرا ليام نيسون حينما تواجهه امرأته بخداعه لها فيصرخ فيها "كان ينبغي أن أنقذ نفسي... نفسي!".

يتضح هنا أن كاتبة السيناريو لم تضع خلف كل أزمة وقعت بالفيلم رجلا، بل خلف كل مشكلة حلّت بالخليقة، كأنه ردّ على القصة الإنجيلية التي تحمّل حواء مسؤولية السقوط من الجنة.

خلال أحداث الفيلم سنعرف كيف كان هؤلاء الأزواج غلاظا مع نسائهم، يضربونهن ويستولون على أموالهن، وبعد موت الأزواج تكتشف بطلات الفيلم أنهم كانوا يخونهن بصفة مستمرة. وليت هؤلاء الأزواج تركوا شيئا لزوجاتهم، إذ كن معدمات يوشكن على التسول بأجسادهن كي يجدن حياة عادلة، ورغم ذلك يقفن على أرجلهن بمفردهن ويتحملن سخافات من رجال غرباء يحيقون بهن بمجرد أن صرن أرامل، ويجتزن صعوبات ويتدربن بجدية ليتحولن لسارقات محترفات قادرات على تنفيذ عملية السطو التي كان من المفترض أن يقوم بها أزواجهن.

"واجهن الحياة بمفردهن، تحولن لمجرمات معًا"، بهذه الجملة الترويجية ختمت ليندا غلاف كتابها، وبكلمات أخرى لم تستخدمها المؤلفة كي لا تقع تحت طائلة الصوابية، يمكننا القول إننا بصدد ثلاث نساء تحولن لمجرمات لا لسبب سوى أزواجهن.

فريق السطو النسائي مكون من القائدة التي هاتفتهن وجمعتهن وهي سمراء صلبة المراس، مع فتاة شقراء لها ملامح الروسيات، وثالثة بوجه ولَكنة لاتينية، والرابعة استعانوا بها كسائقة، وهي سمراء أيضا.

بالعودة إلى الملصق الإعلاني للمسلسل الإنجليزي الذي يحمل نفس الاسم سنجد أربع فتيات بألوان بشرات متباينة، الأمر الذي يعفي ستيف ماكوين من شُبهة إقحام أصابعه في التلاعب بألوان بطلاته، لكنه وجد مناطق أخرى كثيرة يتلاعب بها في السيناريو، الذي كتبه بالتعاون مع جيليان فلاين. العضو الثالث في ذلك التحالف.

ملصق المسلسل

جيليان اسم يرن في الآذان ككاتبة نسوية منذ أن تحولت روايتها Gone Girl لفيلم سينمائي من إخراج ديفيد فينشر عام 2014 من بطولة بن أفليك، لا تبتعد حبكته كثيرا عن الجو النسوي الجرائمي الذي يتسم به الأرامل. إذا شاهدت الأول يمكنك ببساطة أن تشمّ رائحة جيليان في كل مشهد تتعرض فيه امرأة ما للابتزاز الجنسي أو البدني من قِبل ذَكر في فيلم الأرامل، وتشمّها بالأكيد في نهاية الفيلمين حينما تكتشف أن كل شيء سيئ وقع من بداية الفيلم يقف خلفه بالضرورة رجل.

في الأرامل حقق ماكوين لجيليان رؤيتها النسوية بداية من أول قطع مونتاجي في شريط الفيلم؛ فبينما نرى ليام نيسون نائما في حضن زوجته السمراء بعد أن مارسا الجنس، تدخل لقطة مباغتة لآخر عملية قام بها هو والزوجين الآخرين قبل مقتلهم جميعا، وكأن المونتاج يمزج بين شخصية ذلك الزوج المجرم وهو يتمدد عاريا في الفراش مع زوجته، وبين شخصيته كلص محترف ينفذ عمليات سطو بسيارة فان، قبل أن ينتهي به الحال محروقا داخلها.

كذلك طوّع ماكوين كاميرته للتركيز على الكدمات البنفسجية التي كان يحدثها أحد الأزواج في جسد امرأته، ولم يكن أمامها سوى أن تغفر في كل مرة بسبب حبها له، وهي نفس المرأة التي تتعرض بعد مقتل زوجها لضغوط من أمها لتمارس الجنس المدفوع عبر الإنترنت وتحصل على أموال توفر لها معيشة جيدة، وكأن جيليان تهمس في أذن ماكوين وهو يكتب السيناريو بأن النساء لا تضطدهن فقط من قبل الرجال.

كذلك نلاحظ أن الفيلم لم يتضمن أي مشهد لامرأة عارية، فحينما اجتمعت النساء الثلاث في غرفة الساونا كن ملفوفات بالمناشف، وعندما مارست إحداهن الجنس شاهدنا المشهد من نهايته وقد ارتدى كلاهما ملابسه. تعمد ماكوين ألا يبتذل القضية التي قرر مشاركتها مع جيليان في كتابة السيناريو، ويبدو أنه لم يخالف العهد حتى في موقع التصوير كمخرج. أيضا من التفاصيل النسوية التي وضعتها جيليان ببراعة في سياق القصة مقتل السائق الذي كان من المفترض أن يقود السيارة أثناء تنفيذ العملية، فنجد القائدة السمراء تستعيض عنه بفتاة فقيرة تعمل في كوافير وتعيل ابنة وتواجه أزمة مالية. وكأن جيليان تقول إنه حتى ذلك الرجل الصالح المتبقي يمكن استبداله بامرأة.

لقطة من فيلم Widows

تجربة جيليان مع ديفيد فينشر فيGone Girl 2014 كان من السهل تمريرها لأنه مهووس بهذه النوعية من الأفلام منذ Panic Room 2002 ولأنه المخرج الذي استطاع أن يقدم أفلاما نسوية تنشغل بأمور أكبر بكثير من النسوية.

نفس المعادلة (الهروب من الاهتمام الدرامي الأوحد) كانت هناك محاولة لتنفيذها في (الأرامل) فنجد الفيلم يتطرق لفضائح الانتخابات المحلية داخل ولايات أمريكا، وتسييس الدين على يد قساوسة الكنيسة هناك، وعالم الجريمة في شيكاجو، لكن جيليان ما أن خرجت من بوتقة النسوية، حتى أخذها ستيف ماكوين وقفزا في حفرة السود والبيض.

بإزاء الخط السردي الخاص بالثلاث أرامل هناك خط آخر بخصوص العنصرية ضد السود، وكأن الفيلم فعلا كتبه اثنان وأرسلا المسودات لبعضهما بالإيميل، أو كأنهما تقابلا في أحد مكاتب الاستوديو فعرّف ماكوين نفسه مرحبا، أنا ستيف، لدي مشكلة مع البيض! فتجيبه فلاين وأنا جيليان، أكره الذكور!

في الخط السردي الثاني يستخدم ماكوين قصة مرشح الانتخابات الأسود الذي كافح أجداده وآباؤه كي يصل هو لهذه المكانة. لم يهمل ماكوين منفذا في فيلمه كي يطل منه برأسه مثل طائر الساعة ويخبرنا أن السود كانوا عبيدا في زمن ماض، والآن في عهد الحريات صاروا مواطنين مضطهدين.

نرى ذلك في جُملة حوارية عابرة بين اثنين من السياسيين البارزين في عشاء عمل، حيث يخبر أحدهما الآخر أنه لا مكان لمنْ وفدوا على هذا البلد (يلمّح إلى السود). أيضا ليام نيسون الذي يشعر طوال حياته بعقدة ذنب لأنه أنجب ابنا أسمر في هذا المجتمع العنصري. وقائدة فريق السطو النسوي التي نكتشف في نهاية الفيلم أن ابنها قُتل منذ سنوات على يد شرطي أبيض لمجرد اشتباهه في أنه يحمل مسدسا، وللمفارقة كان الصبي يبحث في درج السيارة عن أحد متعلقات أبيه السخيفة وليس عن مسدس يواجه به الشرطي.

لقطة من فيلم 12 Years a Slave

هذا الاتجاه النضالي بخصوص قضية العبودية يذكرنا بفيلم ماكوين قبل الأخير 12 Years a Slave الذي سقط في حبائل تفاصيله التراجيدية دون الاهتمام بصياغة حبكة قصصية ذات تنقلات أو مفارقات، فانتهى إلى مرثية رتيبة. كما أنه لم يكن أول فيلم يناقش إجتماعيات السود، بالرجوع مثلا إلى الفيلم الشاعري The Color Purple ويعود إنتاجه لعام 1985، بالتالي وضع نفسه من تلقاء نفسه، بسبب اختيار موضوعه، في تحدي لم يتجاوزه في رأيي، خاصة بالقياس لفيلم مثل Django Unchained الذي صدر في نفس العام (2012)، ويدور حول نفس الموضوع، من إخراج المخرج المهووس ليس فقط بالسود بل بضحايا البشرية عموما، كوينتن تارانتينو، وكان أكثر متعة.

بطلات فيلم Widows أثناء تصويره

فيلم الأرامل لا يختلف كثيرا عن العملية المسلحة التي تقوم بها بطلاته؛ وضعت الفكرة ليندا وكتبت السيناريو جيليان وأطلق ستيف ماكوين النار صوب البيض، مثلما نرى في أحد المشاهد الحوارية بين المرشح الأبيض وسكرتيرته، التي أراد ماكوين أن يظهر لنا من خلالها تفاهة الرجل الأبيض؛ لكنه لم ينجُ من الانزلاق في مستنقع استعراض فحولة السود، انتقاما من عنصرية البيض.

-هل سبق لكِ أن ضاجعك رجل أسود؟

-ما شأن هذا بحملتنا؟

-أجيبيني، هل سبق أن ضاجعك رجل أسود؟

-كل ما يهمك إذا كنت أكثر فحولة منه أم لا، بينما انتخاباتنا يتبقى عليها أيام!