الممثل نيكولاي كوستر والدو الذي يلعب دور چايمي في المسلسل المأخوذ عن السلسلة - المصدر: HBO

چايمي.. فصل من رواية "وليمة للغِربان"

كادَ الفَجر يأخذ چايمي على حين غرَّة، وإذ بدأ زُجاج القُبَّة يستنير راحَت أقواس قزح تتلَألَأ على الجُدران والأرضيَّات والأعمدة، وغمرَت جُثمان اللورد تايوين بسديمٍ من الضَّوء عديد الألوان.


تنشر المنصة ترجمة فصل من رواية وليمة للغربان A Feast for Crows للمترجم هشام فهمي. وهو الكتاب الرابع من سلسلة "أغنية الجليد والنار" للكاتب جورج آر آر مارتن.

المقاطع المائلة، هي مونولوج داخلي يدور داخل ذهن الشخصية ولا تنطق به.


وقفَ السير چايمي لانستر مرتديًا أبيض على أبيض إلى جوار النَّعش الذي يحمل جُثمان أبيه، وقد أغلقَ أصابعه الخمسة على مقبض سيفٍ عظيم من الذَّهب.

مع حلول الغسق اتَّشح (سِپت بيلور الكبير) من الدَّاخل بالعتمة والغموض، وتسرَّبت خيوط النَّهار الأخيرة من النَّوافذ العالية مضفيةً قتامةً حمراء على تماثيل الآلهة السَّبعة الذين تُومِض الشُّموع المعطَّرة حول مذابحهم، فيما احتشدَت الظِّلال الكثيفة في الأجنحة وزحفَت بصمتٍ على الأرضيَّة الرُّخام، وخفتَت أصداء أناشيد المساء برحيل آخِر المعزِّين.

مكثَ بالون سوان ولوراس تايرل بَعد رحيل الآخَرين، وقال السير بالون "لا أحد يستطيع أن يقف ساهرًا سبعة أيام وسبع ليالٍ. متى نِمت آخِر مرَّةٍ يا سيِّدي؟".

أجابَ چايمي: "عندما كان السيِّد والدي حيًّا".

قال السير لوراس مقترحًا: "اسمح لي بالوقوف اللَّيلة بدلًا منك".

- "لم يكن أباك أنت". ولم تَقتُله، أنا قتلته. ربما أطلقَ تيريون سهم النُّشَّابيَّة الذي أزهقَ روحه، لكني أطلقتُ تيريون. "اترُكاني".

قال سوان "كما يأمر سيِّدي".

لاحَ على السير لوراس أنه يُريد أن يُجادِل أكثر، لكن السير بالون أخذَه من ذراعه وسحبَه مبتعدًا، وأصغى چايمي إلى أصداء خُطواتهما تخفت بدورها. هكذا عادَ بمفرده مع السيِّد والده، وسط الشُّموع والبلَّورات ورائحة الموت العطرة المغثية[1]. كان ظَهره يُؤلِمه بسبب وزن دِرعه، وساقاه شِبه خدِرتيْن، فعدَّل وقفته بعض الشَّيء وأحكمَ إغلاق أصابعه على مقبض السَّيف الذَّهبي. إنه لا يستطيع المبارَزة بسيف، لكنه يستطيع أن يُمسِكه. أحسَّ بيده المفقودة تنبض، وهو ما يكاد يكون طريفًا، ففي الطَّرف الذي فقدَه إحساس أكثر من سائر الجسد الذي تبقَّى له.

يدي تشتهي السَّيف. أحتاجُ إلى أن أقتل أحدًا، ڤارس كبداية، لكن عليَّ أولًا أن أجد الصَّخرة التي اختبأَ تحتها. قال للجُثمان "أمرتُ الخصيَّ بأن يأخذه إلى سفينة، لا إلى غُرفة نومك. يداه ملوَّثتان بالدِّماء تمامًا كـ... كيدَي تيريون". كان يقصد أن يقول: يداه ملوَّثتان بالدِّماء تمامًا كيدَي، لكن الكلمات احتبسَت في حَلقه. أيًّا كان ما فعلَه ڤارس فأنا من جعلَه يفعله.

ليلتها انتظرَ في مسكن الخصيِّ، حين قرَّر أخيرًا ألَّا يدع أخاه الصَّغير يموت، وبينما انتظرَ راح يشحذ خنجره بيدٍ واحدة، مستمدًّا سُلوانًا غريبًا من صوت الفولاذ إذ يحتكُّ بالحجر ويحتكُّ ويحتكُّ. عندما سمعَ الخُطوات وقفَ إلى جوار الباب، ودخلَ ڤارس وعلى وجهه المساحيق ومنه يفوح عبير الخُزامى، فخطا چايمي وراءه وركلَه في باطن رُكبته، ثم جثمَ فوق صدره ودفعَ الخنجر تحت ذقنه الأبيض النَّاعم رافعًا رأسه، وقال له بأسارير منبسطة "أهلًا يا لورد ڤارس، عجيب أن ألتقيك هنا".

قال ڤارس لاهثًا "السير چايمي؟ أخفتَني".

- "هذا ما قصدته"، ودوَّر چايمي الخنجر لتسيل قطرة من الدَّم على نصله، وأردفَ "كنتُ أفكِّرُ في أن تُساعِدني على انتزاع أخي من زنزانته قبل أن يقطع السير إلين رأسه. إنه رأس قبيح لا شَكَّ، لكنه لا يملك غيره".

رَدَّ الخصيُّ "نعم... حسن... إذا سمحت بأن... ترفع الخنجر... نعم، برفق بَعد إذن سيِّدي، برفق، أوه، لقد وخزَني..."، ومَسَّ عُنقه وحدَّق إلى الدَّم على أصابعه قائلًا "لطالما بغضتُ منظر دمائي".

- "سأريقُ المزيد لتبغضه حالًا ما لم تُساعِدني".

اعتدلَ ڤارس جالسًا بصعوبةٍ وهو يقول "أخوك... إذا اختفى العِفريت بلا تفسيرٍ من زنزانته ستُثار أ-أسئلة، وسأ-أخشى على حياتي...".

- "حياتك ملكي. لا أبالي بالأسرار التي تعرفها. إذا ماتَ تيريون فلن تبقى حيًّا بَعده طويلًا، أعدك بهذا".

امتصَّ الخصيُّ الدَّم من على أصابعه، وقال "إنك تَطلُب شيئًا فظيعًا... أن تُطلِق سراح العِفريت الذي قتلَ ملكنا المحبوب. أم أنك تعتقد أنه بريء؟".

وبكلِّ حماقةٍ قال چايمي "بريء أو مذنب، اللانستر يُسَدِّد ديونه". يا للسُّهولة التي أتَته بها الكلمات.

منذ ذلك الحين لم ينَم، والآن يُمكنه أن يرى أخاه، والطَّريقة التي ابتسمَ بها القزم تحت جَدعة أنفه وضوء المشعل يلعق وجهه، وكيف زمجرَ بصوتٍ مثقل بالغِل "يا لك من مُعاق مسكين أعمى أحمق! سرسي عاهرة كذَّابة، كانت تُضاجِع لانسل وأوزموند كِتلبلاك وربما فتى القمر أيضًا. وأنا الوحش الذي يقولون. نعم، قتلتُ ابنك الكريه".

لم يقل إنه ينوي أن يَقتُل أبانا. لو قالها لمنعته، ولأصبحتُ أنا لا هو قاتِل الأقربين.

يتساءَل چايمي أين اختبأَ ڤارس. لم يَرجع وليُّ الهامسين إلى مسكنه بالطَّبع، ولم يُسفِر عنه تفتيش (القلعة الحمراء)، فربما إذن استقلَّ الخصيُّ السَّفينة نفسها مع تيريون بدلًا من البقاء للإجابة عن الأسئلة المربِكة. إذا كان هذا صحيحًا فالاثنان في عرض البحر الآن، يتقاسَمان إبريقًا من نبيذ (الكرمة) الذَّهبي في قمرة قادس.

ما لم يكن أخي قد قتلَ ڤارس أيضًا وتركَ جثَّته تتعفَّن تحت القلعة. قد تمرُّ سنوات كاملة هناك بالأسفل قبل أن يَعثُر أحد على عظامه. لقد قادَ چايمي دستةً من الحَرس إلى أسفل بالمشاعل والحبال والمصابيح، وطوال ساعاتٍ تلمَّسوا طريقهم عبر ممرَّاتٍ ملتوية وسراديب ضيِّقة وأبوابٍ خفيَّة وسلالم سرِّيَّة وآبار قيعانها غارقة في الظَّلام الدَّامس. قلَّما شعرَ چايمي بكلِّ هذا العجز. المرء يعدُّ أشياء كثيرةً من المسلَّمات حين يملك كلتا يديه، كالسَّلالم على سبيل المثال. حتى الزَّحف لم يكن سهلًا عليه، فلا أحد يتكلَّم عن الزَّحف "على يديه ورُكبتيه" عبثًا، ولا استطاعَ كذلك أن يحمل مشعلًا على السَّلالم كالآخَرين.

وكلُّ هذا سُدى، فلم يجدوا إلَّا الظَّلام والتُّراب والجرذان. والتَّنانين أيضًا، تنانين كامنة بالأسفل. تذكَّر وهج الفحم البُرتقالي الكئيب في فم التنِّين الحديدي، الذي يتَّخذ شكله مستوقَد يُدفئ هواء حُجرةٍ في قرار بئرٍ تلتقي فيه دستة من الأنفاق. على الأرض رأى رسمًا باليًا من الفُسيفساء الحمراء والسَّوداء لتنِّين عائلة تارجاريَن ذي الثَّلاثة رؤوس، وبدا كأن الوحش يقول له "إنني أعرفك يا قاتِل الملك، كنتُ هنا طيلة الوقت أنتظرُ أن تأتيني"، وخُيِّلَ لچايمي أنه يعرف الصَّوت، النَّبرة الحديديَّة التي كانت سمة ريجار أمير (دراجونستون).

كان نهارًا قويَّ الرِّيح يوم ودَّع ريجار في ساحة (القلعة الحمراء)، وقد ارتدى الأمير دِرعه السَّوداء كاللَّيل، وازدانَ صدره بالياقوت على شكل التنِّين ذي الرُّؤوس الثَّلاثة. ساعتها قال چايمي متوسِّلًا "يا سموَّ الأمير، دَع داري يبقى لحراسة الملك هذه المرَّة، أو السير باريستان. إن معطفيهما أبيضان كمعطفي".

هَزَّ الأمير ريجار رأسه، وقال "والدي الملك يخشى أباك أكثر مما يخشى ابن عمومتنا روبرت. إنه يُريدك على مقربةٍ منه كي لا يستطيع اللورد تايوين أن يُؤذيه، ولا أجرؤُ على أن أسلبه تلك الدِّعامة التي يستند إليها في ساعةٍ كهذه".

ارتفعَ سُخط چايمي حتى بلغَ حُلقومه وهو يقول "أنا لستُ دِعامةً، إنني فارس في الحَرس الملكي".

رَدَّ عليه السير چون داري بحدَّة "احرُس الملك إذن. حين ارتديت هذا المعطف أقسمت على الطَّاعة".

ووضعَ ريجار يده على كتف چايمي قائلًا "أنوي بَعد أن تنتهي هذه المعركة أن أعقد مجلسًا. ستَحدُث تغييرات. لقد أردتُ أن أفعل هذا منذ فترةٍ طويلة، ولكن... لا داعي للكلام عن الطُّرق التي لم نَسلُكها. سنتحدَّث حين أرجع".

كانت تلك آخِر كلماتٍ قالها له ريجار تارجاريَن على الإطلاق. خارج الأسوار احتشدَ جيش، وفي الأثناء نفسها زحفَ جيش آخَر إلى (الثَّالوث)، وهكذا اعتمرَ أمير (دراجونستون) خوذته السَّوداء الطَّويلة وركبَ إلى نهايته.

كان على حَقٍّ أكثر مما أدركَ. حين انتهَت المعركة حدثَت تغييرات. قال لجثَّة أبيه "إيرس ظَنَّ أن أذًى لن يمسَّه إذا أبقاني قريبًا منه، أليس هذا طريفًا؟". بدا أن هذا رأي اللورد تايوين أيضًا، إذ كانت ابتسامته متَّسعةً الآن عن ذي قبل. كأنه مستمتع بكونه ميتًا.

الغريب أنه لا يَشعُر بالحُزن. أين دموعي؟ أين غضبي؟ چايمي لانستر لم يفتقر إلى طاقة الغضب قَطُّ. قال للجثَّة "أنت الذي قلت لي إن الدُّموع دلالة على ضَعفٍ في الرَّجل، فلا تتوقَّع مني أن أبكيك".

ألف لورد وليدي أتوا في الصَّباح ليصطفُّوا في الطَّابور المار بالنَّعش، ثم أتى عدَّة آلاف من العامَّة بَعد الظُّهر، ثيابهم داكنة ووجوههم خاشعة، إلَّا أن چايمي ارتابَ في أن كثيرين منهم مبتهجون في سريرتهم لمرأى سقوط الرَّجل العظيم. حتى في الغرب كان اللورد تايوين محترمًا أكثر من محبوب، و(كينجز لاندنج) لم تزل تَذكُر يوم النَّهب.

من بين جميع المعزِّين بدا المِايستر الأكبر پايسل الأكثر اضطرابًا، وبَعد الشَّعائر قال لچايمي وهو يتشمَّم حول الجثَّة بريبة "لقد خدمتُ ستَّة ملوك، لكن ها هنا أمامنا يَرقُد أعظم رجلٍ عرفته على الإطلاق. لم يكن اللورد تايوين يعتمر تاجًا، لكنه تحلَّى بكلِّ ما يجب أن يكونه الملك".

دون لحيته لا يبدو پايسل مسنًّا فحسب بل وواهن أيضًا. حلاقة لحيته كانت أقسى ما يُمكن أن يفعله تيريون به. يعلم چايمي معنى أن تفقد جزءًا منك، الجزء الذي يجعلك أنت، ولقد كانت لحية پايسل رائعةً فعلًا، بيضاء كالثَّلج وناعمةً كصوف الحِملان، نبتةً فاخرةً غطَّت وجنتيه وذقنه وانسدلَت طويلةً حتى دانَت حزامه، وقد اعتادَ المِايستر الأكبر أن يُمَلِّس عليها وهو يتكلَّم بمنتهى الوقار، فمنحَته سمت الحُكماء وأخفَت جميع أنواع المناظر المنفِّرة، من الجِلد الرَّخو المتدلِّي تحت فَكِّ العجوز، إلى الفم الصَّغير الرَّاجف والأسنان المفقودة، والثَّآليل والتَّجاعيد وبُقع الشَّيخوخة الأكثر من أن تُحصى. حاولَ پايسل أن يُعيد تربية ما فقدَه، لكن محاولاته مُنِيَت بالفشل، ولم ينبت من وجنتيه المتغضِّنتين وذقنه الضَّعيف إلَّا خُيوط وشُعيرات خفيفة للغاية، لدرجة أن چايمي يرى الجِلد الوردي المبقَّع أسفلها.

قال العجوز "سير چايمي، لقد رأيتُ أشياء رهيبةً في حياتي، حروبًا ومعارك واغتيالاتٍ آثمة... كنتُ صبيًّا في (البلدة القديمة) عندما أتى الطَّاعون الأرمد على نِصف المدينة وثلاثة أرباع (القلعة). حينها أحرقَ اللورد هايتاور كلَّ سفينةٍ في الميناء وأغلقَ البوَّابات وأمرَ حُرَّاسه بقتل كلِّ مَن يُحاوِل الفرار، سواء أكان رجلًا أم امرأةً أم حتى طفلًا رضيعًا. بَعد أن جرى الطَّاعون مجراه الطَّبيعي وانزاحَ قتلوه، في اليوم نفسه الذي أعادَ فيه فتح الميناء جرُّوه من على حصانه وذبَحوه هو وابنه الشَّاب. حتى يومنا هذا يَبصُق الجُهلاء في (البلدة القديمة) لسماع اسمه، لكن كوينتون هايتاور فعلَ ما كان ضروريًّا. أبوك كان من هذا النَّوع من الرِّجال أيضًا، رجلًا يفعل ما هو ضروري".

- "ألهذا يبدو مسرورًا من نفسه؟".

قال پايسل والأبخرة المتصاعدة من الجُثة تُدمِع عينيه "اللَّحم... مع جفاف اللَّحم تشتدُّ العضلات وتسحب شفتيه إلى أعلى. هذه ليست ابتسامةً وإنما... جفاف لا أكثر"، وأغمضَ عينيه وفتحَهما محاولًا منع الدُّموع، وأردفَ "أرجو أن تَعذُرني، إنني مرهَق للغاية"، واتَّكأ بثقلٍ على عُكَّازه وتحرَّك مغادرًا السِّپت على مهل. هذا الرَّجل على عتبة الموت أيضًا. لا غرو أن سرسي تقول إنه عديم الفائدة.

بالطَّبع تعتقد أخته العزيزة أن نِصف مَن في البلاط إمَّا عديمي الفائدة وإمَّا خونة؛ پايسل والحَرس الملكي وآل تايرل وچايمي نفسه... وحتى السير إلين پاين، الفارس الصَّامت الذي يعمل جلَّادًا. عند شَغله منصب عدالة الملك أضحَت الزَّنازين مسؤوليَّته، وبما أنه بلا لسانٍ فغالبًا ما تركَ پاين واجب إدارة تلك الزَّنازين لمرؤوسيه، غير أن سرسي تلومه هو على هرب تيريون رغم ذلك. كادَ يقول لها "كان هذا من صُنعي لا صُنعه"، لكنه وعدَ بدلًا من ذلك بأن يَحصُل على ما يستطيع من إجاباتٍ من رئيس السَّجَّانين، وهو عجوز محنيُّ الظَّهر اسمه رينيفر لونجووترز.

قهقهَ الرَّجل بصوتٍ كقوقأة الدَّجاج حين ذهبَ چايمي يستجوبه، وقال له "أراك تتساءَل عن اسمي هذا. إنه اسم قديم، هذا صحيح. لستُ أحبُّ التَّباهي، لكن في عروقي دماءً ملكيَّةً. إنني أنحدرُ من ذُرِّيَّة أميرة. أبي حكى لي الحكاية وأنا صبيٌّ صغير". لم يَعُد لونجووترز صبيًّا صغيرًا منذ سنين عدَّة كما يشي رأسه المبقَّع والشَّعر الأبيض النَّابت من ذقنه. "كانت أجمل كنوز (قفص العذراوات)، وسلبَت الأميرال العظيم اللورد أوكنفيست قلبه رغم أنه كان متزوِّجًا بأخرى. أطلقَت على ابنهما اسم النُّغول[2] "ووترز" تكريمًا لأبيه، وكبرَ الابن ليُصبِح فارسًا عظيمًا، وكذا ابنه الذي وضعَ "لونج" في اسمه قبل ووترز ليعرف النَّاس أنه ليس ابن حرام عن نفسه، وهكذا هناك القليل من دم التَّنانين في عروقي".

رَدَّ چايمي "نعم، كدتُ أحسبك إجون الفاتح". ووترز من أسماء النُّغول الشَّائعة في منطقة (الخليج الأسود)، وعلى الأرجح جاءَ لونجووترز القديم من ذُرِّيَّة أحد فُرسان العائلات الصَّغيرة لا من أميرة. "لكن يتصادَف أن عندي اهتمامات أكثر إلحاحًا من نَسبك".

حنى لونجووترز رأسه قائلًا "السَّجين الضَّائع".

- "والسَّجَّان المفقود".

عقَّب العجوز "روجن، مُشرف سجَّانين. كان مسؤولًا عن المستوى الثَّالث، الزَّنازين السَّوداء".

قال چايمي مرغمًا "حدِّثني عنه". مهزلة لعينة. إنه يعلم هويَّة روجن، حتى إن كان لونجووترز يجهلها.

- "أشعث الشَّعر، طويل اللِّحية، فَظُّ الأسلوب. لم يكن الرَّجل يروقني، صحيح، أعترفُ بهذا. كان روجن هنا حين وصلتُ قبل اثني عشر عامًا. الملك إيرس هو من كلَّفه بوظيفته، ولكن يجب أن أقول إنه نادرًا ما ظهرَ هنا، وقد دوَّنتُ هذا في تقاريري يا سيِّدي، أؤكِّدُ لك وأعطيك كلمتي، كلمة رجلٍ في عروقه دماء ملكيَّة".

اذكُر تلك الدِّماء الملكيَّة مرَّةً أخرى وسأريقُ القليل منها. "من رأى تلك التَّقارير؟".

- "بعضها ذهبَ إلى أمين النَّقد وبعضها إلى وليِّ الهامسين، وكلُّها إلى رئيس السَّجَّانين الأعلى وعدالة الملك. لطالما جرَت الأمور على هذا المنوال في الزَّنازين"، وحَكَّ لونجووترز أنفه متابعًا "روجن كان يظهر عند الحاجة يا سيِّدي، لا مفرَّ من قول هذا. قليلًا ما تُستخدَم الزَّنازين السَّوداء. قبل أن ينزل فيها أخو جنابكم الصَّغير قضى المِايستر الأكبر پايسل فترةً عندنا، وقبله اللورد ستارك الخائن، وكان هناك ثلاثة آخَرون من العوام، لكن اللورد ستارك سلَّمهم لحَرس اللَّيل. لم أرَ إطلاق سراح أولئك الثَّلاثة خيرًا، لكن الأوراق كانت سليمةً. هذا أيضًا دوَّنته في التَّقارير، لك أن تثق بكلمتي".

- "حدِّثني عن السَّجَّانيْن اللذين راحا في النَّوم".

تنشَّق لونجووترز قائلًا "تقول سجَّانيْن؟ لم يكونا سجَّانيْن، بل مجرَّد حاملَي مفاتيح. التَّاج يدفع أجور عشرين حامل مفاتيح يا سيِّدي، لكن طيلة خدمتي لم يزد عددهم على الاثني عشر. المفترَض أن يكون عندنا ستَّة مُشرفي سجَّانين أيضًا، اثنان في كلِّ مستوى، لكن لا يوجَد إلَّا ثلاثة".

- "أنت واثنان آخَران؟".

عادَ لونجووترز يتنشَّق، وقال باعتداد "أنا رئيس مُشرفي السَّجَّانين يا سيِّدي، أي أني أعلى من مُشرفي السَّجَّانين. إنني مكلَّف بمراجعة الدَّفاتر. إذا كان سيِّدي يرغب في إلقاء نظرةٍ عليها فسيرى أن الأرقام كلَّها مضبوطة"، ثم إنه راجعَ الدَّفتر الضَّخم المغلَّف بالجِلد المفتوح أمامه، وأردفَ "حاليًّا عندنا أربعة سُجناء في المستوى الأول وواحد في الثَّاني، بالإضافة إلى أخي جنابكم"، ثم قطَّب وجهه مضيفًا "الذي فَرَّ، هذا صحيح، سأشطبُ اسمه"، والتقطَ ريشة كتابةٍ وبدأ يسنُّها.

فكَّر چايمي بجهامة: ستَّة سُجناء، بينما ندفع أجور عشرين حامل مفاتيح وستَّة مُشرفي سجَّانين ورئيس مُشرفي سجَّانين وسجَّان وعدالة الملك. "أريدُ أن أستجوب حاملَي المفاتيح هذين".

تخلَّى رينيفر لونجووترز عن سَنِّ ريشته ورفعَ عينيه رامقًا چايمي بارتياب، ثم سألَ "تستجوبهما يا سيِّدي؟".

- "كما سمعتني".

- "سمعتك يا سيِّدي، سمعتك بالتَّأكيد، ولكن... يستطيع سيِّدي أن يستجوب من يشاء، هذا صحيح، فليس لي أن أقول إنه لا يستطيع، ولكن أيها الفارس، إذا سمحت لي، لا أظنُّ أنهما سيُجيبان. إنهما ميتان يا سيِّدي".

- "ميتان؟! بأمر مَن؟".

- "بأمرك كما حسبتُ... أو ربما بأمر الملك؟ لم أسأل. ليس... ليس لي أن أراجع رجال الحَرس الملكي".

صَبَّ الجواب الملح على جرحه. لقد استخدمَت سرسي رجاله ليقوموا بعملها الدَّامي، هُم وأعزَّاؤها الإخوة كِتلبلاك.

بَعدها، في الزِّنزانة التي فاحَت فيها رائحة الدِّماء والموت، زمجرَ چايمي في بوروس بلاونت وأوزموند كِتلبلاك قائلًا: "أيها الأحمقان عديما العقل، ماذا حسبتما نفسيكما فاعليْن؟".

أجابَ السير بوروس الأقصر قامةً من چايمي لكنه أثقل "ليس أكثر مما قيلَ لنا يا سيِّدي. جلالتها أمرَت بهذا، أختك".

ودَسَّ السير أوزموند إبهامه في حزام سيفه مضيفًا "طلبَت أن يناما إلى الأبد، فحرصتُ وإخوتى على هذا".

هذا ما حرصتم عليه حقًّا. كانت إحدى الجثَّتين ملقاةً على وجهها على المائدة كرجلٍ غابَ عن الوعي في أثناء مأدبة، لكن ما تحت رأسه بِركة من الدَّم لا النَّبيذ. أمَّا حامل المفاتيح الثَّاني فيبدو أنه استطاعَ أن ينهض من على الدِّكَّة ويسحب خنجره قبل أن يغرس أحدهم سيفًا طويلًا في ضلوعه، فكانت نهايته الأطول والأكثر فوضى. قلتُ لڤارس ألَّا يمسَّ الأذى أحدًا في تلك المسألة، ولكن كان عليَّ أن أقول لأخي وأختي أيضًا. "أسأتم التَّصرُّف أيها الفارس".

هَزَّ السير أوزموند كتفيه قائلًا "لن يفتقدهما أحد. أراهنُ أنهما لعبا دورًا في ما جرى، بالإضافة إلى الآخَر المفقود".

كان يُمكن لچايمي أن يقول له: لا. ڤارس دَسَّ مخدِّرًا في نبيذهما ليناما، لكنه قال "إذا صَحَّ هذا لكنا استطعنا انتزاع الحقيقة منهما"... كانت تُضاجِع لانسل وأوزموند كِتلبلاك وربما فتى القمر أيضًا... "لو كنتُ ذا طبيعةٍ شكَّاكة لتساءَلتُ عن سبب استعجالكم التَّأكُّد من عدم استجواب هذين الاثنين أبدًا. هل أردتم إخراسهما لإخفاء دوركم في المؤامرة؟".

رَدَّ كِتلبلاك مبغوتًا "نحن؟ لم نفعل إلَّا ما أمرَت به الملكة، أقسمُ بكلمتي كأخيك المحلَّف".

اختلجَت أصابع چايمي الشَّبحيَّة وهو يقول "أحضِر أوزني وأوزفريد ونظِّفوا الفوضى التي صنعتموها، وعندما تأمرك أختي المرَّة القادمة بقتل أحدٍ، تعالَ إليَّ أولًا. فيما عدا هذا اغرُب عن وجهي أيها الفارس".

تردَّدت أصداء الكلام في عقله وهو واقف في عتمة (سِپت بيلور)، وقد اسودَّت النَّوافذ كلُّها من فوقه، وأصبحَ يرى ضوء النُّجوم البعيدة الخافت إذ غابَت الشَّمس تمامًا. ما زالَت رائحة الموت النَّتنة تزداد قوَّةً على الرغم من الشُّموع المعطَّرة، وذكَّرت تلك الرَّائحة چايمي لانستر بالممرِّ أسفل (النَّاب الذَّهبي) حيث حقَّق نصرًا عظيمًا في أيام الحرب الأولى. في الصَّباح التَّالي للمعركة التهمَت الغِربان وليمةً من لحم المنتصرين والمهزومين على حَدِّ سواء، مِثلما التهمَت لحم ريجار تارجاريَن بَعد (الثَّالوث). ما قيمة التَّاج إذا كانت الغِربان تتعشَّى بلحم الملوك؟

يظنُّ چايمي أن هناك غِربانًا تدور حول أبراج (سِپت بيلور) السَّبعة وقُبَّته العظيمة الآن تحديدًا، تضرب أجنحتها السَّوداء هواء المساء وهي تبحث عن سبيلٍ للدُّخول. حريٌّ بكلِّ غُرابٍ في (الممالك السَّبع) أن يأتي ويُعرِب عن تقديره لك يا أبي. لقد أطعمتها جميعًا، من (كاستامير) إلى (النَّهر الأسود). سرَّت الفكرة اللورد تايوين الذي اتَّسعت ابتسامته أكثر، ففكَّر چايمي: بحَقِّ الجحيم، إنه يبدو كعريسٍ في أثناء إضْجاعه!

كان الخاطر شاذًّا لدرجة أن چايمي أطلقَ ضحكةً عاليةً.

وتردَّد صداها في الأجنحة والسَّراديب والمُصلَّيات كأن الموتى المدفونين داخل الجُدران يضحكون أيضًا. ولِمَ لا؟ الأمر أكثر عبثًا من مسرحيَّةٍ هزليَّة؛ وقوفي ساهرًا على الأب الذي ساعدتُ على قتله، وإرسالي رجالًا للقبض على الأخ الذي ساعدتُ على إطلاق سراحه... كان قد أمرَ السير أدام ماربراند بتفتيش (شارع الحرير)، وقال له "ابحثوا تحت كلِّ سرير. أنت تعلم غرام أخي بالمواخير". سيجدُ ذوو المعاطف الذَّهبيَّة أشياء أكثر إثارةً للاهتمام تحت فساتين العاهرات مما سيجدون تحت أسرَّتهن، حتى إن چايمي يتساءَل كم نغلًا سيُولَد من جرَّاء هذا البحث عديم الجدوى.

دون إرادةٍ منه انتقلَت أفكاره إلى بِريان التارثيَّة. فتاة حمقاء عنيدة قبيحة. تُرى أين هي الآن؟ امنحها القوَّة يا أبتِ. يكاد يكون دُعاءً... لكن أَإِلى الإله يبتهل؟ إلى (الأب في الأعالي) الذي يتألَّق تمثاله المذهَّب الشَّاهق في ضوء الشُّموع عبر المكان؟ أم أنه يُصَلِّي للجُثمان المسجَّى أمامه؟ هل يهمُّ؟ كلاهما لم يُنصِت قَطُّ. منذ كبرَ چايمي حتى استطاعَ حمل السَّيف كان (المُحارب) إلهه. قد يكون مَن عداه من الرِّجال آباءً وأبناءً وأزواجًا، أمَّا چايمي لانستر فلا. إنه الرَّجل ذو السَّيف الذَّهبي كشَعره، مُحارب، وأبدًا لن يكون إلَّا هذا.

يَجدُر بي أن أُخبر سرسي بالحقيقة، أن أعترف بأني مَن حرَّر أخانا الصَّغير من زنزانته. قول الحقيقة أتى بنتيجةٍ رائعة مع تيريون في النِّهاية. قتلتُ ابنك الكريه، والآن سأذهبُ لأقتل أبانا أيضًا. سمعَ چايمي العِفريت يضحك في العتمة، فالتفتَ يَنظُر لكن الصَّوت لم يكن إلَّا صدى ضحكته هو. أغلقَ عينيه، وبالسُّرعة نفسها فتحَهما مجدَّدًا. يجب ألَّا أنام. إذا نامَ فربما يَحلُم. أوه، يا لضحكة تيريون السَّاخرة تلك... "عاهرة كذَّابة... تُضاجِع لانسل وأوزموند كِتلبلاك..".

في منتصَف اللَّيل صرَّت مِفصلات (باب الأب) مع دخول عدَّة مئات من السِّپتونات لإقامة صلواتهم، يرتدي بعضهم الأردية المفصَّلة من قُماش الفضَّة ويعتمر الأكاليل البلَّور التي تُمَيِّز مجلس القانِتين، في حين علَّق إخوتهم الأدنى شأنًا بلَّوراتهم من سيورٍ حول أعناقهم وأوثَقوا أرديتهم البيضاء بأحزمةٍ من سبع جدائل بسبعة ألوان مختلفة. من (باب الأُم) دخلَت السِّپتوات من معزلهن، سبع يرتدين الأبيض ويمشين متجاورات ويترنَّمن بنعومة، بينما نزلَت الأخوات الصَّامتات (سلالم الغريب) في طابور، وقد ارتدَت وصيفات الموت الرَّمادي الفاتح، وفوق رأس كلٍّ منهن قلنسوة وعلى وجهها لثام، فلا يُرى منها إلَّا عيناها. ظهرَ حشد من الإخوة أيضًا، يرتدون البنِّي والعسلي والرَّمادي الدَّاكن، وحتى الخيش غير المصبوغ، ويشدُّون ما يرتدونه على خصورهم بحبال القنَّب، ويُعَلِّق بعضهم مطرقة (الحدَّاد) الحديد من الأعناق، وبعضهم أوعية الشِّحاذة.

لم يُعِر أحد من المصلِّين چايمي اهتمامًا، بل داروا في محيط السِّپت متعبِّدين على كلٍّ من المذابح السَّبعة تكريمًا لأوجه الإله السبعة، ولكلِّ إلهٍ قدَّموا قُربانًا، ولكلِّ واحدٍ أنشَدوا لترتفع أصواتهم وقورًا عذبةً. أسدلَ چايمي جفنيه ليُصغي، لكنه رفعَهما من جديدٍ لمَّا بدأ يتمايَل. إنني مرهَق أكثر مما حسبتُ.

لقد مضَت سنوات منذ أدَّى شعيرة السَّهر آخِر مرَّة. كنتُ أصغر حينئذٍ، غُلامًا في الخامسة عشرة. لم يكن يرتدي دِرعًا وقتها، بل مجرَّد سُترةٍ بيضاء تقليديَّة، ولم يَبلُغ السِّپت الذي أمضى فيه اللَّيل ثُلث مساحة أيٍّ من أجنحة (سِپت بيلور) السَّبعة. ليلتها وضعَ چايمي سيفه على رُكبتَي (المُحارب) وكوَّم دِرعه عند قدميه وركعَ على الأرض الحجريَّة الخشنة أمام المذبح، وحين بزغَ الفَجر كانت رُكبتاه مسحوجتيْن داميتيْن، فقال له السير آرثر داين لمَّا رآه "لا مناص من أن ينزف كلُّ الفُرسان يا چايمي. الدَّم خَتم إخلاصنا"، ثم إنه رفعَ سيفه (فَجر) مربِّتًا به على كتفَي چايمي، وكان النَّصل الشَّاحب حادًّا لدرجة أن تلك اللَّمسة الخفيفة للغاية شقَّت سُترته ومن جديدٍ نزفَ... لكنه لم يَشعُر بالجرح لحظةً. غُلامًا ركعَ، وفارسًا نهضَ. الأسد الصَّغير لا قاتِل الملك.

لكن ذلك كان منذ زمن، والغُلام ماتَ.

لا يدري متى انتهَت الصَّلوات. ربما نامَ وهو واقف. حين خرجَ المتعبِّدون عادَ السُّكون يُخَيِّم على (السِّپت الكبير)، والشُّموع كأنها حائط من النُّجوم المتَّقدة في الظَّلام، وإن ظَلَّ الهواء يعبق بالموت. عدَّل چايمي قبضته على السَّيف الذَّهبي العظيم. ربما كان عليه أن يدع السير لوراس يحلُّ محلَّه رغم كلِّ شيء. كانت سرسي لتكره ذلك. فارس الزُّهور ما زالَ نِصف صبي، ومغرور متكبِّر، لكنه يملك إمكانيَّة أن يُصبِح عظيمًا، أن يكون من أهل المآثر الكُبرى التي تليق بـ(الكتاب الأبيض).

سيكون (الكتاب الأبيض) في انتظاره عندما ينتهي سهره، صفحته منه مفتوحة تَرمُقه بتأنيبٍ صامت. سأمزِّقُ الكتاب اللَّعين إربًا قبل أن أملأه بالأكاذيب. لكن إذا كان لن يكذب، فماذا يَكتُب سوى الحقيقة؟

فجأةً وجدَ امرأةً تقف أمامه.

المطر يَسقُط من جديد. رآها مبتلَّةً تمامًا والماء يَقطُر من معطفها صانعًا بِركةً عند قدميها. كيف دخلَت؟ لم أسمعها تَدخُل. كانت ترتدي ثياب ساقيةٍ في حانة، معطفًا من الخيش الثَّقيل مصبوغًا بلا مهارةٍ بدرجات البنِّي ومهترئ الحاشية، وقد أخفَت قلنسوة وجهها لكنه رأى الشُّموع تتراقَص في لُجَّتَي عينيها الخضراويْن، ولمَّا تحرَّكت عرفَها.

- "سرسي". تكلَّم ببُطءٍ كرجلٍ صحا لتوِّه من حُلمٍ وما زالَ يتساءَل أين هو. "ما السَّاعة الآن؟".

أجابَت أخته "ساعة الذِّئب[3]"، وأنزلَت قلنسوتها وتقلَّص وجهها وهي تُضيف: "الذِّئب الغريق ربما"، ثم ابتسمَت له بكلِّ عذوبةٍ، وقالت "هل تَذكُر أول مرَّةٍ أتيتك هكذا؟ كانت في خانٍ كئيب عند (زُقاق بنات عرس)، وارتديتُ ثياب خادمةٍ لأمرَّ من حُرَّاس أبي".

- "أذكرُ. كان في (زُقاق الحنشان)". تُريد مني شيئًا. "ماذا تفعلين هنا في هذه السَّاعة؟ ماذا تُريدين مني؟". تردَّدت كلمته الأخيرة في جنبات السِّپت، مني-مني-مني-مني-مني-مني-مني-مني-مني-مني-مني، وراحَت تخفت حتى غدَت همسةً، وللحظةٍ جرؤَ چايمي على أن يأمل أن كلَّ ما تُريده سرسي هو الرَّاحة بين ذراعيه.

- "تكلَّم بهدوء". كانت نبرتها غريبةً... لاهثةً، أقرب إلى الخوف. "چايمي، كيڤان رفضَ، لن يتولَّى اليدويَّة[4]. إنه... إنه يعلم بأمرنا، لمَّح إلى هذا بوضوح".

قال مندهشًا "رفضَ؟ وكيف يعلم؟ لا بُدَّ أنه قرأ ما كتبَه ستانيس، لكن ليس هناك...".

قاطعَته "تيريون كان يعلم. من يدري ماذا حكى ذلك القزم البغيض أو لمَن؟ العمُّ كيڤان أقلُّ المصائب... السِّپتون الأعلى، تيريون هو من رقَّاه إلى تاجه حين ماتَ الآخَر البدين. ربما يعلم أيضًا"، ودنَت منه متابعةً: "لا مفرَّ من أن تكون يد تومِن. إنني لا أثقُ بمايس تايرل. ماذا لو كانت له يد في موتِ أبينا؟ ربما كان يتآمَر مع تيريون. من الممكن أن يكون العِفريت في طريقه إلى (هايجاردن)...".

- "غير صحيح".

قالت متوسِّلةً "كُن يدي وسنَحكُم (الممالك السَّبع) معًا كملكٍ ومليكته".

- "كنتِ مليكة روبرت، ولكنكِ تأبين أن تكوني مليكتي".

- "كنتُ لأفعلها إذا جرؤتُ، لكن ابننا...".

قاطعَها بقسوة "تومِن ليس ابني كما لم يكن چوفري. لقد جعلتِهما ابنَي روبرت أيضًا".

جفلَت أخته قائلةً "لقد وعدت بأن تحبَّني دائمًا، وليس من المحبَّة أن تجعلني أتوسَّلُ".

أفعمَت أنف چايمي رائحة خوفها على الرغم من نتانة الجثَّة، وأرادَ أن يحتويها بذراعيه ويُقَبِّلها، أن يدفن وجهه في خُصلاتها الذَّهب ويعدها بأن لا أحد سيمسَّها بسوءٍ أبدًا... لكنه أخبرَ نفسه: ليس هنا، ليس هنا أمام الآلهة وأبينا، وقال لها: "لا، لا أستطيعُ، ولن أفعل".

قالت وهو يسمع المطر ينهمر على النَّوافذ بالأعلى "إنني محتاجة إليك، محتاجة إلى نِصفي الآخَر. أنت أنا وأنا أنت. أحتاجُ إليك إلى جواري، في داخلي، أرجوك يا چايمي، أرجوك".

نظرَ چايمي ليستوثق بأن اللورد تايوين لا ينهض في هذه اللَّحظة من على منصَّته غاضبًا، لكن أباه ظَلَّ متمدِّدًا في مكانه، باردًا يتعفَّن. "لقد خُلِقتُ لميادين المعارك لا قاعة مجلس، والآن يبدو أني لم أعد أصلحُ لذلك أيضًا".

مسحَت سرسي دموعها بكُمٍّ بنِّي رَث، وقالت "ليكن، إذا كانت ميادين المعارك ما تشتهي فميادين المعارك ما سأعطيك"، ورفعَت قلنسوتها بغضبٍ مردفةً "كنتُ حمقاء لمجيئي، كنتُ حمقاء عندما أحببتك"، وردَّدت خُطاها المبتعدة أصداءً عاليةً شقَّت الهدوء وتركَت بُقعًا مبتلَّةً على الأرض الرُّخام.

كادَ الفَجر يأخذ چايمي على حين غرَّة، وإذ بدأ زُجاج القُبَّة يستنير راحَت أقواس قزح تتلَألَأ على الجُدران والأرضيَّات والأعمدة، وغمرَت جُثمان اللورد تايوين بسديمٍ من الضَّوء عديد الألوان. يد الملك يتعفَّن بوضوح، وقد شابَ وجهه اخضرار خفيف وغاصَت عيناه كثيرًا فأصبحَتا حُفرتين سوداوين عميقتين وبدأت وجنتاه تنفتقان، بينما تسرَّب سائل أبيض كريه من مِفصلات دِرعه الفاخرة بلونيها الذَّهبي والقرمزي ليتجمَّع تحت جثَّته.

أول من رأى المنظر السِّپتونات عندما عادوا لأداء صلوات الفَجر، فأنشَدوا أناشيدهم ودعوا أدعيتهم وقلَّصوا أنوفهم، لكن رأس واحدٍ من القانِتين دارَ لدرجة أنهم اضطرُّوا إلى مساعَدته على الخروج من السِّپت، وبَعدها بفترةٍ قصيرة دخلَت جماعة من التَّلامذة مؤرجحين المباخر، فأفعمَ البَخور الكثيف الهواء حتى بدا النَّعش ملتحفًا بالدُّخان، وغابَت أقواس قزح كلُّها في ذلك الضَّباب المعطَّر، إلَّا أن الرَّائحة ظلَّت قويَّةً، رائحة هي مزيج من العفن والشَّذا جعلَت الرَّغبة في القيء تنتاب چايمي.

عندما فُتِحَت الأبواب كان آل تايرل بين أول الدَّاخلين بما يُناسِب مكانتهم، وقد أحضرَت مارچري باقةً كبيرةً من الورود الذَّهبيَّة وضعَتها بحركةٍ مسرحيَّة عند قدم نعش اللورد تايوين، وإن احتفظَت بواحدةٍ أبقَتها تحت أنفها وهي تتَّخذ مقعدها. إذن فالفتاة ذكيَّة كما هي جميلة. إنها أفضل من كثيراتٍ غيرها كملكةٍ لتومِن. ملوك قبله تزوَّجوا من هن أسوأ.

حذَت رفيقات مارچري حذوها، أمَّا سرسي فانتظرَت حتى أخذَ الباقون أماكنهم كي تَدخُل وإلى جوارها تومِن، يُصاحِبهما السير أوزموند كِتلبلاك في دِرعه البيضاء المطليَّة بالمينا ومعطفه الصُّوف الأبيض.

- "... كانت تُضاجِع لانسل وأوزموند كِتلبلاك وربما فتى القمر أيضًا..".

رأى چايمي كِتلبلاك عاريًا في الحمَّام، ورأى الشَّعر الأسود على صدره وذلك الأشبه بالقَشِّ الخشن بين ساقيه، وتخيَّل ذلك الصَّدر مضغوطًا إلى صدر أخته وذلك الشَّعر يحكُّ جِلد ثدييها النَّاعم. ما كانت لتفعل شيئًا كهذا. العِفريت كاذب. الذَّهب المغزول والشَّعر الأسود مشتبكان، يتصبَّبان عرقًا، وفلقتا مؤخِّرة كِتلبلاك الضيِّقتان تنضمَّان كلَّما دفعَ نفسه في داخلها، ويسمع چايمي أنين أخته. لا، إنها كذبة.

بعينين محمرَّتين ووجهٍ ممتقع صعدَت سرسي الدَّرجات وركعَت إلى جوار أبيهما وسحبَت تومِن ليركع معها. تراجعَ الصَّبي لمرأى المنظر لكن أمَّه أطبقَت على معصمه قبل أن يبتعد، وهمسَت له "صَلِّ"، فحاولَ تومِن أن يُطيع الأمر، غير أنه مجرَّد طفلٍ في الثَّامنة، واللورد تايوين رُعب حقيقي. نفس يائس واحد من الهواء وأجهشَ الملك بالبُكاء. قالت سرسي "كُفَّ عن هذا!"، ودوَّر تومِن رأسه وانثنى على نفسه مفرغًا معدته، وسقطَ تاجه ليتدحرج على رُخام الأرض. تراجعَت أمُّه باشمئزاز، وفي غمضة عينٍ كان الملك يَركُض إلى الباب بأقصى سُرعةٍ تُتيحها له ساقاه ذاتا الأعوام الثَّمانية.

قال چايمي بحدَّةٍ بينما التفتَ كِتلبلاك ليُطارِد التَّاج "سير أوزموند، خُذ مكاني"، وناولَ الرَّجل سيفه الذَّهبي وهرعَ وراء مليكه. في (بهو القناديل) لحقَ به أمام أعيُن دستةٍ من السِّپتوات الجافلات، وقال تومن باكيًا "إنني آسف. سأبلي بلاءً أحسن غدًا. أمِّي تقول إن على الملك أن يُري النَّاس الطَّريق، لكن الرَّائحة قلبَت معدتي".

لن يَصلُح هذا. آذان مرهفة كثيرة وأعيُن تُراقِب. قال چايمي "الأفضل أن نَخرُج يا جلالة الملك"، وقادَ الصَّبي إلى الخارج حيث الهواء نظيف نقيٌّ قدر المستطاع في مدينةٍ كـ(كينجز لاندنج). رأى أربعين من ذوي المعاطف الذَّهبيَّة منتشرين في السَّاحة لحراسة الخيل والهوادج، فأخذَ الملك جانبًا على مسافةٍ لا بأس بها من الجميع، وأجلسَه على الدَّرجات الرُّخام، حيث قال الصَّبي بإصرار "لم أكن خائفًا، الرَّائحة قلبَت معدتي. ألم تقلب معدتك أيضًا؟ كيف تحتملها يا خالي الفارس؟".

لقد شممتُ يدي وهي تتعفَّن عندما جعلَني ڤارجو هوت أعلِّقها كقلادة. قال چايمي لابنه "الرَّجل يستطيع أن يحتمل أيَّ شيءٍ إذا لزمَ الأمر". لقد شممتُ رائحة شواء رجلٍ طهاه الملك إيرس في دِرعه. "العالم مليء بالأهوال يا تومِن، فإمَّا أن تُقاوِمها وإمَّا أن تَنظُر دون أن ترى... تنسحب داخل نفسك".

فكَّر تومن لحظةً، ثم قال بنبرة اعتراف "كنتُ... كنتُ أنسحبُ داخل نفسي أحيانًا عندما كان چوفي...".

- "چوفري". كانت سرسي واقفةً فوقهما والرِّيح تضرب ساقيها بتنُّورتها. "أخوك كان اسمه چوفري، وما كان ليُخزيني هكذا".

- "لم أقصد، لم أكن خائفًا يا أمِّي، لكن رائحة السيِّد والدك كانت سيِّئةً...".

قالت "هل تظنُّ أني شممتُ رائحةً أفضل؟ إن لي أنفًا أيضًا"، وأمسكَت أُذنه وسحبَته ليقف مضيفةً "اللورد تايرل له أنف. هل رأيته يتقيَّأ في السِّپت المقدَّس؟ هل رأيت الليدي مارچري تنوح كالرُّضَّع؟".

قامَ چايمي قائلًا "سرسي، كفى".

اشتعلَ الغضب على مُحيَّاها، وقالت "ماذا تفعل هنا أيها الفارس؟ لقد أقسمت أن تسهر على جثَّة أبينا حتى ينتهي التَّأبين على ما أذكرُ".

- "التَّأبين انتهى. اذهبي وانظُري إليه".

- "لا. سبعة أيام وسبع ليالٍ كما قلت. مؤكَّد أن حضرة القائد يعرف كيف يعدُّ إلى سبعة. خُذ عدد أصابعك وأضِف اثنين".

كان آخَرون قد بدأوا يتدفَّقون من الدَّاخل إلى السَّاحة هاربين من الرَّائحة الشَّنيعة، فقال لها چايمي محذِّرًا "سرسي، اخفضي صوتكِ، اللورد تايرل يقترب".

سبرَت كلماته غضبتها وسحبَت الملكة تومن إلى جانبها، وانحنى مايس تايرل أمامهما قائلًا "أرجو أن يكون جلالته بخير".

قالت سرسي "حُزن الملك غلبَه لا أكثر".

- "كما يغلبنا جميعًا. إذا كان هناك ما بإمكاني أن أفعله...".

بعيدًا بالأعلى، أطلقَ غُراب صرخةً مرتفعةً وهو جاثم على تمثال الملك بيلور ويتبرَّز على الرَّأس المقدَّس.

قال چايمي "هناك الكثير جدًّا بإمكانك أن تفعله من أجل تومِن يا سيِّدي. هلَّا شرَّفت جلالتها بتناوُل العَشاء معها بَعد صلوات المساء؟".

رمَته سرسي بنظرةٍ تُذبِل الزَّرع، لكنها تعقَّلت وحفظَت لسانها هذه المرَّة، في حين بدا تايرل مندهشًا، وقال "العَشاء؟ أظنُّ... بالطَّبع، سنتشرَّف بهذا أنا والسيِّدة زوجتي".

أجبرَت الملكة نفسها على الابتسام وردَّدت كلامًا فارغًا عن سرورها، لكن حين انصرفَ تايرل وصُرِفَ تومن مع السير أدام ماربراند التفتَت إلى چايمي ساخطةً، وقالت "أأنت سكران أم تَحلُم أيها الفارس؟ أخبِرني من فضلك، لماذا أتناولُ العَشاء مع هذا الأحمق الجشع وزوجته البلهاء؟"، وحرَّكت هبَّة ريحٍ شَعرها الذَّهبي وهي تُضيف "لن أعيِّنه يدًا إذا كان هذا ما...".

قاطعَها "أنتِ في حاجةٍ إلى تايرل، ولكن ليس هنا. سليه أن يستولي على (ستورمز إند) من أجل تومِن. أطري عليه وقولي له إنك تحتاجين إليه في الميدان بدلًا من أبي. مايس يتخيَّل نفسه مُحاربًا مغوارًا، فإمَّا يُسَلِّمكِ (ستورمز إند) وإمَّا يُفسد الأمر ويبدو كالحمقى. في الحالتين أنتِ الرَّابحة".

لاحَت أمارات التَّفكير على سرسي وهي تقول: "(ستورمز إند)؟ نعم، ولكن... اللورد تايرل جعلَ من الواضح تمامًا أنه لن يبرح (كينجز لاندنج) قبل أن يتزوَّج تومِن مارچري".

تنهَّد چايمي، ورَدَّ "دعيهما يتزوَّجان إذن. ستمضي سنوات قبل أن يكبر تومن ويستطيع إتمام الزِّيجة، وحتى ذلك الحين فإبطالها متاح دائمًا. أعطي تايرل زفافه وأرسِليه يلعب لُعبة الحرب".

زحفَت ابتسامة حذرة على وجه أخته، وغمغمَت "حتى الحصار له أخطاره، بل وربما يفقد سيِّد (هايجاردن) حياته في مغامرةٍ كتلك".

أيَّدها قائلًا "تلك المخاطرة واردة، خصوصًا إذا نفدَ صبره هذه المرَّة واختارَ اقتحام البوَّابة".

ثبَّتت سرسي عينيها عليه لحظات، ثم قالت "أتدري؟ للحظةٍ كنت تتكلَّم كأنك أبونا بالضَّبط".


لقراءة فصول أخرى من سلسلة صراع العروش، يمكنك زيارة صفحة المترجم هشام فهمي على المنصة.


[1] مُغثية: مثيرة للاصطراب والغثيان.

[2] نغول: أبناء مولودين بلا زواج رسمي بين أبويهما.

[3] في عالم الرِّواية ساعة الذِّئب هي الفترة الأشدُّ حلكةً من اللَّيل، تسبقها ساعة البومة وتأتي بَعدها ساعة العندليب، ثم الفَجر. (المترجم).

[4] في عالم الرواية منصب اليدوية (يد الملك) أقرب لمنصب رئيس الوزراء والمستشار الأول.