بثينة العيسى. الصورة: صفحة الكاتبة على فيسبوك

كيف يكتب اﻷدباء؟ المشرحة وملعب البيسبول وقبور القديسين كمصادر للوحي

مازلت أتذكر ذلك الشعور تحديدًا، لكأن شيئًا نزل يرفرف من السماء فأطبقت عليه يديّ بشدة.

- باولو ًكويللو

لا تبدو المشرحة مكانًا لطيفًا على اﻹطلاق، ولا تبعث داخل أغلب الناس إلا بمشاعر سلبية، كالحزن والخوف، ولكن أن تجد فيها طالبة طب اﻹلهام الذي يغير مسار فهذا غير مألوف.

على النقيض من التصورات الكلاسيكية للعثور على اﻹلهام على شواطئ المحيطات أو الحدائق، وغيرها من اﻷماكن الودودة، يجد البعض ضالتهم في أماكن غريبة، ووفق سيناريوهات غير مُخططة، تحول دفة حياتهم إلى اتجاهات لم يتوقعوها.

في ملعب البيسبول

في أبريل/ نيسان 1978 كان هاروكي موراكامي يتجه لملعب جينجو لمشاهدة المباراة الافتتاحية للدوري المحلي للبيسبول في اليابان بين "ياكوت سوالوز" و"هيروشيما كارب" وكان يشجع سوالوز، الذي كان فريقًا ضعيفًا وقتها، لكنه يذهب بعض الأوقات إلى الملعب للمشاهدة عوضًا عن المشي.

ورغم أنها المباراة الافتتاحية للموسم لكنّها لم تحظ بحضور جماهيري جمهور كبير، واكتفى الحضور بالجلوس خلف سور الملعب حيث لم يكن هناك مدرجات وقتها.

جلس موراكامي مسترخيًا على العُشب الأخضر، يحتسي البيرة ويشاهد المباراة في أجواء مثالية، حيث المنافسة حامية الوطيس، وفي لحظة من لحظات المباراة دوى صوت الكرة بعد اصطدامها بالمضرب، عندها ارتفع صوت التصفيق حوله، وقد كانت هي اللحظة.

هاروكي موراكامي. الصورة: صفحة الكاتب على فيسبوك

أستطيع تأليف رواية

كانت هي اللحظة الفارقة لدى موراكامي، وقت انفجار الجمهور بالتصفيق لتلك اللعبة الجميلة، واختارت الفكرة موراكامي مثلما تختار ممثليها رفيعي المستوى دائمًا.

"في تلك اللحظة ومن دون أي سبب خطرت لي الفكرة فجأة، أعتقد أنني أستطيع تأليف رواية".

مازلت أتذكر ذلك الشعور تحديدًا، لكأن شيئًا نزل يرفرف من السماء فأطبقت عليه يديّ بشدة، دون أن أملك أدنى فكرة عن السبب الذي يجعله يسقط في متناول يديّ، وهو مالم أجد له جوابًا وقتها ومازلت كذلك حتى الآن وأيّا كان السبب، فذلك هو ما حدث وهو شئ مثل الوحي ولعل كلمة تجل هل اللفظ الأقرب للحقيقة، كل ما يمكنني قوله هو أن حياتي تغيرت جذريّا وبشكل دائم في تلك اللحظة بعد تلك الضربة الجميلة الدائرية والمزدوجة في ملعب جينجو".

بعد المباراة مباشرة اتجه موراكامي بالقطار إلى شينجوكو، واشترى رزمة من الورق وقلم حبر، ومن وقتها بدأت الرحلة الحقيقية نحو الكتابة، نحو حياة جديدة.

"كان الإحساس بالكتابة شعورًا جديدًا كليَا بالنسبة لي، مازلت أتذكر كيف كنت أكتب بسعادة غامرة، ومن ذلك اليوم صرت أجلس كل ليلة حينما أعود متأخرًا من العمل إلى طاولة المطبخ وأستغرق في الكتابة، وعلى مدار الأشهر الستة الموالية كنت قد كتبت "أسمع الريح تغني"، لقد أنهيت المسودة الأولى مع نهاية موسم البيسبول، ولقد خالف ياكوت سوالوز توقعات الجميع، وفاز بلقب الدوري المحلي لهذا العام.

في المشرحة

"قررتُ أن أستعيد دوافعي في تلك الأيام، لم أكن أعرفُ بأن ما كنتُ أحاول فعله هو استعارة دوافع الآخرين، للاستمرار في طريقٍ قرروه من أجلي، وكانت الفكرة الوحيدة التي بدت لي معقولة وقتها هي أن أزور المشرحة، وأجلس بين الجثث، لكي أجد في داخلي ذلك الصوت الذي يناديني لكي أنقذ البشرية من الأمراض، وهكذا كنتُ جالسةً بين جثث مشتراة من أوروبا الشرقية، لأشخاصٍ فقراء، اضطر أهلهم إلى بيعِ جثامينهم لكليات الطب من أجل قليل من الدولارات.

كانت هناك جثة لامرأة، وبدت لي جميلة جدًا عندما كانت حية كانت لها يدٌ رقيقة، وأصابع طويلة وناعمة. كنتُ أنظر إليها مليًا وأنا أتساءل؛ لماذا لا أشعر بأنني موجودة في المكان الصحيح، كما يقول الجميع؟

أعرفها لكن لا أحبها

كانت لحظة اﻹلهام للكاتبة بثينة العيسى، لحظة لامعة ومثالية في منتصف الطريق، وفي أحد أكثر الأماكن دراماتيكية؛ في المشرحة، حيث وقفت على الحد الفاصل بين حياة مبهجة وثرية، وأخرى تحمل ثنائية الموت في طياتها؛ الملل والبيروقراطية الكئيبة.

كنت أشعر بقلبي ينقبضُ في كل مرة أضع فيها إصبعي على جهاز الحضور والانصراف.

- بثينة العيسى

"حصلتُ على شهادة البكالوريوس في تخصص التمويل، درستُ الماجستير في إدارة الأعمال أيضًا، لأن عالم الوظيفة الحكومية كان يجبرني على لعب "السوليتير" لست ساعاتٍ في اليوم، إضافة إلى ما تعرفونه من عوالم النميمة، والأحاديث الصغيرة التي لا تأخذنا إلى أي مكان، شيء لا يشبه الكتب، حيث كل سطرٍ يأخذك إلى مكان ما، ولكن كان الواقع يطبق قبضتهُ عليّ".

وعن الوظيفة الحكومية قاتلة اﻹبداع تقول "كنت أشعر بقلبي ينقبضُ في كل مرة أضع فيها إصبعي على جهاز الحضور والانصراف، وطوال ثماني سنوات، كنت أفعلُ أشياءً لا أحبها؛ تقارير إدارية، لجان وفرق عمل، تحليلات السيولة ونسبة الأصول والفائض والعجز، التحول من محاسبة النظام النقدي إلى نظام الاستحقاق، أشياء أعرفها، أجيدها، ولكنني لا أحبها، لقد استغرقني الأمر ستة عشر عامًا لكي أعترفَ بما أريد فعله في حياتي. أن أقرأ الأدب، وأكتبه، لا أكثر، ولا أقل".

دودة كتب

لقد كانت بثينة "دودة كتب" طبقًا لتعبيرها الشخصي، وبالتالي لم تجد أي صعوبة في تحصيل الدرجات، والحصول على التقييمات المرتفعة يجعل المرء يسلك مسلك دراسة العلوم الطبيعية والرياضيات؛ لأن الآداب والعلوم الإنسانية للكسالي الذين لا يريدون تحصيل الدرجات وبذل الكثير من المجهودات؛ تلك نظرة المجتمع، وهكذا سارت الأمور، ولازالت حتى الآن في أغلب البلدان العربية.

في المرحلة الثانوية وأثناء مقابلتها مع موجهة التخصص، وبعد الاطلاع على درجاتها الرائعة؛ قررت الموجهة بالنيابة عنها دراسة العلوم والرياضيات.

"فكرتُ وقتها؛ من أنا لكي أتحدى النظام"؟ تقول بثينة "النظام يعرف مصلحتي أكثر مني، لابد وأنني بارعة في الرياضيات والعلوم حتى ولو كان قلبي يدق فرحًا في ساعة التعبير في حصة اللغة العربية".

لكنها بعد سنوات من دراسة الطب اكتشفت أن النظام كان على خطأ.

أنت تنتمين لهذا المكان

"افتعلتُ مشكلة في ذلك اليوم، وطلب مني مدرس اللغة الإنجليزية الأستاذ هيوبر أن آخذ جولةً في الكلية لأنني كنت مصدر إزعاج، لقد أصبحتُ فجأة العنصر المشاغب في الفصل، عندما خرجتُ من الفصل تنفّستُ الصعداء، وعرفتُ بأنني كنت أختنق لمدةٍ طويلة، ولكنني قلتُ لنفسي؛ تمالكي نفسكِ. يجب أن تعثري على الدافع للاستمرار، فأنتِ لستِ من الصنف الذي يستسلم. أنتِ تنتمين إلى هذا المكان، والكل يقول ذلك".

هنا جاءت لحظة نادرة في حياة الفرد، لحظة حقيقية وصادمة. إنها اللحظة التي اختار فيها القدر بثينة العيسى لتحقيق فكرته، بثينة التي ظلت حبيسة كلية الطب لسنوات، تحفظ أسماء المفاصل والغضاريف والغدد والهرمونات، بينما يدور عقلها في فلك آخر، يبحث عن حياة أخرى، عن طريق آخر بعيدًا عن لعبة الحياة والموت.

طريق بعيد كل البعد عن النظرية والمرض والتشخيص، طريق يتيح للخيال الذهاب والإياب يوميًا في رحلات مجانية، طريق للفكر ومحاولات حثيثة لتغيير العالم وصناعة تأثير حقيقي يذهب لأبعد من السطح، ينغرس تحت الجلد ولكن بدون الذهاب لغرف التخدير.

غلاف كتاب "كبرت ونسيت أن أنسى" لبثينة العيسى

القراءة في الخفاء

خرجت بثينة من كلية الطب بلا عودة، درست إدارة الأعمال حيث بدت لها منطقة وسط دافئة بين العلوم والآداب.

"كان في وسعي أن أجلس في الصف الأخير من الفصل وأقرأ الروايات التي أحبها، وأحافظ في الوقت نفسه على معدّلٍ دراسي ممتاز، لقد درستُ إدارة الأعمال، لكي أقرأ الروايات في الخفاء، وأحافظ على ماء وجهي".

ورغم نجاحها في دراسة الأعمال إلا أنها لم تزل تسمع ذلك الصوت الذي هبط عليها بكلية الطب، حتى قررت أخيرًا أن تنصاع إلى الأمر بحسم، وبعد سنوات طويلة من التفكير قطعت كل الشكوك بمشرط دقيق كطبيبة، لم تزل تتذكر الأيام الخوالي في تلك المشرحة.

"استقلتُ من عملي، أسّستُ مشروع تكوين، كبرت تكوين؛ صارت مكتبة، ودار نشر، ومنصة حوارية، إنني أقضي ساعات يومي كلها بين الكتب. أقرأ الكتب، أكتب الكتب، أتحدث عن الكتب وأبيع الكتب، بعد ستة عشر عامًا، حصلتُ على وظيفة أحلامي، ولكنني أعتقدُ بأن كل شيء بدأ من ظهيرة ذلك اليوم، عندما طردني المدرس من الفصل، وجلستُ بين الجثث في المشرحة.

في ذلك اليوم، ولأول مرة، قررتُ أن أنصت إلى صوتي الداخلي، وأقول لا لإملاءات الآخرين، مهما بدت مُحبة وناصحة".

عودة الفضول

"كنت في التاسعة والثلاثين، كانت قد حدثت الكثير من الأمور والكثير من الحماقات كنت قد ارتكبتها في حياتي، زوجتي المرأة التي لا أسميها؛ تلك التي عُذبت معي من قِبل الأمن العسكري والتي كنت معها في ذلك الوقت، تركتني، زواجي الثالث من سيسليا كان قد انتهي أيضًا، إلى أن تزوجت كريستينا في العام 1979 ثم أقصيت من عملي في بوليجرام (شركة تسجيلات)، لكن لم يكن لدي مشاكل مالية... بدأت أشعر بالفضول ثانيةً تجاه الشيء الذي أبعدت نفسي عنه كليًا خلال الفترة التي كانت خارج السيطرة من حياتي... الترحال". هكذا يصف الروائي البرازيلي باولو ًكويللو كيف تغيرت حياته بعد إقصاءه من عمله.

باولو كويليو. الصورة: صفحة الكاتب على فيسبوك

أكثر الحجاج حظًا

في العام 1986 ذهب ًكويللو في رحلة حج إلى سانتياجو في إسبانيا، امتدت لشهرين سيرًا على الأقدام، وجعلت منه شخصًا آخر، وكأن تغيير اقتلعه من جذوره، ومن الهيبية وحياة اللهو والعبث إلى رحلة نورانية حركت الماء الراكد ليس بحجر بل بما يشبه المفاعل النووي، ومن كتابه الأول "أرشيف الجحيم" الذي لم يلق نجاحا يذكر إلى الخيميائي التي كتبها بعد رحلة الحج بعامٍ واحد واستغرق كتابتها أسبوعين فقط لتجعل منه أكثر الكتاب شهرة على وجه البسيطة.

عندما تريد شيئًا ما، فإن الكون بأسره يتضافر ليوفر لك تحقيق رغبتك.

- من رواية الخيميائي

واحدة من أشهر اقتباسات "الخيميائي" وأصدقها لدى ًكويللو هي "عندما تريد شيئًا ما، فإن الكون بأسره يتضافر ليوفر لك تحقيق رغبتك"، فقد شهدت حياته كل التقلبات العنيفة التي تصنع تجربة حياة مختلفة، وكتابة ثرية مليئة بالحكمة، فالتجربة دائمًا ما تُثري الكتابة بشكل رائع، ولحظة إلهام باولو ًكويللو كانت مهيبة حتى لو كانت كلاسيكية أكثر من نهايات الأفلام القديمة؛ حيث البطل الغارق في الملذات الذي يقرر في لحظة أن يتوب ويسير في الطريق الصحيح ويبتعد عن اللهو والعبث والمجون.

ورغم أن ًكويللو لم يقرر هذا الأمر بهذه الكيفية لكن روحه كانت تهيم وتبحث عن الحقيقة والخلاص، وهو ما حدث في رحلة الحج إلى سانتياغو، وفي تلك الأثناء أصبح باولو كويلو رجل آخر، كاتب آخر، بنجاح استنثائي وفريد فاق أباطرة الكتابة في أمريكا الجنوبية، والفضل كل الفضل لرحلة الحاج وللخيميائي التي سارت به نحو مجد لم يكن في الحسبان.

وكتب ًكويللو في العام 1987 أول كتبه "الحاج"، الذي يحكي تجربته أثناء رحلة الحج واكتشافه أن المدهش والخارق للعادة يحدث يوميًا في حياة البشر العاديين، وكتب في 1988 رواية "الخيميائي" التي حققت مبيعات قياسية في البرازيل، وترجمت إلى عدة لغات وطبعت في أكثر من 150 دولة.


المراجع:

  • كتاب "حياة الكتابة" ترجمة عبد الله الزماي
  • كتاب "اعترافات مسافر حاج" لجون إيرياس" ترجمة عز الدين محمود
  • مقدمة "مكتوب أن تتخيل قصة جديدة لحياتك" للمترجم طلعت الشايب
  • ما لا تعرفه عن باولو ًكويللو