دولارات أمريكية. صورة مفتوحة المصدر- unsplash.com

خروقات في ثوب الإخوان: اتهامات بالاختلاس وتصفية الحسابات بالمال

أخبرنا بعض الإخوان أن الدكتور محمود حسين، والأستاذ محمد البحيري كتبا تنازلًا عما سُجل باسميهما من شقق، ورفض محمود الإبياري التنازل مثل أخويه.
- عصام تليمة، عضو مجلس شورى الجماعة

إلى اسطنبول.. هكذا أختار "ص. س" الشاب الإخواني الصغير وجهته بعد أن علم بصدور حكم قضائي ضده، قد يكلفه أن يقضي فترة شبابه بالكامل داخل السجون، لاسيما وأن عمره لم يكن تجاوز الست عشرة سنة وقتها، كان ينتظر أن يحصل على الدعم اللازم من القيادة بالخارج، إلا أنه فوجئ بأن الوظيفة التي وفروها له هي عامل بوفيه بإحدى الفضائيات التي تُبث من هناك براتب 200 دولار شهريًا (حوالي 1200 ليرة تركية).

رغم أن طموحه يتجاوز هذه المهنة لكنه اعتبرها محطة في الحياة ستمكنه من بلوغ أهدافه، خاصة أن البديل هو أن يجلس في المنزل وينتظر إعانة مالية قد تأتي مرة كل عدة أشهر.

200 دولار لا أكثر

في أشهر قليلة تعلم اللغة التركية، واستفاد من قرارات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمنح مجانية التعليم للطلاب اللاجئين من مصر وسوريا، فحصل على الثانوية العامة التركية بمجموع مرتفع، مكنّه من الالتحاق بكلية الهندسة، تلقائيًا ذهب إلى قيادة الاخوان مرة أخرى، حيث طلب رفع راتبه، أو التكفل بمصروفات دراسته في الجامعة، لكن جاءه الرد قاطعًا "200 دولار لا أكثر"، فلم يلتحق بالجامعة الا بعد عامين من انتهاء دراسته الثانوية بمساعدة بعض فعال الخير.

هذه القصة وغيرها التي تكشف الصعوبات التي تواجه اﻹخوان في الداخل والخارج بعد عزل الرئيس اﻷسبق محمد مرسي عن السلطة في يوليو/ تموز 2013 كانت هي الخلفية المصاحبة للتسريب الذي تطاير عبر شبكات التواصل الاجتماعي، للقيادي أمير بسام وهو يتهم الأمين العام للجماعة، محمود حسين، بالاستيلاء على تبرعات مالية مقدمة للجماعة تقدر بأكثرمن 2 مليون دولار.

هذا التسريب هو في حقيقة الأمر توثيق صوتي لأزمة أثيرت نهاية عام 2015، بنفس الاتهامات، وكان أمير بسام أيضًا أحد أبطالها، حيث وثق هذه الاتهامات في مجموعة مقالات حملت عنوان "شهادتي"، ووقتها كان السجال حول صحة الاتهامات من عدمها في مجمله أمر إخواني داخلي، بين الفريقين المتنازعين على قيادة الجماعة (جبهة محمود عزت وجبهة محمد كمال).


التسريب الصوتي أعاد إحياء القضية ومنحها دويًا هائلا، وخرج بها من الإطار الإخواني الداخلي إلى أن الشأن العام، ليس فقط لأن صوت أمير بسام وانفعالاته حملت دلالات قوية، لكن أيضًا لأن الأنظمة الحاكمة في أكثر من دولة عربية كانت قد ضاقت ذرعًا خلال السنوات اﻷربع الماضية، بالهجوم الضاري الذي تمارسه الآلة الإعلامية للإخوان ضدها، فوجدت في هذا التسريب مادة دسمة لفضح الجماعة، في حين كانت نفس الأخبار عن الاختلاسات المالية للجماعة في 2015 هي مجرد مادة تُنشر في الصحف والمواقع، مثل أي مادة صحفية أخرى.

روايات مختلفة

أصدرت جبهة محمود حسين الأمين العام للجماعة، وأحد المتهمين باختلاس أموال التبرعات، ومعه محمد البحيري، والأمين العام المساعد للتنظيم الدولي للإخوان في لندن، محمود الابياري، بيانًا رسميًا قالت فيه إنه تم تشكيل لجنة من أعضاء مجلس شورى الإخوان في تركيا انتهت إلى أن "رسائل (مقالات) أمير بسام، الأولى والثانية وأيضا الثالثة تحت عنوان "شهادتي"، مليئة باتهامات خطيرة ومتنوعة، تطعن في العدالة وتقدح في الذمة وتُسقط المروءة".

وإنها "احتوت على نقد شديد وجارح لكثير من رموز وكيانات الجماعة، دون تقديم أية أدلة أو براهين أو بيانات أو إثباتات على ادعاءاته ونقده واتهاماته، كما أن بعضا من المعلومات التي وردت في هذه الرسائل معلوم أنها إما غير صحيحة أومكذوبة أوغير متيقن منها".

وأوصت اللجنة مؤسسات الجماعة المختصة، باتخاذ إجراءات حازمة وصارمة لمنع تكرار مثل هذا الأمر واجتثاث أسبابه، وأشارت إلى أن جل الموضوعات التي أثارها بسّام، رد عليها أصحاب الشأن بما يخالف قوله ولم يقدم الدكتور أمير أدلة على ادعاءاته من وثائق أو شهود أو غير ذلك، وأنه تم الاتفاق مع أمير بسام على تقديم اعتذار رسمي لكنه لم يلتزم بهذا الاتفاق، حسبما ورد في البيان.

تحقيق في تركيا

في المقابل قدم عصام تليمة، أحد قيادات الجماعة في اسطنبول، وعضو مجلس شورى الجماعة، أثناء إثارة الأزمة للمرة اﻷولى، رواية مناقضة تمامًا لما وردت في بيان الجماعة، حيث قال إن 10 من أعضاء مجلس شورى الإخوان في تركيا قدموا استجوابًا، حول المعلومات عن اتهام محمود حسين باختلاس أموال التبرعات، وأن المجلس انتهى إلى 4 قرارات هي؛ أن "التبرع هو ملك خاص لجماعة الإخوان المسلمين ولايصح نسبته لأفراد، وليس من سلوك القيادات في الجماعة تلقي تبرعات وكتابتها باسمها، إلا على سبيل عدم وجود ما تسجل باسمها، ولذا يضطر الإخوان لكتابة ذلك باسم بعض الأفراد".

وتابع؛ "أخبرنا بعض الإخوان أن الدكتور محمود حسين، والأستاذ محمد البحيري كتبا تنازلًا عما سُجل باسميهما من شقق، ورفض محمود الإبياري التنازل، أو كتابته مثل أخويه".

وأضاف؛ "بناءً عليه وإنهاء للموضوع بشكل مؤسسي، يتقدم المجلس بتثمين ما قام به حسين والبحيري، ودعوة الإبياري ليحذو حذوهما، وأن يستمر المجلس في متابعة إنهاء الأمر بشكل قانوني، ووضع لائحة تنظم الأموال التي تخص الجماعة بشكل يحفظ حقوقها، ولا يعرض أشخاص منها للنيل من سمعتها في الدنيا، ولحساب الله يوم القيامة".

المقارنة بين الروايتين تشير إلى أن رواية عصام تليمة حملت كثيرًا من التفاصيل، بالاضافة إلى أن عضوًا آخر بمجلس شورى الإخوان بتركيا في نفس الفترة، وهو وصفي أبو زيد، علَّق على هذه الرواية قائلا "أشهد على دقة هذا الكلام وصحته حرفًا حرفًا".

المال هو عماد الدعوات وسندها، ولا تبقى دعوة دون أن يضحي قادتها وجنودها بأموالهم في سبيلها.
- حسن البنا، مؤسسس جماعة اﻹخوان

أداة الثواب والعقاب

في سبتمبر 2016 أصدر المكتب الإداري للإخوان بالإسكندرية بيانًا، أعلن فيه أن جبهة محمود عزت، القائم بأعمال المرشد العام للجماعة، قررت حرمان الإسكندرية من حصتها من الدعم المالي للشهر الثاني على التوالي، استمرارًا في عقاب الإخوان بالإسكندرية، على إجرائهم انتخابات قاعدية شاملة، على عكس رغبة جبهة محمود عزت، وانتهت نتائج الانتخابات وقتها بسيطرة رجال محمد كمال، الذي لقى مصرعه بعدها بأيام أثناء مواجهات مع قوات الأمن، بحسب وزارة الداخلية.

مثّل هذا البيان أول إعلان رسمي من هيئة إدارية داخل جماعة الإخوان، بأن المال أصبح يستخدم كسلاح لتصفية الحسابات داخل الإخوان، وكان الصراع على أشده حول الطرف الذي ستؤول اليه قيادة الجماعة، واتخذ عناوين مختلفة منها إزاحة جبهة محمود عزت عن إدارة الجماعة، ومنها أيضًا؛ السلمية التي تتبناها جبهة محمود عزت، في مواجهة العنف الذي يتبناه معارضوه والذين كان محمد كمال أبرزهم.

مصدر مقرّب من جبهة محمود حسين قال وقتها إن سبب حرمان بعض المكاتب الإدارية من نصيبها في التبرعات المالية، يرجع إلى أن هذه المكاتب لم تلتزم بقرار وقف أعمال العنف التي سميت وقتها داخل الصف الاخوانى بـ"الأعمال النوعية"، واستخدمت أموال التبرعات لتمويل هذه الأعمال، وأن جبهة محمود حسين لديها تخوف من ان ادراج الجماعة كمنظمة ارهابية في عدد كبير من الدول سيفرض قيودا على حركة قيادات الجماعة، والتدفقات المالية التي تصل إليها، فرأت أن الحل الاسلم هو وقف التبرعات المالية حتى لا تستخدم في تمويل النشاطات التخريبية.

تاريخ طويل من الأزمات المالية

في كتابه "أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين" ينقل جمعة أمين عبد العزيز أحد المؤرخين الرسميين للجماعة، عن مؤسس الجماعة حسن البنا قوله "المال هو عماد الدعوات وسندها، ولا تبقى دعوة دون أن يضحي قادتها وجنودها بأموالهم في سبيلها".

وللدقة فإن تاريخ الأزمات المالية والنزاع حول التبرعات المالية داخل الإخوان عمره من عمر الجماعة نفسها، والأمثلة كثيرة، بداية من تشكيك أحمد السكري في ذمة صديقه حسن البنا بعد أن شاركه في تأسيس الجماعة، حيث كان هو أول من أشار الى قبول البنا بالحصول على تبرعات من الإنجليز خلال فترة الحرب العالمية الثانية.

واللافت أن غياب الشفافية حول مصير التبرعات، ومصادرها، ومصادر إنفاقها هو السبب الرئيسي في كل أزمة أثيرت حول أموال الإخوان، لاسيما وأن بعض الأنشطة الاقتصادية المملوكة لأثرياء الجماعة كانت تُصادر أمنيًا، ويواجه مالكها اتهامات بغسيل أموال الجماعة، وهو ما حدث مع خيرت الشاطر، نائب المرشد العام والرجل القوي داخل الجماعة أكثر من مرة في عهد مبارك.

وقال ثروت الخرباوي، أحد المنشقين عن الجماعة، في تصريحات سابقة إن المرشد الأسبق، مصطفى مشهور، طلب من خيرت الشاطر وحسن مالك استثمار أموال الجماعة داخل مصر.

المنتمون للجماعة يشعرون أن هناك تفاوتًا طبقيًا غير مبرر، ولا مفهوم بين قيادات غنية تلعب بالفلوس، وبين إخوان فقراء لا يجدون ثمن الفول والطعمية.
- السيد المليجي عضو مجلس شورى الجماعة السابق

هذه الاتهامات التي وردت على لسان منشقين عن الجماعة دعمتها بعض الأحداث، منها ماجرى قبيل ثورة يناير بشهور قليلة، حين تداولت الجماعة أنباءً عن أزمة عنيفة حدثت داخل السجن، بين حسن مالك وخيرت الشاطر، اللذان كانا يواجهان سويًا عقوبة السجن في القضية التي عُرفت إعلاميًا باسم "مليشيات جامعة الازهر"، بسبب تخارجهم ماليًا من بعض الأنشطة الاقتصادية المشتركة، وصل الخلاف إلى أن طلب حسن مالك من إدارة السجن نقله في زنزانة بعيدًا عن خيرت الشاطر. وقالت مصادر من أسر المحبوسين وقتها إن الخلاف كان حول حصة كل منهما في أموال الجماعة.

الخيط المهم في هذه القضية هو التفاوت الطبقي الذي تُحدثه أموال التبرعات داخل الجماعة، وقد أثار هذه القضية عضو مجلس شورى الجماعة السابق، السيد عبد الستار المليجي، في رسالة وجهها لمكتب الإرشاد حيث قال "لن يكون مقبولًا أبدًا في حق الدعاة إلى الله، لن يقبل مجتمع مصر، وغالبيته من الفقراء، أن ينقاد دعويًا لقيادات أرستقراطية، وكانزة للمال على هذا النحو. المنتمون للجماعة يشعرون أن هناك تفاوتًا طبقيًا غير مبرر، ولا مفهوم بين قيادات غنية تلعب بالفلوس، وبين إخوان فقراء لا يجدون ثمن الفول والطعمية، ويموت أطفالهم مرضًا لأنهم لا يجدون ثمن الدواء، لا يجوز أن نضع أنفسنا في الرمل غير عابئين بالأثر السلبي لهذه المتناقضات، والخروقات التي تلطخ ثوب دعوتنا".

هذا التفاوت الطبقي كان سببًا في هذه الواقعة التي حدثت في اسطنبول لثلاثة من طلاب الجماعة، كما يرويها أحد أبطالها للمنصة، حيث يقول إنهم ذهبوا إلى القيادي "م. ع" الذي تضخمت ثرواته بشكل مبالغ فيه بعد الهروب من مصر، وطلبوا مساعدتهم مالية والتكفل بنفقات دراستهم الجامعية، فوافق على مضض، لكنه طلب منهم في المقابل تنظيف فيلته أسبوعيًا.