حسام مؤنس.. سيف وونس

"ياللي سهرتي الليالي يونسك صوتي.. متونسة بحس مين يا مصر في غيابي؟"يغني طيف النديم بصوت الحجار وكلمات الأبنودي وألحان الشريعي بينما يتوالى ظهور اسم حسام مؤنس على التايم لاين أمامي على فيسبوك.

ضحكتُ للوهلة الأولى، وتحولت الضحكة إلى إعجاب بإشارات الله المبهجة التي لا يتوقف عن إرسالها مع كل محنة، أو هكذا أعتقد.

فبداية اكتشفت أن لهذا الصديق العزيز ، كأي كائن حي، كم من الصور الجيدة على عكس ما كنت أعتقد عندما سألته تغيير تلك الصورة الوحيدة المكررة في كل المقالات المنشورة على أي من المنصات الإعلامية التي عملت بها.

حبسه كان فرصة لإظهار صور مختبئة، وكذلك مشاعر وتقييمات، لم تكن مختبئة، ولكنها كانت سارية في هدوء كطبيعة كل حالٍ مستقر ثم وحين جاء الخبر المُر، بزغت كشمس النهار من البحر.

إنهم يحبون حسام مؤنس، على إختلاف مواقعهم وأعمارهم وانتماءاتهم جميعهم يدركون قيمته ودوره وما هو مؤهل له في مستقبله.

جميعهم، وليسوا وحدهم، بل كذلك أعداؤه وأعداؤهم، أعداء الثورة، إنهم يدركون منذ اللحظة الأولى لتهشيم باب منزله ووضع القيد في معصمه، ثم وهم عليه يلقون عليه أجمل الاتهامات: الأمل، يعلمون أنه من رجاله، يراهنون على وأده داخله، وأوقن أنهم لن يستطيعوا ذلك.

فكيف لا يكون هناك قصدٍ من كل تلك الإشارات المبهجة، رغم الألم والحزن؟.

ولكن هل جميعكم تعرفون عن حق هذا القائد الشاب، حسام؟

إبن الـ 2000

نحن أبناء نفس الجيل، نادته هتافات انتفاضة الأقصى في جامعة المنصورة كما نادتني بجامعة القاهرة وامتدت حتى كان النزول الأول لميدان التحرير في يوم القصف الأمريكي لبغداد 21 مارس 2003. لم أعرفه آنذاك، عرفته بعدها بـ 13 عامًا.

كانت المرة الأولى للقاء مايو 2013 في مؤتمر تأسيس جبهة 30 يونيو للدعوة لخروج مظاهرات ضد حكم الإخوان المسلمين وتنادي بانتخابات رئاسية مبكرة، تعرفنا في السنوات الصعبة لكنها كانت كفيلة لكي أعرف الملامح الأوضح عن ما كان قبلها، وعن ما ترتب عليها.

حسام هو حفيد قيادي ناصري شهير بمحافظته هو فتحي المغربي، جده لأمه، ومعه تلمس خطواته الأولى في السياسة والصحافة. زار مركز صاعد للنشر والإعلام قبيل دخوله الجامعة، كان شارع أمين سامي بالقاهرة بالنسبة له وعلى رأسه مدير المركز وزعيم التيار حمدين صباحي فكرة يصبو نحوها بقوة خالقة لا تابعة.

وعليه كان انضمامه لنادي الفكر الناصري بالجامعة، أمرًا طبيعيًا. ومشاركته في إصدار مجلة جامعية تعرف خلالها على حبيبته وشريكة حياته فيما بعد، أمرً طبيعيً. ومشاركته في تأسيس جريدة الكرامة 2005 رغم تخرجه من كلية التجارة وبدء عمله المبكر محاسبًا بأحد البنوك، أيضًا أمر طبيعيًا.

خالق لا تابع

وما هو أكثر طبيعية ودال بالنسبة لي، هو مقال مؤنس الذي كتبه ردًا على إحدى مقالات حمدين صباحي على صفحات الجريدة، كان بعنوان "رفض التوريث لمبارك الابن لا يعني القبول بمبارك الأب"، ونوّه صباحي عن المقال المنشورفي يونيو 2009 "حسام مؤنس من قيادات الكرامة الشابة يصحح موقفي الذي عبرت عنه في مقالي الأخير".

قرأت ذلك قبل عام واحد أثناء مشاركتي في ترتيب مقالات "صباحي" في كتاب اختار "مؤنس" لكي يكتب مقدمته وعنوانه "سيدنا الشعب"، لفت نظري تذكره واهتمامه بضم رد حسام عليه ثم تفهمت حين عثرت في أوراق "صباحي" الخاصة على خطاب من "مؤنس" عام 2001، كان من الواضح فيه أن علاقتهما لم تكن قوية بالحد الكافي بعد، لكن كان به بعض السطور التي دعت صباحي للاحتفاظ به منذ ذلك الوقت، كانت مشاعر غاضبة محافظة تتناول حدثًا عابرًا ما وتقول ما معناه "كيف يرقص هؤلاء، بينما يعاني أولئك تحت وطأة الوجع في نفس اليوم؟".

نضج مؤنس كثيرًا منذ هذا اليوم، أدرك أنه ليس باستطاعة "الجميع" التعاطي بنفس الدرجة مع أوجاع "الجميع"، وأن الـ"بعض"، فقط البعض، هم من يرون بلا غضاضة ودون منّ على أحد، أن عليهم دومًا محاولة إنجاز الأمر.


وأمر محدد هو ما شغل مؤنس منذ بزغ تكوينه السياسي وهو تمكين الناس من حريتها فيختارون ما يرتأون. الحرية أولًا وأخيرًا. الحرية هي المدخل الوحيد الصحيح لإرساء كل معاني الاستقلال والتحرر والعدالة والديمقراطية. آمن مؤنس مبكرًا أن "لا ثوابت دون حرية".

أكتب هذا الآن، وأنا أحاول أن أتذكر الانطباع الذي تكون لدي عن حسام حين عرفته كـ "فاعل عام"، بصفته مدير حملة صباحي الرئاسية في 2012. رأيت فيه تركيبة تشبه كل أبناء التيار القومي المنصهرين في تجربة حمدين، إذا صح التعبير. يجمع بين ملامح القديم والجديد ثم تفوق في القدرة على الانتقال مضمونًا/ أسلوبًا نحو الأحدث والأجمل والأكثر اتساعًا وتفاهمًا وانسجامًا مع الجميع.

غالباً لم ألمح قبل ذلك سمة رئيسية مميزة علقت بالذاكرة منذ اللحظة الأولى، لم ألمحه من قبل يصدح بهتاف مميز وسط المظاهرات، لم يعط تصريحات نارية لقناة الجزيرة في الميدان تحولت فيما بعد لحكمة مبتذلة. خلال ترأسه لحملة صباحي الرئاسية كان الصوت الأهم بالطبع هو صوت المرشح بكل ألقه ثم حين خبى وهج اللحظة الأجمل اكتمل السؤال "كيف تشكًلت هذه الحملة عفية الروح، واضحة الرؤية، ذات الوعي الرقيق بقيمة المشاعر والمعنى، في هذا الوقت القليل والامكانات المادية المحدودة؟.

عندها عدت للبحث على جوجل عن اسم مؤنس، ووضعت استنتاجًا منطقيًا هو أن هؤلاء الشباب وفي مقدمتهم حسام هم من صنعوا الفارق المبهر، وعبر الأيام ربطت ذلك بمعلومتين فارقتين، الأولى دور هذه المجموعة الشابة التي كانت تنتمي أغلبها لحزب الكرامة في إطلاق الفكرة المميزة "حملة صباحي رئيسًا للجمهورية 2010" والتي جاءت بدورها بعد إنسحابه في مشهد قوي مؤثر من استكمال الانتخابات التشريعية اعتراضًا على التزوير. المعلومة الثانية كيف شاركت هذه المجموعة وفي القلب منها "مؤنس" باقي المجموعات السياسية الشابة في التحضير للتظاهر يوم الخامس والعشرين من يناير 2011، يوم ثورتنا، ومن بعده تشكيل إئتلاف شباب الثورة، بكل ما له وما عليه.

هكذا كانت رحلة النضوج الأولى، عشرينات هذا الشاب التي بدأت من جامعة المنصورة وانتهت بميدان "عابدين" ليعلن ومن معه، وعقب نتيجة الانتخابات، تأسيس "التيار الشعبي"، هذا الكيان السياسي الذي يحتاج أن تًفرد له السطور تحت عنوان آخر.

حلم الثورة.. وعد القادمين

مع تأسيس التيار الشعبي أخذ لمعان هذا السيف في الانكشاف. خرج "حسام" من خلف الستار، وما كان يملك أن يخبئ وهجه، إنها سنوات الانطلاق للجميع. قيادات شابة واعدة هنا وهناك، حراك ثوري يفرض كلمته، وأحلام تحاول ألا تكون عابرة.

كان الملمح الأشد تميزًا هو دوره في تشكيل مجلس أمناء التيار يكون شابًا متنوعًا، استطاع أن يشارك بقوة في قيادة الحراك خلال حكم الإخوان حتى الوصول إلى مظاهرات 30 يونيو 2013.

شهد له رفاق جيله بمهارته وموهبته في خلق حالة حقيقية من "التوافق"، من الانخراط الكامل لكن هذا جميعه لم يكن كافيًا ليصمد المشروع والأشخاص أمام هذه اللحظة الصعبة التي بدأت مع طلب التفويض في يوليو 2013، وكل ما تلاها من لحظات محمومة حاسمة، بدأت ولم تنته حتى الآن.

حاصر حصارك.. بالأمل

كانت اللحظة صعبة وعاصرة، امتد تلاطم أمواجها العفي الأول حتى نهاية 2015، لم يأخذ حلم الثورة وحده بالانهيار لكن تجربة التنظيم الواعد، واجهت الكثير من الاخفاقات والعثرات.

عاد حسام مجددًا للصفوف الأولى، وهو في بداية الثلاثين لكنه محملًا هذه المرة بتجارب كفيلة برسم ملامح الطريق رغم الصعاب، وكان مع قفزة السلطة بالتفريط في جزيرتي صنافير وتيران مدخلًا كاملًا للتأجيج، انخرط حسام في ترتيب عمل حملة "مصر مش للبيع" وكان ظهوره التليفزيوني هذه المرة واجبًا لا بد منه، وهو واحد من الأشياء التي يدفع الثمن عنها الآن.

عملنا سويًا لترتيب حملة سوشيال ميديا لدعم التصويت بـ "لا للتعديلات الدستورية"، كانت تجربة شعبية ملهمة لإعادة ترتيب الجملة بالشكل الصحيح: من حق هذا الشعب أن يجد معارضة يستطيع إذا اراد اختيارها لتمثيله في أي انتخابات مقبلة. وهكذا كانت التهمة، والهجمة المسبقة، غير مسموح لحسام ورفاقه بالتفكير في العبور، ولو من خلال الصندوق.

سيحاولون كثيرًا أن يمنعوا عنهم النور، ولكن إلى متى؟

ملامح متفرقة

أسأل نفسي كيف عاشت صداقة صادقة مع مجموعة حسام الأولى التي بدأت معه من مظاهرات الأقصى، أمر يعكس نبل به وبهم، وتؤكد أن إنسانيته كإسمه، "ونس" قادر على صون الرفاق، وهذا هو الأهم.

أتذكر أني سألته يوما، عن قصته؟ .. كنت أتوقع أنه فُصل من عمله في البنك بسبب اشتغاله بالسياسة، وفوجئت أنه من قرر الاستقالة قبيل الثورة، رأى أن وقته بهذا الشكل لا يكفي وأن لديه مهمة يجب انجازها، استمر في عمل صامت مضن حتى حصد "صباحي" خمسة ملايين صوت في انتخابات 2012 واقترب من تحقيق الحلم، ووصول مرشح محسوب على الثورة للحكم.

بعدها وفي هدوء محارب، عاد الشاب القائد إلى مساحات عمله السابق بجانب اشتغاله بالكتابة الصحفية، وقبل ذلك كله بقي على عهده أمام نفسه: خلق فرصة للناس للتعبير عن أنفسهم بالشكل الصحيح، وأعتقد أنه لن يتوقف عن ذلك.

سألني يومًا، كيف أفكر في دوري القادم. كنا نتبادل ترتيب الأولويات، لديً الصحافة أولًا ثم الشأن السياسي، وهو العكس، وقبل أن أكمل، قال بحماس شديد هل لديك استعداد إذا ما وجدتِ مشروعًا حزبيًا جادًا أن تشاركي في بنائه. هو ارتاح تمامًا حين أدرك أني قد عقدت النية بالفعل أن نتشارك في مشروع عام يجمعنا جميعا، نصل من خلاله إلى تحقيق أحلامنا.

أود لو أرد عليه الآن سؤاله، وأجيب بدلًا عنه بسب غيابه، فأنا لا أراه مثلًا نائبًا في البرلمان رغم ارتباطه النفسي والتكويني بتجربة "صباحي" وخروج "طنطاوي" الآن كنموذج شاب ملهم من نفس المدرسة.

لا تنقص"مؤنس" بالتأكيد مهارات ذلك لكني اقرأه في حلم آخر، أوقن أنه يعيش داخله: بناء تنظيم شعبي قوي متمسك بأهداف الثورة وقادر على تغيير المعادلة.

أذكر مقالًا تبادلنا قراءته عن رحلة صعود زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربين، هذا الحزب الذي استطاع على يده إعادة صياغة أفكار أكثر تقدمًا وعدلًا حتى وإن لم يستطع الوصول للحكم طوال السنوات العشر الماضية. في المقابل أؤمن أن حسام الذي يقترب من عامه الأربعين يعدنا بتجربة أخرى تحترف الإلهام.

هذا الشاب الواقعي العملي المتطلع للمجد، يمكنني القول مجازًا أنه أبا المجد، اسم ابنه التالي لابنته فيروزة، يحمل داخله الوازع الأخلاقي الذي يصنع الفارق بين تجار الثورات وصانعيها. وعليه فقط أوصيه، من هنا الآن، وخلال فترة غيابة وراء القضبان بـ"الخيال"، فهذاما نحتاجه حقًا لنثبت أنه لا يوجد مًحال.

أخيرًا أقول، أنه منذ فجر القبض على حسام في 25 يونيو الماضي وأنا أشعر بإلحاح المعاني، الأمانة والكرامة، أمانة أن نكمل، كرامة أننا قادرون، وأعلم أني لست وحدي في ذلك.