لقطة من مسلسل كارنافال رو - برايم أمازون

كارنفال رو.. هموم العالم في مدينة خيالية

يبدو، مع نهاية الموسم الأول، أن الوصول إلى القاتل الحقيقي ليس المحطة النهائية التي تقودنا إليها قصص القتل، بقدر تعبيده الطريق لمسار أكثر إثارة.

لم تجد شركة أمازون عند الإعلان عن سلسلتها الخيالية الجديدة كارنفال رو في مؤتمر " كوميك كون" في سان دييجو بالولايات المتحدة في تموز/يوليو الماضي، دعاية أفضل من تلك التي قدّمها الممثل الرئيسي للسلسلة أورلاندو بلوم، حين ألمح إلى سياسات عمدة المدينة الجمهوري كيفين فولكونر حول الهجرة، والمتماشية مع حمائية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكراهيته للأجانب.

ورغم نفي المتحدثة الرسمية باسم العمدة الجمهوري ما قاله بلوم، في اليوم التالي، لكن الأخبار كانت أوجدت صداها بالفعل، وهي بطبيعة الحال مناسبة تمامًا لموضوع كارنفال رو، الذي تدور أحداثه في عالم فيكتوري يحكمه البشر، بينما المخلوقات الأسطورية -مثل الجنيّات والقناطير والأقزام– مطرودة خارج أوطانها بفعل الحروب، تهيم في المنافي بحثًا عن ملاذ، إلى أن انتهى بها الأمر كعمالة رخيصة وكائنات أقل شأنًا، موضوعًا دائمًا للهجوم من قبل البشر، ساستهم وقتلتهم على السواء.

أوجه التشابه مع وضع اللاجئين الحالي، وكراهية الأجانب السامة والمستعرة، وعلو الخطابات القومية المتعصبة حول العالم بأسره؛ واضحة للغاية، تنقلها السلسلة إلى عالمها الخيالي بطرق عديدة، ليس أقلها مباشرةً تلك السفينة المحتشدة بلاجئين فرّوا من الحرب ودفعوا مبالغ مضاعفة ليقضوا نحبهم في النهاية على الساحل الجنوبي لمدينة بيرج، رمز الحضارة والتقدم.

في كارنفال رو، تتزايد وتيرة هجرة الكائنات الأسطورية من مملكة تيرنانوك -بعد حرب طاحنة انتهت باحتلالها من قبل قوات "باكت" الوحشية– إلى مدينة بيرج، التي يسكنها البشر. لا يسير التعايش بين البشر والكائنات السحرية بسلاسة، إذ سرعان ما يؤدي التجاور واختبار ثقافة الاختلاف وانتشار البطالة بين البيرجيين، إلى شيوع خطاب عنصري معادٍ لهؤلاء الأجانب الوافدين.

بيرج مدينة متحضرة بمنطق السلسلة التلفزيونية. قريبة الشبه من لندن في أواخر القرن الثامن عشر؛ مداخن بخارية، وفرز طبقي للسكان، وحياة برلمانية وصراعات سياسية، ونفوذ خارجي بمطامع استعمارية. بينما الكائنات السحرية، من ذوات القرون على جمجمتها أو الأجنحة على ظهورها، مجبرة على مغادرة وطنها والعيش إلى جانب البشر، تفد إلى القلب المتحضر لذلك العالم، لينتهي بها المطاف بالعمل كخدم في بيوت الطبقة الارستقراطية أو عاملات جنس في كارنفال رو أو غيرها من المهن متواضعة التي تستأثر بلعنات واستحقار البيرجيين.

في تلك الأثناء، تلتقي فينييت ستونماس (كارا ديلفين)، الجنيّة المجنّحة النازحة من وطنها والناجية الوحيدة من تلك السفينة المشؤومة، مع حبها الكبير السابق، ريكروفت فيلوسترايت (أورلاندو بلوم)، الذي اعتقدت بموته منذ سبع سنوات، حين انتهت الحرب الكبرى باحتلال وطنها.

لفينيت أيضاً حبيبة سابقة من زمن الوطن الآمن، تعمل الآن في أحد بيوت دعارة الرصيف، وهي من تخبرها بأن حبيبها القديم حي. تفكر فينييت بالانتقام، أولًا، لكن سرعان ما تدفعها الظروف والتطورات إلى إحياء حبها من جديد، بعد أن يصير كلاهما منبوذًا ومطاردًا.

في الطرف المقابل، أورلاندو بلوم، بعدما صار أكثر صرامة ونضجًا منذ دوره الشهير في سلسلة أفلام مملكة الخواتم، يجسّد هنا دور محقق شرطي دونكيشوتي يحاول حلّ سلسلة من جرائم القتل البشعة بحق لاجئي كرنفال رو. في قيامه بذلك، يستعدي بعض زملائه العنصريين من كارهي الأجانب، ويدرك بتطوّر تحقيقاته مدىً جديدًا يمكن أن تصله خطورة البشر، فضلًا عن إمكانية تجسّد الشرّ الخالص في هيئة قوة خارقة للطبيعة.

للنوستالجيا نصيبٌ دائمٌ في سيناريوهات ما بعد الأبوكاليبس. لذلك توفّر السلسلة دورًا تلعبه الصدفة لاجتراء الحنين إلى المجد الزائل. ثمة معرض استعادي في متحف مدينة بيرج يعد بعرض "أعاجيب تيرنانوك"، يفتح الباب أمام فينييت لاختبار مشاعرها القديمة من جديد وأخذ راحة من سطوة عالمها الجديد في بيرج. لكن عندما تفاجأ بمجموعة من الزوار الفضوليين قبل افتتاح قاعات العرض بفترة وجيزة، تتخلّى عن كمون اللاجئ وحكمته المستضعفة في تفادي إثارة المتاعب لتجنب السلطات المتحفزة والمتربصة بالمهاجرين والوافدين. حين ترى كنوز وطنها الثقافية، المدمر بفعل حرب وحشية نتيجة تخلّي الجيش البيرجي عنه، معروضة كموضوع فرجة لناس يعاملون فينييت وأمثالها كما يليق بحثالة؛ تثور أخيرًا وتطلق غضبها.

إثر ذلك، ليس صدفةً أن يتذكّر المرء المناقشات الحالية في أوساط ثقافية غربية حول التعامل مع "الفن المنهوب" من المستعمرات السابقة، أو الجدال بشأن تعامل القارة الأووربية مع تدفق النازحين إلى أراضيها من أوطانهم المدمرة. فالسلسلة، مكرّسة لما يمكن تسميته بـ "الفانتازيا الاجتماعية"، هذا النوع الدرامي الجديد الذي يلعب مع الأنواع المعروفة، باستخدامه عناصر فانتازية أو مستقبلية للتفكير بطريقة غير مباشرة في المشكلات الاجتماعية الحالية.

تفعل ذلك عبر قصة حب وحبكة مثيرة أشبه بأفلام النوار، بانعطافات سردية وتقلبات درامية، وإضافات مستمدة من الحكايات الشعبية والرعب القوطي؛ تستقصي فكرة الحب وديناميات السلوك والعلاقات الإنسانية بشكل عام، ضمن سعيها لتقديم سردية طموحة تتكشّف عبرها البانوراما الاجتماعية لمدينة بيرج على مختلف مستوياتها، بحيث تصبح السلسلة كـ"بوتقة ينصهر فيها أفضل وأسوأ ما في البشرية"، على قول بلوم في تصريحات صحفية.


فكرة السلسلة قديمة وتعود إلى العام 2005، لكن القصة المقدمة عُمل عليها خلال تلك السنوات الماضية، ثم اشترت حقوقها شركة أمازون، وهي من تأليف ترافيس بوشام، المعروف كمؤلف لفيلم هوليوودي ضخم مثل Pacific Rim. تأتي القصة بمروحة من الشخصيات الغامضة والمتناقضة، قادرة على سبك تعقيد العالم المخلوق ومجتمعه الطبقي بما يكفي ليظلا مثيرين للاهتمام طوال موسم كامل.

وبجانب النجمين بلوم وديليفين، فإن الأدوار الأخرى يقوم بها ممثلون مألوف تواجدهم في أفلام الإنتاج الضخم، مثل ديفيد جياسي في دور أجريوس أسترايون، الذي يتحدّى كـ"فاي" النظام الاجتماعي لمدينة بيرج، أو جاريد هاريس الذي يلعب دور تشرنوبيل، مستشار المدينة محترف ألاعيب السياسة رغم ماضيه الذي يثقله.

محبة ذلك النوع من القصص، وميل طيف معتبر من مستهلكي الترفيه التلفزيوني لغرس أقدامهم في عوالم شحيحة الألوان وافرة الكآبة والثراء والرومانسيات السوداء على نحو يذكّر كثيرًا بتراث العصر الفيكتوري؛ كفيلان بجذب الجمهور للاستمتاع بالحلقات الثمان للموسم الأول.

مع ملاحظة ضرورية وواجبة -لضمان عدم إفساد عملية المشاهدة- تتعلّق بالتزام الغضّ أكثر من مرة، عندما تظهر بعض بانوراما المدينة بوضوح في صورتها الكمبيوترية أو حين مطالعة السمات الفيزيائية للمخلوقات الأسطورية (من أجنحة اليعسوب الضخمة في الكائنات المجنّحة إلى قرون الماعز في كائنات الفاي*)، والتي لو قدُّمت بالشكل المرجو منها لتجاوزت بشكل كبير مشكلة إحيائها فقر تصميم القصص الخيالية. هذا، كُلّه، بعيدًا عن شهوانية وكوميدية الطريقة التي تمارس بها المجنّحات الجنس.

لا يعني ذلك قصورًا في رسم الشخصيات على الورق، فطاقم السلسلة من الشخصيات المحيطة مثير للإعجاب فعلًا، مثلما التصميم المعقد لعالمها، ويرجع هذا إلى حد كبير إلى الطريقة التي يمزج بها السيناريو قصص الجريمة لدفع القصة الأساسية غامضة الجوانب، لينسجوا منها قماشة سردية زاهية تطوِّر حياة تخصّها وحدها بدلًا من أن تتجه إلى نهايات متوقعة ككتاب مدرسي.

لذلك، يبدو، مع نهاية الموسم الأول، أن الوصول إلى القاتل الحقيقي ليس المحطة النهائية التي تقودنا إليها قصص القتل، بقدر تعبيده الطريق لمسار أكثر إثارة، تتابع فيه السلسلة في مواسمها التالية ملامح تغيّرات وحشية في قلب مجتمع واقع تحت تأثير الهستيريا المتصاعدة والاستقطاب السياسي المصاحب لعملية انتقال السلطة إلى جيل شاب جديد بذهنيات ماكرة لا تخضع لأي اعتبار أخلاقي.

بيد أن الاستعارات الاجتماعية والإحالات السياسية ذات الصلة إلى الوضع العالمي الحالي ربما لا تقدَّم بصريًا دائمًا بالشكل المطلوب، فالحقيقة أن كارنفال رو تعوزها البراعة عندما يتعلق الأمر بالتصوير المجازي لسيناريو اللجوء والعنصرية، وتخاطر أيضًا بظهورها بعادية من وقت لآخر؛ مثلما في ذلك الخط الدرامي الخاص بتحوّل أحد الشباب للانضمام إلى تنظيم ديني سري متعصّب (هل هؤلاء هم الإسلاميين؟!)، أو في تصويرها للعمل بتجارة الجنس كمهنة محددة للجنيّات مع تغييب أي بدائل أخرى.

أيضًا، فإن فكرة التنديد بالتحول السياسي إلى اليمين عبر إلباسها حكايات خيالية تستوحي منطقها من الأزمات الراهنة والوضع العالمي المحتدم، ليست بجديدة ولا متفرّدة بحد ذاتها، فقد فعلتها من قبل،على سبيل المثال، سلسلة بيني دريدفول، مع الاعتراف الواجب بنُبلها المبدئي وإنسانيتها الواضحة. لكن المشكلة هنا فنية بالأساس، وتتمثل في تبنّي السلسلة أحيانًا ذلك الميل الهوليوودي الرخيص لإغراق الحكاية بوفرة ميلودرامية وحبكات فرعية للتخديم على إبراز أكبر قدر ممكن من "موضوعات الساعة"، في نهج تقريري وصحفي أكثر منه إبداعي، يهرول بالأحداث وفي الوقت ذاته يريد إعلاء صوت التحدي والدفاع عن المشتركات الإنسانية ضد خطابات راديكالية متصاعدة تهدد سبل التوافق والعيش الآمن.

باختصار، كارنفال رو بعيدة عن مراد صانعيها في أن تصبح لعبة عروش جديدة، كما استبقت وتوقعّت بعض الكتابات، أو أن تملأ فراغها على أقل تقدير. أمازون، رغم ذلك، تراهن كثيرًا على السلسلة وتعتقد واثقةً بامتلاكها ملحمتها التلفزيونية الخاصة، فحتى من قبل أن يبدأ عرض موسمها الأول، أعلنت الشركة عن التحضير لموسم ثانٍ.

رهانٌ كبير ربما لا وجود مؤكد على صحّته، إلى الآن، لكن يظل انتظار الموسم الثاني من السلسلة واجبًا للوقوف على ما يمكن تطويره وتلافيه من أجل الفوز بالرهان، بالنظر لما تمتلكه السلسلة بالفعل من إمكانات معتبرة يمكنها خلق ملحمة تلفزيونية جديدة تغزو العالم، فقط لو رعتها الأيدي المناسبة.


(*) أغلب الظن أن صنّاع السلسلة استوحوا تلك الكائنات من آلهة الفون في الميثيولوجيا الرومانية القديمة، والتي تظهر في صورة إنسان يملك شيئاً من هيئات الماعز؛ قرون، آذان، سيقان، ذيل.