سور وحديقة مستشفى الحميات بقنا

مستشفى حميات قنا: روشتة قابلة للصرف

لابد أن تنظر الحكومة بجدية حقيقية إلى دعم الصعيد في قطاع الصحة، وأن يراقب أعضاء مجلس النواب الحكومة في تنفيذها لذلك، بدلًا من متابعة دفاتر الحضور والانصراف في المستشفيات.

في شارع متوسط الاتساع ونظيف وخالٍ من الزحام بقنا، أول ما يلفت نظرك هو مباني مستشفى الحميات ذات الطراز الإنجليزي، التي نالت نصيبًا وافيًا من التجديد على مستوى المباني، وكذلك الخدمة الطبية، بشهادة الزوار والعاملين بها، لذا نطرحها هنا كحالة أو روشتة قابلة للتطبيق في المستشفيات الحكومية التي تشمل المستشفيات الجامعية و التابعة لوزارة الصحة البالغ عددها 648 ويعمل بها 82 ألف طبيب بشري فقط، من 212 ألف و835 طبيبًا مصريًا، مرخص له بمزاولة المهنة حسب دراسة عن المجلس الأعلى للجامعات بالتعاون مع وزارة الصحة، عن احتياجات سوق العمل من المهن الطبية صدرت في مارس 2019.

أرقام مهمة في الروشتة

حسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء و التعبئة مارس 2019 ووزارة المالية يونيو 2019 ووزارة التعليم العالي يناير 2019 وتصريحات المسؤولين المعنيين، بلغ عدد الأسرّة في القطاع الحكومي 93 ألفًا و897 سريرًا عام 2017. في المقابل فإن إجمالي مرضى العيادات الخارجية بهذا العام في المستشفيات العامة والمركزية والتخصصية أكثر من 65 مليون مريض، وفي 2018 بلغ عدد المستشفيات الجامعية 110 مستشفى، تقدم الخدمة لـ 18 مليون مريض و 3 ملايين حالات حرجة.

بلغ الانفاق العام على الصحة في العام المالي الماضي 61 مليارًا و811 ملايين جنيه بنسبة 4.3% من الانفاق العام ، مقارنة بنسبة 4.5% عام 2017/2018 و نسبة 5.37% عام 14/15.. أما هذا العام فالمخصص في الموازنة العامة للدولة للإنفاق على الصحة 85 مليار جنيه، منها 11.4 مليار للمستشفيات الجامعية بنسبة 5.3% من إجمالي الموازنة العامة.

تكاليف العلاج على نفقة الدولة داخل مصر كانت ستة مليارات و113 مليون جنيه عام 2017 استفاد منها مليونان و464 ألفًا و383 مريض، والمبالغ التي خصصت في موازنة 2018/2019 كانت خمسة مليارات و637 مليونًا، أما العام المالي الحالي فقد خصص للعلاج على نفقة الدولة 6 مليارات و662 مليون جنيه.

منتجع سياحي

عن زيارتها لمستشفى حميات قنا، كتبت الدكتورة إيمان سلامة عضو مجلس نقابة أطباء سوهاج، على صفحتها على فيسبوك "هذه مستشفى حميات قنا.. تشعر أنك في منتجع سياحي في نفس الوقت الذي تقدم فيه المستشفى خدمة طبية متميزة على مستوى عالي جدًا، وتنظم مؤتمر علمي سنوي رائع... بها مباني تاريخية والمباني الجديدة حاولوا يعملوها على نفس الطراز مع تطبيق اشتراطات الجودة ومكافحة العدوى... مستشفى خيالية والحقيقة أحلى من الصور ألف مرة...".

انتهت شهادة دكتورة إيمان سلامة، ولولا الصور التي أرفقتها بشهادتها على موقع التواصل الاجتماعي، وما كنت لأصدّق هذا الإطراء إلا لكوني أحد أفراد الوفد الزائر، ورؤيتي ومعايشتي لهذا الواقع ولمس روح التعاون والاحترام السائدة بين جميع العاملين بالمستشفى.

تطور كبير

يقول الدكتور سيد الكاشف مدير المستشفى إنه في بداية عمله بالمستشفى، عام 2001، كان إمكانياته محدودة جدًا، لدرجة أنه لم يكن به سوى جهاز أشعة تليفزيونية فقط، ويتابع اﻷطباء حالات ارتفاع درجة الحرارة فقط، ولكن حاليًا يستقبل المستشفى مرضى الحميات والأمراض المعدية ومرضى الكبد والجهاز الهضمي، وتحتوي على قسم للاستقبال والطوارئ على مدار الساعة، وقسمًا داخليًا لأمراض الكبد والجهاز الهضمي، وقسمًا لأمراض الحميات وآخر للعزل.

ويتابع الكاشف "بالإضافة إلى وحدة مناظير الجهاز الهضمي التي تُجري عمليات المناظير التشخيصية مثل المعدة والمريء والقولون، والعلاجية مثل حقن وربط دوالي المريء واستئصال الزوائد اللحمية واستخراج الأجسام الغريبة، وكذلك مناظير القنوات المرارية التشخيصية والعلاجية، مثل تركيب دعامة مرارية واستخراج حصوات القنوات المرارية".

انتهينا من تجهيز وافتتاح مركز المعلومات الدوائية، الذي سيساهم بشكل فعال في تحديث السياسات الدوائية، ودعم اتخاذ القرار في المجال الطبي.
د. حسام الدين مصطفى، أخصائي بالمستشفى

ويوضح الكاشف أن تلك الوحدة تُجري أكثر من ألفي عملية فحص بالمناظير في العام الواحد، ما بين تشخيصي وعلاجي، ويوجد بالمستشفى وحدة فيروسات كبدية لعلاج مرضى فيروس سي وأخرى بها 13 ماكينة غسيل كُلوي لمرضى الفشل الكلوي المصابين بفيروس سي، وعيادة تخصصية للاكتشاف المبكر لأورام الكبد وأخرى لعلاج ومتابعة مرضى الالتهاب الكبدي (B) ومعمل تحاليل طبية يعمل بنظام الباركود لإجراء كافة التحاليل لمرضى الحميات والكبد ومرضى الفيروسات الكبدية.

مركز المعلومات الدوائية

وعن أحدث التجهيزات الطبية بالمستشفى يقول الدكتور حسام الدين مصطفى، أخصائي بالمستشفى، "انتهينا من تجهيز وافتتاح مركز المعلومات الدوائية، الذي سيساهم بشكل فعال في تحديث السياسات الدوائية، ودعم اتخاذ القرار في المجال الطبي، حيث يقدم كافة المعلومات الخاصة بالأدوية وتأثيراتها وتفاعلاتها الدوائية وعدد الجرعات الصحيحة، وإضافة 50 سريرًا للمستشفى و6 أسرة للعناية المركزة و4 أجهزة مونيتور، كما تم رفع كفاءة القسم الداخلي بالمستشفى، وتجهيز مركز متخصص لعلاج الضربات الحرارية".

ويتابع "استلمنا كذلك الدور الثاني العلوي بمبنى الكبد، الذي سيحقق زيادة في الطاقة الاستيعابية للقسم الداخلي بالمستشفى، وكذلك وحدة العناية المتوسطة".

نسعى للمثالية

استشاري الحميات بالمستشفى، دكتور مختار ياسين، يرى أن المستشفى بحالة جيدة جدًا مقارنة بنظرائه في مصر، "ولكن نأمل أن يصير مثاليًا، ولذلك نطالب وزارة الصحة باستكمال متطلبات المستشفى من أجهزة وأدوية، وتغطية جميع عنابر المرضى بمكيفات الهواء، وافتتاح قسم الرعاية المركّزة بالمستشفى، والذي نطالب باستكمال تجهيزه، منذ أكثر من عامين، لاستقبال الحالات الحرجة مثل الالتهاب السحائي".

ويوضح دكتور ياسين أن المستشفى يؤدي دورًا رائعًا في تدريب الطاقم الطبي، فقد نظم هذا العام المؤتمر الطبي السنوي الثامن، الذي يعرض كل عام الجديد في مجال تشخيص وعلاج أمراض الحميات والكبد والفيروسات الكبدية، ويُدعى له الأطباء من المحافظات المختلفة، كما درّب المستشفى عددًا من الأطباء والممرضات على أعمال الرعاية المركزة بمستشفى حميات إمبابة.

بعيدًا عن دائرة الضوء

طبيب أخصائي بالمستشفى، يُلقي الضوء على جانب آخر "نحن هنا مثلنا مثل باقي الفريق الطبي في مصر وبالأخص في الصعيد نعاني ذات المشاكل في الرواتب والحياة الإجتماعية، إضافة إلى معاناتنا في التدريب الطبي المستمر الذي يستلزم في غالب الأحوال مشقة السفر للقاهرة، والأساتذة المحاضرون بعض منهم يرفض الحضور لمحافظتنا لمشقة السفر وضَعف المقابل".

ويتابع "المستشفى مشكورًا يحاول قدر جهده لكن وجوده في أطراف الصعيد، بعيدًا عن دائرة الضوء، جعله يعاني التجاهل. الإدارات الواعية المتوالية على المستشفى وروح المودة والتعاون بين العاملين هي السبب الرئيسي في الصورة المشرّفة التي ترونها، ولتعلم أن المبنى الجديد بكامل محتوياته هو تبرع من بعض المواطنين، وهذا شيء جيد لكن من المفترض أن يكون الأساس هو دعم وزارة الصحة للمستشفى".

راودني بعض الشك في اﻷحاديث اﻹيجابية عن المسؤولين، ولأصل إلى كامل المصداقية في مقالي، سألت صديق الدراسة الذي انتقل من العمل بالمستشفى منذ سنوات.

وجوه بشوشة

يقول أخصائي الحميات، الدكتور محمود عبد المولى، "في عام 2008 بدأت فترة نيابتي كطبيب مقيم بمستشفى حميات قنا، وكغيري كنت قلقًا في البداية من هذه المرحلة في حياتي، ولكن بمجرد أن وطأت قدماي أعتاب هذا المكان الذي أعتبره بيتي الأول حتى شعرت أني لست غريبًا عنه، فكل شيء يدعو للارتياح، وجوه بشوشة تستقبلك بكل ترحاب، فتمتص ما بداخلك من شعور بأية رهبة أو خوف، حديقة رائعة تشتم بين جنباتها عبق الزمن الجميل، حيث لا مكان لأي تلوث هوائي أو ضوضائي، فتجد نفسك مجبَرًا على الإندماج والانخراط بين هذه المجموعة من الناس وتصير واحدًا منهم".

ويتابع "الكل يتفانى لخدمة المريض والابتسامة هي لغة الحوار بينهم، وأُشهد الله أن من أصعب اللحظات التي مرت عليَّ في حياتي كانت لحظة انتهاء فترة النيابة بالمستشفى، وقتها لم أدرِ بنفسي إلا ودموعي تنهمر على فراق هذا المكان، ولكن عزائي أنه كان فراقًا جسديًا فلم تنقطع علاقتي بهم يومًا، وظل أعز أصدقائي حتى الآن هم أصحاب هذا المكان الذي أرجو أن تحذو باقي المستشفيات حذوه من إخلاص وتفان في العمل، ابتداءً من أصغر عامل وانتهاءً بإدارته الناجحة التي شهد لها الجميع".

ظروف عمل مناسبة

عقب تلك الزيارة تعمدت الحديث عن المستشفى بالأقصر، مع أخصائي الحميات ومدير مستشفى الأقصر العام، الدكتور خلف عمر، فبادر معقبًا "في جميع محافظات الجمهورية ستجد العاملين في مستشفيات الحميات بنفس الروح، وجميع أطباء مصر لو أتيحت لهم ظروف عمل مناسبة سيؤدي أغلبهم على أفضل وجه، ومع بدء الاهتمام مؤخرًا من الحكومة في قطاع الصحة إلا أنه مطلوب مضاعفته بالنسبة للصعيد".

مستشفى ينتظر العلاج

بعدها و في زيارة لي في البلينا، أقصى مركز جنوبًا لمحافظة سوهاج، في الأول من سبتمبر الماضي تم استلام مستشفى الحميات الجديد، المكون من 4 طوابق، ولا يعمل بها سوى العيادات الخارجية والمعامل، ومن حيث عدد الأطباء بالمستشفى فهم ثلاثة أطباء فقط، الأثاث أغلبه متهالك وتم نقله من المقر القديم، وهو ما يذكرنا بالمثل الشعبي "من بره هاالله هاالله.. ومن جوه يعلم الله".

في ظل تلك الظروف الصعبة لقطاع الصحة بشكل عام على مستوى الجمهورية، وبالأخص في صعيد مصر المُهمَل، يُوجد من البشر من يحاول التمسك بإنسانيته مُحملًا نفسه فوق طاقتها، وأعباءً ليست على عاتقه، ليبرَّ بقَسَمٍ وعهد بينه وبين ربه بالحفاظ على أرواح المرضى، ولكن لن يصمد الضمير الحي وسط عوامل تسعى لتغييبه ولن يستطيع أن ينبت بيقظته زرعًا في صحراء دون ماء.

ضرورة التمييز اﻹيجابي

لابد أن تنظر الحكومة بجدية حقيقية إلى دعم الصعيد في قطاع الصحة، وأن يراقب أعضاء مجلس النواب الحكومة في تنفيذها لذلك، بدلًا من متابعة دفاتر الحضور والانصراف في المستشفيات لإثبات الوجود وكسب دعاء المواطنين لهم وعلى العاملين بها ، لا بد من تمييز إيجابي للفريق الطبي في محافظات الصعيد المهملة، بدءًا من أسيوط حتى أسوان مرورًا بالوادي الجديد، والذي عزف الأطباء عن العمل به لوعورة الحياة وضعف المُقابل، خاصة بعد أن أنهى قانون 14 لسنة 2014 الخاص بالمهن الطبية معاملة محافظات قنا والأقصر وسوهاج معاملة المناطق النائية في المميزات المالية.

لابد أن توفر وزارة الصحة غالبية الإمكانيات والأجهزة لمستشفيات الصعيد، ويُكمّلها في ذلك المجتمع المدني ورجال الأعمال، وتوفير فرص التدريب المهني المستمر لأعضاء الفريق الطبي في محافظاتهم قدر الإمكان بالتعاون مع الجامعات الأم في الطب، وتدريب إدارة المستشفيات على مبادىء القيادة وترسيخ مبدأ الكَيف وليس الكم، فالاهتمام بالأداء والجودة في تقديم الخدمة الصحية وخلق روح الفريق بين العاملين، يقتله محاولات بعض الإداريين تحويل الفريق الطبي إلى آلة بيروقراطية، تهتم فقط بالتوقيع في الدفاتر أو البصمة عند الحضور والانصراف.

أتحدى أن يكون هناك قطاع في الصحة يصرف كامل المخصصات المالية لبند الصيانة في موازنته، رغم سوء أحوال المنشآت والأجهزة به

مجابهة البيروقراطية

لا بد من ترتيب الأولويات في الإنفاق على الصحة، والتخطيط المسبق المبني على إحصائيات ودراسات جدوى للمشروعات التي تمثل أولوية للمرضى و للعاملين، وحصر جميع ممتلكات الصحة من أجهزة و معدات و توزيعها التوزيع الصحيح طبقاً لاحتياجات المستشفيات والوحدات الصحية ومهارات العاملين بها.

مع ضرورة العودة لطرح مناقصات عامة لاحتياجات وإنشاءات المستشفيات الحكومية، حتى نصل لأفضل جودة بأقل سعر، بدلًا من طرق الإسناد المباشر، التي في كثير من الأحوال ينتج عنها الأعلى سعرًا والأقل جودة، ولابد من محاسبة المسؤولين ومرؤسيهم عن عدم صرف الموازنة رغم الاحتياجات الماسة مثل المحاسبة على الإهدار.

أتحدى أن يكون هناك قطاع في الصحة يصرف كامل المخصصات المالية لبند الصيانة في موازنته، رغم سوء أحوال المنشآت والأجهزة به، وكذلك مخصصات الباب السادس من الموازنة، الذي يشمل المباني والتجهيزات والأثاث والمعدات.

لابد أن تتيح وزارتي المالية والتخطيط لمسؤولي المستشفيات التنقل من بند لآخر ومن باب لآخر في الميزانية الخاصة بها، وهو اﻷمر المعروف بصعوبته البالغة، فعند نفاد بند المستلزمات والأدوية، يكون من الاستحالة أن تنقل إليه أموال بند الصيانة، رغم توافر أموال به.

إهمال الصعيد

لابد أن يتناول الإعلام بشكل مكثف وموضوعي، لأسباب إهمال الصحة في الصعيد، ينقد السلبي لتصحيحه ويُبرز الجيد لتحسينه وتعميمه.. روشتة يعلمها جميع المسؤولين ولكن لا تجد منفذًا لصرفها.

مستشفى حميات قنا من المستشفيات الحكومية (التي يسخط على الخدمة الطبية في أغلبها الجميع) ويتبع وزارة الصحة التي يصرخ الجميع من ضعف وعجز إمكانياتها، وتضم قوى بشرية من أطباء وتمريض وعاملين، يعيشون ويضجرون ويشتكون سوء أحوالهم، مثل زملائهم في باقي المستشفيات، ولكنه نموذج مختلف يقدم واقعًا مغايرًا يكاد يكون مثاليًا بين أقرانها في المستشفيات الحكومية.

هذا يؤكد لي أن ضمير العاملين ليس هو السبب، كما يدّعي البعض، في تقديم خدمة سيئة وأنه رغم سخط العاملين على أوضاعهم المعيشية ورواتبهم الهزيلة، إلا أنه وسط مناخ جيد وإدارة واعية يتناسون همومهم الشخصية ويجتهدون في أداء عملهم على أكمل وجه.

في كل الأحوال أرى أنه لزامًا على مسؤولي وزارة الصحة دراسة هذه التجربة وأسباب نجاحها، ومحاولة الإستفادة منها بتعميمها على جميع المستشفيات، ولزامًا عليها دعم تلك المستشفى وتزويدها بكافة التجهيزات المطلوبة، ومكأفاة وتشجيع الإدارة والعاملين بها، وواجب على وسائل الإعلام إبراز هذا النموذج الإيجابي كما النقد للسلبي.. تحية لمستشفى حميات قنا.