من مظاهرات أمس وسط الجزائر العاصمة. الصورة: فريدة بوشناف

المليونيات أو الانتخابات أو طرح البدائل: ما الذي يصنع التغيير في الجزائر؟

هل يجبُ أن نكون أغلبية كاسِحة حتى نُطالب بالتغيير وحتى يكون لنا رأي يُسمع؟

بعد مظاهرة 22 فيفري (فبراير) 2019، التي شكّلت بداية الحراك الشعبي في الجزائري، والتي جاءت بعد عدد من المظاهرات الصغيرة في مُدن الداخل، كتبتُ نصًّا قصيرا عنوانه "22 فيفري في الجزائر: توسّع ميدان المُمكن". جاء في آخر النص، الذي كان وصفًا ليوم المظاهرات، الجملة التالية "ماذا سيحصل بعد هذا؟ في رأيي، الجواب لا يهم الآن، ما يهم فعلًا هو أن إقليم المُمكن قد توسّع في الجزائر اليوم".

مرّت قُرابة العشرة أشهر، منذ ذلك اليوم، طويلة وسريعة وكثيفة، عرف فيها الجزائريون انتصارات صغيرة كثيرة ودروس كثيرة أيضًا، عرفوا فيها الاعتقال التعسّفي الذي طال مئات المواطنين والمواطنات وفقدوا فيها أيضا أكثر من شهيد. عرف الجزائريون أيضا تجارب انتفاضات أخرى، من السودان وحتى تشيلي مرورًا بباريس وبيروت وبغداد. تحرّك الحراك، عبر كل مكوّناته السياسية، في أكثر من اتجاه وخَبرَ عدّة محطات وعراقيل، جعلته، نوعا ما، يكتشفُ حُدود ميدان المُمكن الذي توسّع ذات 22 فيفري.

لا يسعُ المتابع لمسار الحراك الجزائري وأخباره ورفضه للانتخابات إلاّ أن يتساءل عن موقعه غدًا بعد الانتخابات، من هنا تنبع رغبتي الشخصية، ولكن المشتركة مع العديد من المشاركين في سؤال التغيير الجزائري سواء كانوا حراكيين أم لا، بمساءلة الحراك نفسه، بعد أن تأكّدنا للمرة الألف بأن السلطة في الجزائر قد خصخصت الدولة وأمّمت السياسة، وها هي تتجّه بانتخاباتها الإجرائية إلى تجديد هذا العقد وتمديد عُمرها.

اصطدام في الجدار أم في المرآة؟

يتأكد اليوم، ونحن نتابع الانتخابات، واقع أن الجزائر ليست عبارة عن "الحراكيين" في مواجهة "أنصار العسكر" كما تختزلُ لنا شبكات التواصل الاجتماعي الأمر. هناك نسبة كبيرة ثابتة من مقاطعي الانتخابات التقليديين إذا أمكننا تسميتهم كذلك، والذين لن يصوّتوا ولن يشاركوا في الانتخابات لكنّهم موافقون على طريقة سير الأمور حتى الآن، وذلك تحت حُجَجٍ عديدة، أهمّها: "الأمور ليست واضحة من جهة الحراك" أو "لو نواصل على هذا المنوال سنصطدم بالجدار وتكون الفوضى".

أمام هذه الحُجج التي تتقاسمها قطاعات واسعة من الجزائريين وبين مَن يرى في إجراء الانتخابات جدارًا، وبين من يرى عدم إجراءها جدارًا أيضا تتجّه نحوه الجزائر، ، لا يمكنني ألّا أتساءل: هل هو جدار أم مرآة تضع الجزائريين سواء كانوا في الحراك أم ضدّه، أم يقفون في الشرفات يتفرّجون، تضعهم كلهم أمام صورتهم الحقيقية؟

صورة لم تتغيّر من جهة النظام طبعًا، رغم وجود بعض رموزه في المحاكم اليوم إلّا أن بعض رموزه أيضًا من بين المترشحين الخمسة للانتخابات الرئاسية الإجرائية التي يُريد تمريرها بأي ثمن.

في المقابل؛ تغيرت الصورة كثيرًا من جهة المواطنين الذين اكتشفوا حدودًا للمُمكن طيلة العشرة أشهر الماضية، واكتشفوا أيضًا قصورًا رهيبًا في الوسائل التي تُمكّنهم من تنظيم أنفسهم (التنظيم وليس تقديم ممثلين)، بدءًا بالعدالة غير المستقلّة التي تحكمُ وتسجُن على هواها، والإعلام، الخاص والعمومي، الموجّهُ بالكامل ومنذ تنحّي بوتفليقة من طرف المؤسسة العسكرية، وصولًا إلى فُقر شديد (بسبب الحرب الأهلية وعشرين سنة حكم لنظام بوتفليقة وآفات أخرى) في شبكات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والهوامش التي يُمكن للمواطنين أن يتسيّسوا فيها أو يشاركوا في قضايا الشأن العام.

نفس النخب السياسية والحقوقية والحزبية أيضًا، والتي عاشت الحرب الأهلية، ووصلت إلى حراك 22 فيفري لتختفي في أغلبها خلف عبارات "الشباب هو المستقبل وهو مَن سيبني الغد. الطلبة هم أمل الجزائر"، ثم عندما تجتمع في المنتديات واللقاءات الخاصة وتُقدّم خارطة طريق وقائمة أسماء وممثّلين لا نجِدُ اسمًا واحدًا للشباب أو للطلبة الذي لمّعوا صورتهم وذِكرهُم كمجموع وفكرة فقط.

سؤال مفخخ: هل الحراك أغلبية؟

هناك قضية مهمّة بخصوص الحراك الشعبي، استوقفتني طيلة 42 جمعة من التظاهر، ألا وهي قضية الأغلبية. كان دائمًا ذلك السؤال المُتكرّر، سواء من الذين ظلّوا ينزلون المظاهرات أو من الذين قاطعوها: "كاين غاشي اليوم؟" أو ما معناه: هل عدد المتظاهرين كبير؟، وغالبا ما تكون الإجابات مقارنات مع الجمعة الماضية أو مع جمعات مشهودة كُبرى، خاصة خلال فصل الصيف حيث عرف الحراك نسبة مشاركة قليلة.

من عجائب مسألة الأعداد أيضا أن الجزائريين، وحتى اليوم، لا يعرفون أو ربما لا يملكون مؤسّسات إحصائية تُعلمهم بأعداد المتظاهرين على مستوى المُدن وعلى المستوى الوطني. وحدها مصالح الأمن تعرف الأعداد الحقيقية التي تحسبها بالمتر المربع، في الشوارع التي تصوّرها مروحياتها من السماء. وغالبا ما اختُصِرَت جُمعات كاملة خلال الحراك في "حرب صُوريّة" بين الحراكيين وأعدائهم على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يُحاول كل طرفٍ أن يُخرج صورة تُعبّر عن "استمرار الحراك وقوّته" أو "نهاية الحراك وضموره".

لكن السؤال الأساسي هنا، والذي ربما لم نطرحه كفاية في وسائل الإعلام المكتوبة والتي اهتمّت كل نهاية جمعة باختيار أجمل صورة للجماهير وإيجاد مرادفات لأوصاف الضخامة حتى تصِف المسيرات، السؤال هو: هل يجبُ أن نكون أغلبية كاسِحة حتى نُطالب بالتغيير وحتى يكون لنا رأي يُسمع؟

نموذج للسجال الدائر حول السؤال الهامشي: "هل انتهى الحراك لأن لأعداد انخفضت أم مستمر لأن الأعداد كثيفة؟"

اليوم؛ وأمام "ديدلاين" الانتخابات وأمام بروباجندا النظام: "اتركوا النّاس تُصوّت لو كنتم أغلبية ولا تخشوا شيئًا، ولكنكم لستُم كذلك". أجِدُ نفسي أنحازُ للنواة الصلبة التي يُشكّلها الحراكيون في الجزائر كلّها، والتي لا تحتاج أن تكون مليونية ولا مليونيات حتى تطرح بديلًا أو بدائل سياسية للتغيير.

فجزء آخر من السؤال/ الإشكالية التي يجب طرحها هي الفرد والجماعة في الحراك الشعبي. فالجزائريون قد تعوّدوا، بحكم التجربة والأسطورة الوطنية المؤسّسَة أن يكونوا شعبًا في لحظات معيّنة من تاريخهم، أن يتخلّوا ويتجاوزوا تركيبة القبيلة بعدما سكنوا المُدن، لكن طبعا لم تترك السُلطة أي هوامش أخرى للتنظيم خارج الأطُر والمسارات المرسومة سلفًا للفرد داخل مجتمعه ومؤسّسات دولته.

الحراك كشفَ هذا أيضًا، وكشف عن رغبة عميقة وقديمة لدى الفرد الجزائري في أن يكون مواطنًا بواجبات وحقوق كاملة وليس مُجرّد رقم وسط الحشود أو وسط القوى العاملة أو وسط الموتى والمساجين.

ما الذي لا يفهمه الدبلوماسي في لندن؟

مرّة أخرى عجزَ الكثير من مُنظِّري الحراك (ولا أعني بالضرورة باحثين وأكاديميين، بل أشخاص يملكون صفحات وحسابات يتابعها على الأقل عشرات الآلاف) والمؤثّرين فيه وربما على رأسهم محمد العربي زيتوت، الدبلوماسي المنفي طوعًا في لندن، عن فهم هذه النقطة، والذي يشترك، ربما مع "برادعي مصر" في منفاه وصلعته وسذاجة رؤيته لمآلات الحراك في الجزائر.

الاختلاف كأفراد داخل سياق انتفاضة كُبرى كالحراك الجزائري (وهنا يُمكن للتوجّهات والمشاغل الكُبرى أن تظهر وتتبلور بأكثر من طريقة، ولكنّها ستشترك في خطوط مطلبية عريضة وأساسية)، أن يُشكِّل الجزائريون ولأول مرّة في تاريخهم الحديث أفرادًا وليس جماعة عُظمى تتحدّث باسم الوطن وتُمارس الضغط على السلطة الفعلية كي تترُك لها الحكم (هكذا يتصوّر زيتوت الأمر حرفيًا، ومعه عشرات آخرين)؛ لأنّ السلطة نفسها تعوّدت أيضا أن ترى الجزائريين ككُتلة تصلحُ لأمرين لا ثالث لهما: إمّا مُبايعة سُلطة الأمر الواقع أو فريسة للقمع والتعسّف.

الأمر الذي يدفعني أيضا لطرح سؤال الأغلبية والمؤثّرين هو تلك الدعوات التي عبرت الحراك من دون نجاح فعلي، دعوات للإضراب العام والعصيان المدني، التي تُطلقها صفحات فيسبوكية حراكية (أي مصدر مجهول غالبًا) أو مؤثّرين عبر شبكات التواصل الاجتماعي واليوتيوب من خلال البث المباشر.

آخر هذه الدعوات كان دعوة إضراب لثلاثة أيام من الأحد 8 ديسمبر وحتى أمس الأربعاء 11 ديسمبر، تلك الدعوة التي لم يتبعها سوى التُجار الصغار وفي بعض المُدن فقط وبعض أقسام طلبة الجامعات.

أمام واقع كهذا يجب علينا أن نتساءل عن الفاعلين في الحراك، والحاملين لشعاراته بما أنّ المظاهرات التي سبقت 8 ديسمبر دعت في شعاراتها للإضراب العام، نتساءل عن مدى انخراط ووعي المتظاهرين والفاعلين في الحراك لمعنى الإضراب العام وعن الوسائل التنظيمية اللازمة للقيام به، أم هي فقط تعاويذٌ تُرمى في وجه نظام يحمي نفسه بالشرطة والجيش والمال، ونرجو أن تتحقّق فجأة؟ خاصة ونحن أمام مؤسسة عسكرية تُريد تمرير الانتخابات وتريد "البقاء في إطار الدستور" بعد 27 سنة من إيقافها لمسار انتخابي آخر.

أصحاب النوايا السيّئة سيقولون أن قيادة الأركان لم تكُن نفسها في انتخابات 1992، لكن الواقع أن النظام وآلياته وخياراته وانحيازاته هي نفسها منذ استقلال البلاد عام 1962.

وماذا بعد الانتخابات؟

شاهدنا أيضًا منذ بداية الأسبوع الجالية الجزائرية في أمريكا وأوروبا، فرنسا بالخصوص، وهي تُطوّق السفارات وتحتجّ وتُحاول، بين الإقناع بالكلام والشتم والصراخ، منع القلّة التي جاءت لتنتخب في القنصليات ومراكز الاقتراع. وتساءل الجميع هل سيكون هذا السيناريو قابلًا للتكرار أيام الانتخابات في الداخل الجزائري؟ مع العلم أن قوات الأمن هنا لن تتوانى في قمع كل مَن يعترض العملية الانتخابية، الأمر الذي جعل النقاشات تلتهبُ بين مؤيّد للاحتجاج و"المنع السلمي" للمصوّتين، وبين رافضين لهذا المنع باسم الديمقراطية واحترام الرأي الآخر.

أُنهي الآن هذا المقال مساء الأربعاء، فيما شوارع وسط العاصمة الجزائر، وعدّة مُدن أخرى، تغلي بالمتظاهرين الرافضين للانتخابات الرئاسية الإجرائية التي تجري الآن الخميس 12 ديسمبر. أُنهي هذا المقال أيضًا وأنا مقتنعٌ أنّ العدد ليس هو ما يصنع القوّة لكن البديل، وقوّة طرح هذا البديل، وليس أيضا التنازع حول مستقبل الدولة والمجتمع بالمزايدة على الوطنية مع سلطة دكتاتورية. وأنّ العدد مهما زاد ومارس الضغط السلمي لن يجعل النظام يسقط.

كما أنهيه وأنا متأكّدٌ بأن المظاهرات ستستمر بعد الانتخابات، لكني لا أعرف إلى متى، ولا كيف سيصير التعامل بعد أن يستوي الرئيس الجديد على الكرسي. أنهي المقال وأنا أظن أنّ حدود المُمكن لا تزال واسعة وإن بدا أنها ضاقت، هذا لأن هروب الحراك إلى الأمام، الأمر الذي يعيبه عليه الكثيرون، هو هروب واعٍ وتعبير عن رفض تام لأن تُطوى صفحة الانتفاضة وتدخل الأرشيف ويُمسح فيها سكين خيبات وفشل سياسات النظام، لأنّ الصدمات التي سبّبها الحراك في جدار النظام ليست هيّنة، ولأن إسقاط الشعب للواجهة المدنية للنظام وتصارعه مع النواة العسكرية لأشهر لن يذهب سدى أيضًا.

هنالك دروس سجّلها الجزائريون طيلة الشهور الماضية ولن ينسوها بسرعة، مهما بلغت السرعة التي ستعود بها الواجهة المدنية الجديدة/القديمة.