مأزق "الست".. الأفلام ليست دائمًا "وردية"
كيف تُصنع الشخصية العامة
لا تقدم السينما الغربية أفلامَ السيرة الذاتية مجرَّدَ محاولةٍ لتوثيق حياة شخصيات شهيرة، بقدر ما تصبح مختبرًا معقدًا لاختبار العلاقة بين الإنسان والرمز، وبين الحقيقة التاريخية والضرورة الدرامية.
على عكس الاعتقاد الشائع، لا تبدأ صناعة الفيلم البيوجرافي من البحث عن "الشبيه"، بل من البحث عن القابلية للتحوّل. ففي فيلم Amadeus، لا يشبه توم هولس، موزارت في أيقونته الكلاسيكية المرسومة في الكتب. موزارت هنا ليس صورة، بل حالة، عبقرية فائضة، طاقة طفولية، وضحك عصبي يربك من حوله. الشَّبه الفيزيائي يصبح تفصيلة ثانوية أمام القدرة على تجسيد المزاج الداخلي للشخصية.
الأمر نفسه يتكرر مع ماريون كوتيار في La Vie en Rose. الشَّبه لم يكن نقطة البداية، بل نتيجة تراكمية لأداء جسدي وصوتي شديد الدقة، دعمه مكياج ذكي تطوّر مع الزمن داخل الفيلم. هنا لا نرى محاولةً لصناعة نسخة طبق الأصل من إديث بياف، بل لفهم كيف يسكن الصوت جسدًا هشًا.
حين يغيب الشَّبه، تعالجه السينما بعدة أدوات مثل اختيار زوايا تصوير تخفف من المقارنة المباشرة، بناء إيقاع أداء مقنع، مكياج يخدم التحوّل لا الاستعراض، والاعتماد على تفاصيل صغيرة.
غالبًا ما تمتلك الشخصيات المؤثرة صوتًا مميزًا، طريقة كلام خاصة، إيماءات محفوظة في الذاكرة، وهنا يواجه الممثل الفخ الأشهر، التقليد المبالغ فيه، فيتحول من ممثل يؤدي روح الشخصية إلى مونولوجست، والسينما الجيدة تتجنّب هذا الفخ بالتمييز بين "تقليد الصوت" و"فهم وظيفته".
في Walk the Line، لم يسعَ خواكين فينيكس إلى استنساخ صوت جوني كاش حرفيًا، لكنه التقط ثقله وبطئه؛ الإحساس بأن كل كلمة تخرج محمَّلة بتاريخ من الذنب والإنهاك. التدريب الصوتي هنا لم يكن استعراض مهارة، بل جزء من بناء الشخصية النفسية.
أما جسيكا لانج في Sweet Dreams، فلم تقدّم باتسي كلاين مغنيةً فقط، بل امرأة تحاول السيطرة على صوت أصبح أكبر منها. الأداء الصوتي ليس هدفه الإبهار إنما الإقناع بأن هذا الصوت له ثمن جسدي ونفسي.
لكن كيف "يقتبس" الممثل روح الشخصية؟ الإجابة بسيطة، "المذاكرة"، التي تتضمن مشاهدة تسجيلات بلا صوت لفهم الجسد، دراسة أسلوب الصمت بقدر نبرة الكلام، فهم سياق الشخصية الاجتماعي والنفسي، وهو ما يستلزم قراءة بعض الكتب التي صدرت حول الشخصية، سواء كانت مذكرات أو حوارات أو كتبًا تروي قصة الشخصية، إلى جانب تدريب طويل على الإيقاع الداخلي لا الخارجي.
الكتابة.. ماذا نروي وماذا نُسقط؟
السينما فن الاختيار. كل فيلم بيوجرافي ناجح هو في الحقيقة زاوية نظر، لا موسوعة. لا يؤرّخ The Iron Lady لتاتشر بقدر ما يتأمل وحدتها في الشيخوخة. ويحصر Golda جولدا مائير في لحظة حرب، لا في مسيرة كاملة.
الاختيار والحذف هنا ليسا خيانة للتاريخ. الفشل الحقيقي لا يكون في حذف أحداث، بل في غياب رؤية واضحة تبرِّر هذا الحذف.
اللغة البصرية في أفلام السيرة الذاتية ليست محايدةً. استخدام الأبيض والأسود، أو التراوح بينه وبين الألوان، غالبًا ما يرتبط بـالذاكرة؛ استدعاءِ الماضي، الانقسامِ بين الزمنين، كذلك يختلف نمط الإخراج بين أفلام تختار البساطة اليومية Walk the Line، وأخرى تميل إلى الأسطرة البصرية La Vie en Rose القرار الإخراجي هنا يحدد علاقتنا بالشخصية.
مكياج أفلام البيوجرافي من أكثر العناصر إثارة للجدل. في Bohemian Rhapsody، استُخدم المكياج بشكل واضح لتحويل رامي مالك إلى فريدي ميركوري. المكياج كان ظاهرًا، لكنه لم يتحوّل إلى قناع يمنع الأداء، بل دعمه، وهو ما جعله مقبولًا ليفوز بعدها بالأوسكار.
لا يوجد فيلم سيرة ذاتية دقيق تمامًا. الفن يتعامل مع التاريخ بوصفه مادة خامًا، لا نصًا مقدسًا. يُعاد ترتيب الأحداث، تُدمج شخصيات، وتُختصر سنوات في مشهد، طالما أن جوهر الشخصية لم يُمسّ.
إذا كانت السينما الغربية اعتادت التعامل مع الشخصيات العامة بوصفها كيانات مركّبة، تجمع بين العبقرية والهشاشة، فإن ذلك لا يعود فقط إلى جرأة فنية أو تحرر من القداسة، بل إلى تقليد سينمائي طويل يرى في السيرة الذاتية مساحةً للتأمل لا للتبجيل. السؤال المحوري في هذه الأفلام ليس كيف نكرّم الشخصية؟ إنما كيف نفهمها؟
هذا السؤال يطرح نفسه عند الانتقال إلى السينما المصرية مع اختلاف السياق الثقافي وطبيعة العلاقة بين الجمهور وتاريخه وحدود المقبول والمرفوض في تمثيل الشخصيات العامة، فهل تتغيَّر الإجابة بتغيُّر الجغرافيا؟ أم أن المشكلة ليست في السؤال، إنما في طريقة طرحه؟
فاصل من "عزب شو"
تميل السينما المصرية، في معظم تجاربها البيوجرافية، إلى اعتبار الشَّبه الفيزيائي شرطًا أساسيًا للاختيار لا مجرد عنصر مساعد. في ناصر 56، جاء اختيار أحمد زكي مدفوعًا بشبه لافت مع جمال عبد الناصر عزّزه مكياج دقيق وأداء جسدي محسوب.
النجاح الذي حققه أحمد زكي خلَق معيارًا شبه ثابت. كلما اقترب الممثل من ملامح الشخصية، اعتُبر الاختيار موفقًا، حتى لو تعثَّر الأداء في التقاط الروح الداخلية.
يتكرر الأمر في فيلميِّ السادات وحليم ومسلسلات السيرة الذاتية التي تلت ذلك. يصبح السؤال الأساسي: هل يشبهه؟ وليس: هل يفهمه؟
إحدى الإشكاليات المتكررة في الأعمال المصرية الخلطُ بين الدقة والاجترار. في كثير من الحالات، يتحوَّل الأداء إلى إعادة إنتاج لحركات محفوظة، نبرة صوت مألوفة، جُمل شهيرة، إيماءات مستهلكة، عوضًا عن أن يكون هناك بحث عن الإيقاع الداخلي للشخصية، لنجد الممثل يقدم لنا فاصلًا من عزب شو بدلًا من تقديم روح الشخصية.
رغم الجهد المضني الذي بذلته الفنانة صابرين في أدائها شخصية أم كلثوم، وكلنا يعلم أنها لا يجمعها بأم كلثوم شبه، ظل الأداء محكومًا بهاجس الاحترام الزائد، الذي يضع مسافة بين الشخصية وضعفها الإنساني.
المشكلة لا تكمن في التقليد ذاته، بل في الاكتفاء به، كأن الشخصية تُقدَّم فقرةً فنيةً، لا كائنًا حيًّا.
السيرة نُصبٌ تذكاري
تميل الكتابة في كثير من الأعمال المصرية إلى التعامل مع السيرة الذاتية بوصفها مسار نجاح متصلًا، تُخفَّف فيه مناطق الشك، وتُختصر لحظات التناقض.
في ناصر 56 يختار الكاتب لحظة سياسية واحدة، لكنه يعالجها بمنطق الزعامة لا بمنطق الإنسان. في السادات، تُقدَّم الشخصية بوصفها قائدًا استثنائيًا أكثر من كونها إنسانًا صاحب تناقضات. وفي حليم، تطغى قصة الصعود والمرض على التعقيد العاطفي والنفسي للفنان.
الاختيار والحذف هنا ليسا دائمًا قرارًا دراميًا، بل أحيانًا قرار وقائي يهدف إلى تفادي الصدام مع الصورة الذهنية الراسخة.
تتأرجح الأعمال المصرية بين اتجاهين؛ إخراج تقليدي يميل إلى الرسمية والوقار، أو افتعال بصري يهدف إلى تعويض غياب العمق. نادرًا ما نرى إخراجًا يتعامل مع الشخصية في سياقها اليومي خارج لحظات الإنجاز الكبرى.
في عدد من الأعمال، يتحوّل المكياج من أداة درامية إلى غاية في حد ذاته. يصبح "الشبه المذهل" عنصر الإبهار الأساسي، حتى لو أدّى ذلك إلى تثقيل الأداء أو عزله عن المشاهد. النجاح هنا يكون حين يخدم المكياج الأداء، لا حين يفرض عليه طريقة لعب واحدة.
كما تتعامل السينما المصرية مع التاريخ بحذر شديد، يصل أحيانًا إلى درجة الجمود. التغيير، أو إعادة القراءة، يُنظر إليه باعتباره تشويهًا، لا اجتهادًا فنيًا. النتيجة غالبًا: أعمال دقيقة ظاهريًا، لكنها فقيرة إنسانيًا.
يُقال كثيرًا إن الجمهور المصري "يقدِّس" رموزه، ويرفض رؤيتها في لحظات ضعفها. لكن هذا التفسير يُحمّل الجمهور مسؤولية كاملة، ويتجاهل حقيقة أساسية؛ الجمهور يتعلّم كيف يرى. السؤال الأدق هل أُتيح له يومًا أن يرى الضعف دون شعور بالذنب؟
بين النوايا والنتيجة
وقع فيلم الست في معضلة واضحة، فقد أراد أن يقدم نموذجًا غربيًا دون أن يفهم فلسفته. لم يسع الفيلم إلى سرد خطي كامل لحياة الفنانة، بل اعتمد على تنقل زمني حر، يلتقط لحظات ضعفها وانكسارها، في محاولة لتقديم شخصية متعددة الأبعاد.
رغم ذلك، فإن هذه الرغبة في اقتناص فلاشات من ضَعف الشخصية لم تُترجم إلى عمق نفسي حقيقي. التنقل بين الأزمنة لم يُستغل لصياغة رحلة داخلية مفهومة، وغالبًا ما بدا وكأنه مجموعة من الاسكتشات المتتابعة، حرمت المشاهد من الانغماس في شخصية أم كلثوم، ومن الإحساس بأنها إنسانة حية. وفي هذا السياق، يمكن القول إن رخصة عدم الالتزام بالدقة التاريخية لم تُستخدم بطريقة بنّاءة، وبدلًا من ذلك أسهمت في تخفيف المصداقية العاطفية للشخصية.
على مستوى الإخراج، لم يأت المزج بين الكآبة والأسطرة متقنًا. الانتقال بين الأبيض والأسود والألوان كان بلا سبب واضح أو وظيفة درامية، وترك المشاهد في حيرة تجاه مغزى كل مشهد بصري. المخرج مروان حامد، رغم خبرته، لم يحقق التوازن المطلوب بين تصوير الحياة اليومية والفانتازيا الأسطورية للشخصية، فجاءت النتيجة إخفاقًا في نقل حياة أم كلثوم اليومية والإنسانية.
أما بالنسبة لأداء منى زكي، فلم تستحضر الروح الحقيقية للشخصية بشكل مقنع. المكياج ظهر باعتباره قناعًا يبعدنا عن الشخصية، ويحول الأداء إلى نسخة ثقيلة ومصطنعة. لم يُظهر الفيلم جانب الدعابة والظرافة التي عُرفت بها أم كلثوم، كما غابت المرونة في الصوت والتعابير الوجهية، فظل الأداء بلا تقلبات حقيقية تعكس التناقضات النفسية للشخصية.
الفيلم بدا متأثرًا بوضوح بفيلم La Vie en Rose، محاولًا نقل تجربته دون فهم الجوهر الإنساني الفريد لأم كلثوم. لكن بينما تمكنت ماريون كوتيار في La Vie en Rose من اقتباس روح بياف، فإن محاولة فيلم الست لم تحقق النتيجة نفسها تاركة المشاهد أمام شخصية مشوشة، كئيبة وثقيلة الظل.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن فيلم الست يعكس نوايا طيبة ورغبة في التجديد والإنسانية، لكنه يُظهر بوضوح أن النوايا وحدها لا تصنع فنًا مقنعًا. محاولة اقتناص لحظات الضعف والفلاشات الزمنية لم تُترجم إلى حياة حقيقية للشخصية، تاركةً فجوةً بين المشاهد وما ينبغي أن يشعر به تجاه أسطورة موسيقية بحجم أم كلثوم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.