عن حكاية الحكومة وذمية "الإخوة المسيحيين"
تحولت الأعيادُ المسيحيةُ إلى مناسبة للممارسات والتصريحات المثيرة للجدل. هذه المرة لم تأتِ كما اعتدنا حول تنظيم امتحانات نصف العام في اليوم السابق لعيد الميلاد أو التالي له، من باب "العكننة" ومضايقة الطلاب وأسرهم، أو حتى عن حرمانية التهنئة بالعيد وجوازها، إنما تصدَّر وزير العمل محمد جبران المشهد من خلال القرار رقم 346 لسنة 2025 بشأن "تعديل ضوابط الإجازات للإخوة المسيحيين"، حيث يستحق العامل أجرًا كاملًا، بالإضافة إلى الإجازات الرسمية.
اشتمل القرار على خمس مناسبات للمسيحيين الأرثوذكس هي أعياد الميلاد والغطاس وأحد السعف وخميس العهد والقيامة. فيما حدَّد ثلاثة أيام للمسيحيين الكاثوليك والبروتستانت هى رأس السنة والميلاد والقيامة.
تمييز داخل التمييز
للوهلة الأولى، يبدو أن الأزمة يمكن أن تنحسر في الصياغة غير الموفقة، أو في أن يومين أقل في إجازات بعض المسيحيين لا يستحقان كل هذه الضجة، كما يمكن للوزير تصحيح الأمر فيما بعد. لكن القضية أعقد وأكثر تأثيرًا.
القرار ليس سوى نموذج كاشف لرؤية مؤسسات كثيرة في الدولة لمواطنيها، وللمرجعية التي تعتمدها في تحديد حقوقهم، وطريقتها في التمييز ليس على أساس الدين فقط، بل على أساس المذهب والكنيسة. كأنه إقرار بأن الدولة طبقات ومنازل؛ أعلاها المسلمون، ثم المسيحيون الأرثوذكس، ثم المسيحيون من الكاثوليك والبروتستانت، وبطبيعة الحال لا مكان للبهائيين، ولا لغير المؤمنين.
نظريًا، يُعد القرار خطوةً إيجابيةً لتحديد إجازات الأعياد والمناسبات الدينية التي يستحق عنها العامل أجرًا كاملًا، خصوصًا في القطاع الخاص الذي يخضع لقانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، بالتالي تفادي أي نزاع بشأن إجازات العمال المسيحيين في المناسبات الدينية الخاصة بهم، وسد الباب أمام تعسف جهات العمل في منح الإجازات أو بدائلها في حالة حاجة العمل.
أما واقعيًا، فالقرار تضمن مخالفات دستورية وقانونية عكست جهلًا واستسهالًا وتعصبًّا، بالإضافة إلى الرسالة السلبية التي تضمنها، ما أفقده الهدف منه، وأنتج تعقيدات ومشكلات إدارية في التطبيق.
يقول المثل الشعبي "الجواب يبان من عنوانه"، والحكومة ممثلة في وزارة العمل بدت مضطربة، ولم تتخذ القرار بشكل مدروس، فجاء غير مكتمل وتجاهل بعض الخاضعين لقانون العمل.
تحدث وزير العمل في البداية عن إجازات "غير المسلمين"، وهى العبارة الواردة في قانون العمل، لكنه كان يشير إلى أعياد المسيحيين فقط، في تجاهل لوضع غير المنتمين إلى الإسلام والمسيحية، فهناك يهود مصريون يجب أن ينظم القانون حقوقهم حتى لو كانت أعدادهم قليلة، أو لا يوجد من يخضع له في الوقت الحالي، كم أن الأجانب يخضعون لقانون العمل، ومنهم بطبيعة الحال من له ديانات ومعتقدات أخرى فكيف سيتم تحديد الإجازات لهم؟
مواطنون أم رعايا
حين قُوبل قرار وزير العمل بانتقادات حادة، خصوصًا من النشطاء المسيحيين، بسبب وصفه غير المباشر للمسيحيين بغير المسلمين، تراجع الوزير وأصدر قرارًا جديدًا جاء في عنوانه أنه بشأن تحديد الإجازات الدينية للإخوة المسيحيين، غير أن متنه اقتصر على الأقباط الأرثوذكس والأقباط الكاثوليك والأقباط البروتستانت؛ ما يعني استبعاد المنتمين إلى باقي الطوائف المسيحية التي لها كنائس معترف بها، سواء من المصريين أو الأجانب، وهم: الروم الأرثوذكس، والأرمن الأرثوذكس، والسريان الأرثوذكس، والروم الكاثوليك، والسريان الكاثوليك، والأرمن الكاثوليك، والموارنة (كاثوليك)، والكلدان (كاثوليك)، واللاتين (كاثوليك).
استخدام القرار عبارة "الإخوة المسيحيين" و"الإخوة الأقباط"، وبغض النظر عن الفرق اللغوي بين دلالة الديانة (المسيحيين) ودلالة العِرق (الأقباط) فهى لغة دعائية غير رسمية، تعكس روح المودة والإخوة، ومناسبة لأحاديث الأفراد مع بعضهم البعض أو في خطب بعض المسؤولين إلى جمهورهم، لكنها قطعًا ليست لغة تشريعات وقوانين وقرارات إدارية ومخاطبات رسمية.
إذا كان المسيحيون إخوة هنا فمن هم غير الإخوة. هذه اللغة تكرس فكرة الذمية والوصاية والتمييز، وتمثل عدوانًا على حقوق المواطنة، فلم نسمع أو نقرأ أن مسؤولًا خاطب أو أصدر كتابًا رسميًا وورد فيه "الإخوة المسلمون"، حتى عندما يستخدمها الرؤساء كانت تأتي متبوعة بـالمواطنين.
فهل القرار خطأ غير مقصود، أم تعبير عن رؤية خاصة ما زالت ترى الدولة الحديثة امتدادًا للخلافة العثمانية، وتعتبر الأقباط رعايا لها؟
المؤكد أن استخدام هذه اللغة البعيدة عن قيم ومبادئ المواطنة ليس استثناءً. وهنا نشير إلى واقعتين؛ أولاهما استخدام عبارة الطائفة المسيحية للحديث عن المسيحيين أثناء مناقشة مجلس النواب لقانون بناء الكنائس المقدم من الحكومة في سبتمبر/أيلول 2016.
بخلاف السمعة السيئة لكلمة الطائفة، فمدلولها السياسي والاجتماعي مخالفٌ لحقوق المواطنة في الدستور، فاستخدام المصطلح يعكس الطريقة التي تفضلها الدولة في التعامل مع الأقباط باعتبارهم رعايا وطائفة دينية، وهو نهج طالما كان محل نقد باعتباره ضد قيم المواطنة.
الواقعة الأخرى حدثت العام الماضي، فقد أصدر الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، قرارًا بترحيل إجازة عيد العمال إلى يوم الأحد التالي الذي يوافق عيد القيامة، لتصبح الإجازة يومي الأحد والاثنين، وهو قرار يُشكر عليه، لكن لم يذكر أن يوم الأحد يوافق عيد القيامة كما لو كان يخشى غضب من يرفضون الاحتفال بهذا العيد أو التهنئة به.
ابتعاث القرار القديم
لا تقتصر المشكلات المترتبة على القرار في عنوانه، بل في مضمونه. بدلًا من تطبيق مجلس الوزراء ما هو متعارف عليه من مناسبات دينية مسيحية في وقتنا الحالي، أو سؤال الكنائس بشكل رسمي، بحث في دفاتره القديمة، ونسخ قرار مجلس الوزراء الصادر في أول يوليو/تموز 1953 بتحديد أيام العطلات المصرح بالتغيب فيها للموظفين والمستخدمين المسيحيين واليهود. وبدون أي اعتبار لمرور 72 عامًا شهدت علاقة المواطنين بالدولة تغيرًا وتطورًا في مفهوم المواطنة وأهمية المناسبات الدينية.
قسَّم القرار "الأقباط" حسب انتماءاتهم، وميّز بينهم حسب الطائفة، فأعطى للأرثوذكس خمسة أيام، أما الكاثوليك والبروتسانت فلهم ثلاثة فقط، وهو ما دعا الكنيسة الكاثوليكية لإصدار بيان تعلن فيه عن أسفها لعدم تحقيق المساواة الكاملة بما لا يتوافق مع المواطنة وتحقيق العدالة، مشيرة إلى تواصلها مع رئيس الوزراء ووزير العمل لتوضيح الأمور الخاصة بالإجازات الرسمية للكنيسة، وفي السياق نفسه، أعلنت الطائفة الإنجيلية أنها أرسلت إلى رئيس مجلس الوزراء خطابًًا عن أهمية توحيد الإجازات.
منح القرار إجازةً للكاثوليك والبروتسانت يوم رأس السنة الميلادية، ولم يمنحها للأرثوذكس، رغم أن رأس السنة ليست مناسبة دينية بالمعنى الحرفي، ومعظم شعوب العالم تحتفل بها اجتماعيًا وثقافيًا بغض النظر عن دياناتهم ومعتقداتهم. وداخل مصر معظم الكنائس تنظم صلوات واحتفاليات تمتد للساعات الأولى من العام الجديد.
كما تجاهل القرار أن عيد الميلاد المجيد للأقباط الأرثوذكس أصبح ضمن الإجازات والمناسبات الدينية العامة منذ عام 2002.
خانة جديدة للطائفة؟
على أي أساس ستحدد طائفة الشخص؟ من المعلوم أن الأوراق الثبوتية توجد بها خانة الدين، ولا توجد خانة الطائفة. جميع الخيارات المتاحة لمعرفة انتماء الشخص غير دستورية ومؤذية وليست في صالح أي جهة أو شخص.
بدلًا من إلغاء خانة الديانة في الأوراق الرسمية، سيطالب البعض بأن تضع الحكومة خانة جديدة للطائفة، أم هل ستكون الكنائس مطالبةً بإصدار شهادات بالانتماء يقدمها العاملون إلى جهات عملهم؟ أم أنّ جهات العمل ستجري اختبارًا عقيديًا لتحديد مذهب العامل؟ وماذا لو أبلغ جهة عمله بانتمائه، هل يمكنه تغييره دون مضايقات؟ وإن كذب وقال غير الحقيقة، هل سيتعرض للجزاء الإداري؟
تفتح التفرقة بين إجازات المسيحيين حسب المذهب البابَ لإشكالات عملية كما أشرنا. فخلاف الأحوال الشخصية فيما يخص الزواج وإنهاءه، ليس مطلوبًا من المسيحي إثبات طائفته أو مذهبه في أي أوراق رسمية، كما سترتب منازعات عمالية لا طائل من ورائها، فهناك مصلحة لصاحب العمل في تقليل أيام الإجازات وهناك مصلحة للعامل في زيادتها.
كان من الأجدر أن تُقر الإجازات كما هو متعارف عليه. وعلى الحكومة أن تراجع نفسها فيما يخص لغتها والصياغات المستخدمة بأن تدرك أننا نعيش وفق مبادئ وحقوق دستورية للمواطنة، ولم نعد نحيا زمن رعايا الخليفة العثماني الذي يتفضل على رعاياه من غير المسلمين ببعض من الحقوق. كما أن منح إجازات في الأعياد حق مستقر يقع ضمن احترام حرية المعتقد وإقامة الشعائر الدينية، وليس منحة أو هبة من الحكومة أو من جهة عمل أو مسؤول.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.